أيديولوجية التعدد الثقافي تخلق إرهابها الخاص

فكرة النسبية الثقافية أمر مرحب به لكن هذه النسبية باتت تستخدم الثقافة كطريقة للتأكيد على الحدود والنقاوة.
الجمعة 2021/04/09
استفادوا من التعدد ولكنهم لم يقبلوه

في السنوات الأخيرة بتنا نرى أكثر البلدان تعددا وقبولا بالاختلاف في قوانينها ودساتيرها تعاني من هذا الاختلاف، حيث يحاول الكثير من المهاجرين استغلال الثغرات وجو الحرية لفرض أنماط تفكيرهم على المجتمع الذي استقبلهم، وهذا ما نراه مثلا لدى بعض مسلمي أوروبا الذين يحاولون فرض قناعاتهم. ظاهرة معقدة يفككها النرويجيان توماس هيلاند أريكسون وبيتر نورمان ووغه في كتابهما المشترك "الإرهاب الثقافي وحرية التعبير".

انطلق كل من الكاتب توماس هيلاند أريكسون والكاتب بيتر نورمان ووغه في كتابهما المشترك “الإرهاب الثقافي وحرية التعبير” من قضية الروائي الهندي سلمان رشدي، الذي أثار جدلا واحتجاجات واسعة وصلت إلى صدور فتوى بإهدار دمه من آية الله الخميني في الثمانينات على خلفية روايته “آيات شيطانية”.

وناقش المؤلفان قضيتي الإرهاب الثقافي وحرية التعبير خاصة في ما يتعلق بالأقليات المهاجرة إلى الغرب ومحاولاتها تطبيق تقاليدها ولغاتها وثقافاتها داخل المجتمع، حيث أشار أريكسون في مقدمة دراسته التي عنونها بـ”الإرهاب الثقافي” إلى قول رشدي “إنه يقف إلى جانب العالم الذي غدا هجينا.. ‘كريوليا‘ متحركا، والذي هو جزء منه، أعداؤه الرئيسيون هم أصحاب النقاوة العرقية ودعواتهم عن الحدود والنقاوة”.

التعدد الثقافي

الكتاب يناقش قضيتي الإرهاب الثقافي وحرية التعبير

يوضح الكتاب أنه من الأرجح أن الأشخاص الذين هم من نمط سلمان رشدي يمثلون المستقبل، إلا أن جوقة صاخبة من الأصوليين المتدينين والرومانسيين القوميين والساسة المغرورين تبذل ما بوسعها من أجل إسكات هؤلاء الناس ووصمهم بالخيانة أو، على الأقل، تهميشهم والتقليل من أثرهم من خلال تصويرهم على أنهم حفنة صغيرة من الناس.

ويرى أريكسون في الكتاب الذي ترجمه عن النرويجية نزار آجري وصدر عن دار خطوط وظلال الأردنية أن إحدى أهم الخطوات التي قامت بها الإنسانية بعد الحرب العالمية الثانية تقوم في الاعتراف المتصاعد بالأقليات والتخفيف من وطأة “الإمبريالية الثقافية” من جانب المجتمعات الصناعية. وقال “لقد أصبحت حقوق الأقليات والحقوق الثقافية جزءا لا يتجزأ من الواقع اليومي السياسي في الكثير من البلدان، وشيئا فشيئا دخلت فكرة النسبية الثقافية في قوانين ودساتير الكثير من البلدان، مثل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا، وساهم في ذلك فلاسفة مثل ريتشارد روتي، فضلا عن مساهمة التيار ‘الثقافوأنثروبولوجي‘ حول الاغتناء الثقافي”.

وأكد أنه من الصعب الاعتراض على حق الأقليات وغيرها من الجماعات في الحفاظ على تقاليدها ولغاتها وثقافاتها، إن التاريخ مليء بالاحتواء الهمجي والفظ، أي الإبادة الثقافية، للجماعات الغريبة؛ ولهذا فإن فكرة النسبية الثقافية أمر مرحب به، ولكن التسامح والتساوي الثقافي أخذا يسدان الحلق سواء لدى الأقليات نفسها أو لدى ممثلي الأكثرية في المجتمع.

