أيديولوجيا التخييل

السبت 2015/04/25

كي تحقّق غاياتها، تتشكل الأيديولوجيا الاستبدادية الظّلامية (العنصرية، العرقية، العصبوية، التّعصّبية، المذهبية، الطائفية، الشعبوية، المتطرّفة دائما وأبدا، والمؤسّسة للفعل الأيديولوجي الإرهابي، والمعزّزة له، والمعزّزة به)، وتصاغ منطوقاتها الرّطانية، وتنبني آلياتها الهجومية أو الدّفاعية، عبر إعمال “التّخييل” الذي يناقض “العقل” والذي لا يسفر إعماله عن إنتاج شيء سوى “رطانة” تجافي “المعرفة البرهانية المؤصّلة” وتناقض “العلم التجريبي اليقينيّ” اللذين ينجمان عن إعمال “العقل” وتطبيق “المناهج والتجارب والأساليب العلمية والعملية” الرّصينة.

وفي حال التعامل معها وتصديقها من قبل النّاس، لا تفضي تلك الرّطانة المتشعّبة، والمشبعة بالزّيف والوهم، إلا إلى تجميد عقول مصدّقيها، وتحييد روّيتهم، وتزييف وعيهم، واستلاب هويّتهم الإنسانية، وذلك عبر إزاحتهم عن أداء أيّ دور إنسانيّ فاعل يمكّنهم من إثراء حياتهم وإغناء وجودهم في الوجود، وعبر الإلحاح على تهيئتهم، نقيضا لذلك، للنهوض بمهمات، وأداء وظائف وأدوار، تحيلهم، حال النهوض بها والشّروع في أدائها، إلى أدوات مسخّرة، وإلى محض أقنعة صمّاء، تؤمر فتذعن.

ولكونها وهما يتأسّس على الوهم وفي الوهم، ويريد له منتجوه أن يتجسّد واقعا في الواقع عبر إيهام النّاس بصدقه النابع من مطابقته نصّا دينيا أو ثقافيا أو سياسيا أصليّا، يزعم أنّ صدقيته وجدارته ونجاعته قد رسخت في الوجود من زمن قديم، فإنّ هذه الأيديولوجيا الاستبدادية الظلامية تتوسّل طاقة “التّخييل” في تعاملها التأويلي التّعسّفي مع ذلك الأصل الذي تتوخّى توظيفه عبر استعادته على نحو مطابق، أو عبر تحويره وتحويل دواله عن مدلولاتها اللغوية أو الاصطلاحية اللصيقة بها، وذلك على نحو يمكّنها من صوغ قناعها الخاص الذي يستجيب لحاجات منتجيها ويحقّق غاياتهم، ويساعدهم على ترسيخ حضور سلطتهم في الزّمن الرّاهن، وتأبيدها على مدار الأزمنة.

وبتوسّلها طاقة “التّخييل” في تعاملها مع الأصل القديم المستدعى، ومع النّاس المستهدفين برطانتها ومقولاتها ومنظوماتها التخييلية، لا تكون هذه الأيديولوجيا إلا اسما آخر للوعي الزائف، أو رديفا له. إنها تتأسّس على معرفة تخييلية مضلّلة يعمل منتجوها على تعميمها في النّاس، متوخين تضمينها قوى تحفيزية وطاقات تخييلية ومقولات استفزازية ودوافع تحريضية مسبوقة بالتّخييل ومحاطة به كي توهم بالصّدق، وكي تدفع المستهدفين بها من النّاس إلى تجميد عقولهم، أو التخلي عنها بإطلاق يجردهم من إنسانيتهم، وذلك على نحو يحفّزهم على اتخاذ مواقف، والإقدام على أفعال وتصرّفات تسوّغها هذه الأيديولوجيا المفعمة بالوهم، والمسكونة بالزّيف الذي به تحاول إخفاء علل إنتاجها، وتسويغ غاياته وتبرير مقاصده المناقضة لجوهر الحياة، وصيرورة الزّمان، وحقيقة الإنسان.

وفي نطاق هذه الأيديولوجيا التخييلية، تتلازم وتترابط مقولات دينية، تمّ تأويلها تعسّفا، مع مقولات ثقافية؛ فكرية واجتماعية واقتصادية وسياسية متشابكة وذات صلة بـ”رؤية للعالم” تنطوي على ما يسوّغ وضع أنظمة وقوانين وآليات استبدادية، وإقرارها، والشروع في إنفاذها على نحو يتيح للسّلطة المستبدّة، أيا كان منبعها أو كانت طبيعتها، القبض على حياة المجتمعات والأوطان، وسرقة مواردهما، واحتجاز مستقبلهما، والتحكّم في مصائر الناس الذين لا تراهم إلا موضوعا لممارسة سلطتها عليهم، أو خدّاما في محراب قداستها لا يكفّون عن الابتهال إليها شاكرين مكرماتها وأفضالها وسخاء عطاياها، ولا يتوقفون، أبدا، عن رفع الدّعاء إلى الخالق الحافظ كي يحفظها عليهم ويحميها، وكي يقيها شرور معارضيها ونقائضها وأحقادهم، وكي يؤبّد بقاءها سلطة عليهم تكفيهم الحاجة إلى إنهاك أنفسهم بإعمال العقل، لكونها هي وحدها المخوّلة، من قبل الخالق الحافظ، بإعماله أو إقالته، وبتقرير ما تراه ملائما للنّاس في كلّ شأن، بوصفها الرّاعي المؤتمن على رعيّة تابعة جاهلة خامدة، تؤمر فتطيع، وتكبح فترعوي، ويقرّر لها فتقبل، وتعطى ما تعطى فتأخذ ما تراه منّة أو هبة أو مكرمة، وتظلّ شاكرة مبتهلة في كلّ حال وحين.

فما الذي يمكن لخطاب العقل المنير أن يفعله في مواجهة هذا الزّيف؟ وكيف لهذا الخطاب أن يؤصّل نفسه فكريا؛ عقليا ومنطقيا وإبداعيا وتنويريا، وأن يجسّد حضوره وجودا فاعلا في وعي النّاس، وفي الواقع الذي يتوقون إلى تغييره؟

ناقد من فلسطين مقيم في سلوفاكيا

16