أيديولوجيا التماثل تهدد التعددية الثقافية والعرقية في تركيا

كشف استفتاء توسيع الصلاحيات لرئيس الجمهورية في تركيا عن نقاط سوداء جديدة لنظام حكم أردوغان. وحذرت صحيفة دايلي حريات التركية من تراجع حقوق الجاليات غير المسلمة في السنوات الأخيرة من حكم حزب العدالة والتنمية. ورغم أن الأقليات دعمت أردوغان في بداية حكمه لما منحه لها من مكاسب حقوقية، إلا أن تأجيجه للخطاب القومي الشعبوي في حملة الاستفتاء الأخيرة والذي يشيطن فيه كل من هو خارج القاعدة الانتخابية السنية يطرح تساؤلات عن مستقبل الأقليات في عهد السلطان العثماني الجديد.
الأربعاء 2017/04/26
التعددية تختنق في تركيا

أدرنة (تركيا)- على خلاف البنايات البلدية العصرية الضخمة والتي يحمل أغلبها جمالا في إسطنبول، تملك مدينة أدرنة بناية تاريخية مركزية صغيرة. يمثل هذا المبنى مقر البلدية وتوجد فيه صورة لأعضاء المجلس البلدي تعود إلى سنة 1902 فيها 12 عضوا: ستة مسلمون وستة غير مسلمين.

هذه البناية هي إحدى أروع الشهادات لتاريخ المدينة متعدد الثقافات. تقع أدرنة، وهي إحدى مدن إقليم تراقيا، في أقصى الجهة الشمالية الغربية من الجزء الأوروبي لتركيا.

وبعد أن كانت في ما مضى موطنا لعدد كبير من الجاليات غير المسلمة، تحاول أدرنة الآن إحياء ذلك الثراء الثقافي. لم تبق في المدينة غير عائلة يهودية واحدة لكن كنيسها المرمم حديثا هو الثالث في أوروبا من حيث الحجم (بالرغم من أنه كثيرا ما يستعمل كقاعة عرض أكثر منه للطقوس الدينية).

مكتسبات ولكن…

ميهايل فاسيلياديس يقول إنه أتى من اليونان إلى تركيا وصوت لحزب العدالة والتنمية لكن الآن لا يمكنه حتى التكلم بلغته الأم

العديد من البنايات التاريخية التي تعود إلى الأقليات غير المسلمة في تركيا تم ترميمها أثناء حكم حزب العدالة والتنمية. مقارنة بسابقيه تعتبر سياسات حزب العدالة والتنمية تجاه الأقليات غير المسلمة الأكثر ديمقراطية، ووصل ذلك إلى ذروته في سنة 2008 حين سهلت تنقيحات أدخلت على قانون المؤسسات الدينية للأقليات عودة الممتلكات التي تم انتزاعها في سبعينات القرن الماضي.

وتعرف تركيا بتعدد قومياتها وأديانها ومذاهبها. ويحتل الأكراد المرتبة الثانية، يليهم العرب، ثم تأتي أقليات قومية ودينية عديدة أبرزها اليهود والأرمن، إلى جانب أقليات طائفية من أبرزها وأكبرها الأقلية العلوية.

شهدت الأقليات الدينية عدة مكتسبات تحدث لأول مرة خلال العشرية الماضية، إذ أقامت كنيسة سوميلا الأرثوذكسية الإغريقية الموجودة قرب مدينة ترابزون على البحر الأسود أول شعائر دينية في 88 عاما وذلك سنة 2010، إضافة إلى ذلك نجد أن كنيسة أكدمار (كنيسة الصليب المقدس) الموجودة في جزيرة أكدمار في بحيرة فان، وهي قطعة مهمة من التراث الأرميني، خضعت لعملية ترميم وتم فتحها من جديد للزوار في سنة 2007 كمتحف.

وفي سنة 2010 قررت الحكومة فتح الكنيسة لممارسة الطقوس الدينية مرة في السنة. وبالمثل تمت إعادة فتح مدرسة الأقلية الإغريقية في غوكجادا في سنة 2015 بعد غلقها لخمسة عقود.