في الولايات المتحدة، مثلا، تحولت النسبية الثقافية إلى ما يشبه المهزلة، حيث يعمد كل شخص إلى القول إن في وسعه أن يفعل ما يشاء استنادا إلى خلفيته الثقافية، هناك تدعى هذه الإستراتيجية “مطلب الدفاع الثقافي”، وتبعا لذلك فإن انتهاك القانون الذي تقوم به الأقليات يجب أن يُغفر لأن ذلك لا يعتبر انتهاكا في التقاليد الجماعية المنتهكة، ويصير الأمر أشبه بحالة قتل الزوجات في “ترينيداد” في القرن الماضي؛ فقد صرحوا في المحكمة أن الثقافة الهندوسية التقليدية تعتبر الزوجة ملكا شخصيا للرجل يحق له التصرف بها كما يشاء دون أن يحق لأحد التدخل.

الكتاب يوضح أنه من الأرجح أن الأشخاص الذين هم من نمط سلمان رشدي يمثلون المستقبل، إلا أن جوقة صاخبة من الأصوليين المتدينين والرومانسيين القوميين والساسة المغرورين تبذل ما بوسعها من أجل إسكات هؤلاء الناس ووصمهم بالخيانة

ويوضح أريكسون أن السوسيولوجي الثقافي الدنماركي مِحمت أوميت نجف اقترح التمييز بين نوعين من العنصرية: العنصرية اليمينية الفاشية التي تعتبر الفروقات بين المجموعات البشرية أمرا وراثيا، والعنصرية اليسارية التي تبرر كل ما يقوم به أفراد “الجماعات الغريبة” تحت غطاء أن “الأمر هكذا في ثقافتهم”، بحيث لا تتم معاملتهم ككائنات أخلاقية بشكل جدي.

ونجف، المولود في تركيا، ينأى بنفسه عن إضفاء الطابع الرومانسي على ثقافات المهاجرين، لأن أمرا كهذا يحول دونهم لأن يتصرفوا كأفراد معاصرين ذوي حقوق كاملة. فيما يحاجج الكندي نينو ريشي في السياق ذاته، فيقول إن “أيديولوجية التعدد الثقافي تتيح المجال للمهاجرين لأن يحصلوا على حقوقهم السياسية قبل أن يصبحوا مؤهلين للانخراط في المجتمع بوصفهم أفرادا، مثلهم مثل الآخرين”.

ويلفت أريكسون إلى أن أيديولوجية التعدد الثقافي ذات حدين؛ من جهة تبيح للشعوب أن تكون مختلفة، ومن جهة أخرى تعرقل معاملتهم على قدم المساواة، هكذا يصرخ الأشخاص بأنهم ينتمون إلى ثقافة مختلفة حين تكون ثمة امتيازات ومنافع لهم، وإلا فإنهم يطالبون بالمساواة والمعاملة بالمثل.

السود في جنوب أفريقيا يصرون على تعلم اللغة الإنجليزية في المدارس مثل البيض الجنوب أفريقيين؛ لأنهم إذا لم يفعلوا ذلك لن يكونوا قادرين على المنافسة في سوق العمل، والـ”بريتونيون” في فرنسا يصرون على تعلم “البريتونية” لأنهم يتقنون الفرنسية سلفا، إنهم يريدون استغلال اللغة البريتونية لغايات انتهازية على أرضية ثقافية، هذا لا يعني عدم إعطاء البريتونيين الحق في تعلم البريتونية.

وهكذا تخلق أيديولوجية التعدد الثقافي إرهابها الثقافي الخاص بها؛ إنها تستخدم الثقافة كطريقة أخرى للتأكيد على الحدود والنقاوة، الكثير من أفراد الأقليات القومية يرفضون الظهور بمظهر الأقليات، ولكن في مجتمع تسود فيه النسبية الثقافية وأيديولوجية التعدد الثقافية، تراهم يصرخون باستمرار أن لهم ثقافة وتقاليد وأنهم، يا للغرابة، فخورون بها!

حرية التعبير

توماس هيلاند أريكسون يشير إلى أن أيديولوجية التعدد الثقافي ذات حدين؛ من جهة تبيح للشعوب أن تكون مختلفة، ومن جهة أخرى تعرقل معاملتهم على قدم المساواة

أما ووغه فيشير في دراسته المعنونة بـ”حرية التعبير الخطيرة” إلى أن قضية رشدي ومحاولة قتل ناشر أعماله وليام نيجورد ساهمت في فتح أعيننا على الواقع العالمي، حين يتعلق الأمر بانتهاك حقوق الإنسان، من خلال قمع حرية التعبير يتم قمع حرية الناس ومنعهم من التعبير عن آرائهم في مختلف أنحاء العالم، ويجري ذلك على يد السلطات أو على يد المجموعات الدينية الأصولية أو العصابات الإجرامية المنظمة.

وما تعرض له رشدي ومترجموه وناشروه يعد إرهابا عالميا وتحريضا عليه؛ بمعنى أن الناس يعبرون الحدود من أجل قتل مواطنين ينتمون إلى بلد آخر عبروا فيه عن آرئهم داخل حدوده.

ويرى ووغه أن الرقابة سلاح تستخدمه السلطات السياسية ضد معارضيها والمناوئين لها، وإلى جانب الديمقراطية الغربية المستقرة، توجد اليوم ديمقراطيات حديثة العهد، دول تعرفت إلى الديمقراطية توا، وهي معرضة للخطر كما هو الحال في بلدان المعسكر الاشتراكي السابق، والممارسة الديمقراطية لا تنصب فقط على تبني دستور ديمقراطي، بل تنصب أساسا على الوعي الديمقراطي، ليس بين جمهور المنتخبين وحدهم بل بين كل الناس.

ويضيف أنه توجد هناك دول دكتاتورية يقودها انقلابيون، دول ذات حزب واحد حيث تحل الأيديولوجيا محل الدستور كما هو الحال في الصين، والجماعات الأصولية الإسلامية في العالم العربي هي المثال على المجموعات التي تمارس الرقابة والقمع من خارج السلطة السياسية. لكن هناك رقابة في العالم الغربي أيضا، في بريطانيا  مازال الحظر مفروضا على إجراء مقابلات إذاعية مع المتعاطفين مع منظمة الجيش الأيرلندي السري، وإمكانيات فرض حظر شرعي على الأعمال الأدبية أكثر رسوخا مما هو في الدول الدكتاتورية.

ويتساءل ووغه لماذا حرية التعبير؟ ويضيف “باختصار يمكن إيراد ثلاث محاججات رئيسية لصالح حرية التعبير: أولا حرية التعبير ضرورية للوصول إلى الحقيقة. ثانيا حرية التعبير شرط من شروط قيام الشعب بحكم نفسه ومراقبة السلطة، وبالتالي الحيلولة دون سوء استعمال السلطة. ثالثا حرية التعبير جزء لا يتجزأ من حق الفرد في تطوير شخصيته وإثبات هويته. هذه المحاججات الثلاث مترابطة منطقيا وواقعيا، ولكن يمكن في الوقت نفسه الفصل بينها والتوقف عند كل واحدة على انفراد”.

ويلفت إلى أن حرية التعبير لا تقتصر على الحوار،  أو المواجهة الكلامية، في الفضاء المجتمعي العام فقط، بل هي تمتد لتشمل كل العلاقات الاجتماعية، وعادة ما يسهل تقبل حرية الرأي في الفضاء المجتمعي بسهولة أكثر مما في الفضاءات الصغيرة ذات الطابع الشخصي.

أيديولوجية التعدد الثقافي ذات حدين؛ من جهة تبيح للشعوب أن تكون مختلفة ومن جهة أخرى تعرقل المساواة

ويرى أن الطريق مازال طويلا كي يصبح الوعي بحقوق الإنسان جزءا حيويا من حياتنا الفردية والجماعية، إذ ثمة مسافة بين الاعتراف النظري البديهي بالحقوق الديمقراطية وبين الفهم الحقيقي لها وتطبيقاتها على أرض الواقع، وما يجري الآن في النرويج من حالات ملموسة يظهر كم أن هذه المسافة كبيرة، كانت النرويج تقف في الساحة الدولية إلى جانب الذين يكافحون “الأبارتيد” في وقت كان الناس الذين يختلف لون بشرتهم عن لون بشرتنا قليلين في مدننا.

ويتابع “لدينا تقليد راسخ في مساعدة ضحايا الحروب والمجاعات في البلدان والقارات البعيدة، ولكن حين يظهر الضحايا هنا في البلد تأخذ المسألة طابعا آخر. غالبا ما تكون الديمقراطية وحقوق الإنسان مجرد صيغ لفظية لدى أوساط معينة من النخبة، ينبغي تفعيل هذه المثل، ولاسيما حرية التعبير، من خلال التالي: أولا نشر المعلومات عن الديمقراطية ونظام حقوق الإنسان والواجبات التي تتبع ذلك. ويجب أن يتضمن ذلك معلومات عن التقليد الإنساني والدستوري في البلدان الشمالية. ثانيا إثارة الجانب العاطفي والوجداني لتفعيل هذه الأشياء. يمكن استخدام الوسائل السمعية والبصرية والمسرح والغناء والموسيقى من جميع أنحاء العالم بما يظهر حقوق الإنسان من وجهة نظر أخلاقية ووجدانية”.

15