علق أحد النواب بالقول “كل هذه الأشياء التي حدثت لأول مرة مهمة بالنسبة إلي ولا أريد أن أقلل من قيمتها، لكن أهم مكسب للأقليات غير المسلمة في السنوات الأولى من حكم حزب العدالة والتنمية هو حقيقة أننا أصبحنا مرئيين أكثر وكسبنا سمعة متصاعدة بفضل الاعتراف الذي حظينا به في أعلى هرم الدولة”.

ويتابع قائلا “هذا الاهتمام الذي أبدي لنا في أعلى مستوى الحكومة كان مثالا جيدا للمستويات الأدنى في الدولة. لقد رفع ذلك من ثقتنا بأنفسنا. سئلنا عن آرائنا، وتمكنا من التعبير عن حاجاتنا وزاد الدعم الشعبي لآرائنا”. لكن، للميدالية جانبا آخر قاتما. جرى اغتيال الصحافي الأرميني التركي هرانت دينك كذلك أثناء فترة حكم حزب العدالة والتنمية. وكون عائلته مازالت تسعى إلى اليوم إلى نيل العدالة مع تباطؤ القضية سيبقى بقعة سوداء في سجل حزب العدالة والتنمية.

ولم تكن تلك هي البقعة السوداء الوحيدة. مرت سنوات على إلغاء المرسوم المنظم لانتخابات لإدارة المؤسسات، وقيل للأقليات إن المرسوم ألغي لتجديده حتى يستجيب لمتطلبات العصر ولجعل القانون أكثر ديمقراطية، لكن ليست هناك أي علامة على مرسوم جديد في الأفق.

مقارنة بسابقيه تعتبر سياسات حزب العدالة والتنمية تجاه الأقليات غير المسلمة الأكثر ديمقراطية، ووصل ذلك إلى ذروته في سنة 2008

يقول النائب “ربما نكون جاليات صغيرة، لكن حتى الجاليات الصغيرة مثل جاليتنا في حاجة إلى الديمقراطية. لا يمكننا تنظيم انتخابات ونحن محرومون من حقنا في تجديد أنفسنا. هذه خسارة كبيرة بالنسبة إلينا، وكأننا استرجعنا ممتلكات لكن المتصرفين السابقين بقوا في أماكنهم”.

تراجع حقوق الأقليات

مثلما هو الحال لمجالات أخرى من مسار الديمقراطية في تركيا، هناك تراجع في تحسين حقوق الأقليات. والأدهى من ذلك كان للمناخ القومي الذي أججه الخطاب المشيطن لكل من هو خارج القاعدة الانتخابية السنية لحزب العدالة والتنمية أثر تخويف على الأقليات.

وفي تصريح لصحيفة بيرغون اليومية يقول ميهايل فاسيلياديس رئيس تحرير الصحيفة اليومية الناطقة باللغة اليونانية والموجود مقرها في تركيا “أتيت من اليونان في سنة 2002 وصوت لحزب العدالة والتنمية. الآن لا يمكننا حتى التكلم بلغتنا الأم في الشوارع. نحجم عن كشف هوياتنا ونتجنب نطق أسمائنا”.

وضع الأقليات اليوم تصفه الكاتبة التركية أليف شفق بقولها “من الصعب أن تكون أرمنيا أو كرديا أو علويا أو مثليا أو رافضا للخدمة العسكرية أو يهوديا أو امرأة أو فقط شخصا لا يوافق على ما يحدث في البلد. وإذا حدث وأنَّك تضع علامة على أكثر من خانة واحدة، فإن الحياة تغدو أكثر صعوبة. والقائمة تطول وتطول.

فقد تم سحق التنوع، كما تم التنازل عن حرية التعبير، فيما تهيمن أيديولوجيا التماثل على الأرض. والذين شكلوا هذه الأيديولوجيات هم القوميون والإسلاميون والاستبداديون الأتراك”.

12