أيقونات الموضة العربية يضعن لمساتهن على أزياء العالم

مصممات عربيات يخطفن الأضواء في صناعة الموضة والجمال.
الأحد 2020/12/13
الإبداع لا وطن له

ترسم مصممات الأزياء العربيات صورة متفائلة عن بلدانهن بأزيائهن التي تعطي إشارات مضيئة عن إبداعات المرأة، في مجتمعات اتسم معظمها بالتحفظ والتشدد تجاه دور المرأة فيها، كما لا يرحب فيها الكثير من الذكور بانتقال المرأة من عالمها التقليدي الضيق إلى عالم الأضواء والشهرة، لكن الفضل في كل هذا التغيير يعود إلى جهود بذلتها النساء الشغوفات اللواتي عزمن على الدخول إلى عالم الموضة.

يدار قطاع الموضة في أغلبه من قبل الرجال، ويسيطر على معظم المناصب الفنية والإدارية في أشهر بيوت الأزياء العالمية الرجال، ولكن وسط هذا الحضور الطاغي للذكور نجحت نساء كثيرات في كسر الهيمنة الذكورية وأصبحن جزءا لا يتجزأ من عالم الموضة والجمال.

كما نجحت نسبة كبيرة من المصممات العربيات في ترك بصمات ملموسة في قاموس الأزياء الراقية وصناعة الموضة في بلدانهن، واستطعن نقل إبداعاتهن إلى حضارات أخرى، رغم تعرض البعض منهن للتهميش من مجتمعاتهن، لكن التاريخ بدأ يسلط الضوء على إنجازاتهن.

وكانت لهؤلاء المصممات، اللواتي تتنوع خلفياتهن الاجتماعية، القدرة على ريادة الأعمال للوصول إلى أعلى درجات الشهرة والنجومية، ومنحتهن إبداعاتهن فرصا ذهبية للوصول إلى الأسواق في مختلف أنحاء العالم، وتصدر قائمة الشخصيات الأكثر نفوذا في عالم الأزياء.

وعلى مدار عقود من الزمن خطفت الكثيرات الأضواء بتصميماتهن الفاخرة وترددت أسماؤهن في أروقة أكبر الشركات العالمية لبيع الملابس وشاشات التلفزيون ومجلات الموضة، ومن بينهن اللبنانية ريم عكرا التي تميزت ببصمتها المتميزة في عالم الأزياء، ولهذا فليس الغريب أن تتأنق النجمات العالميات بفساتينهن على السجادة الحمراء في كبرى المهرجانات السينمائية.

واشتهرت مصممة المجوهرات اللبنانية، نور فارس بتصاميمها الفريدة من نوعها لقطع المجوهرات وأسلوبها الأنيق والبسيط الذي نالت بفضله شهرة عالمية.

ونجحت التونسية شروق رحيم المقيمة في باريس في اكتساب شهرة واسعة بعد أن أصدرت علامتها الخاصة التي تحمل اسم “شروق” فيما أصبحت تصميماتها للإكسسوارات المرصعة بالكريستال، حاضرة في الكثير من إطلالات النجمات. وهناك نماذج كثيرة لمصممات رسمن صورة زاهية عن بلدانهن بفضل النجاح الذي حققنه في عالم الموضة الذي اقتحمنه، إما صدفة أو بدافع علاقة عشق فطرية.

أناقة مصرية

عايدة زايد: المشكلة التي تواجه الموهوبات هي حاجتهن إلى التسويق على مستوى عالمي
عايدة زايد: المشكلة التي تواجه الموهوبات هي حاجتهن إلى التسويق على مستوى عالمي

ولفتت عايدة زايد، مصممة الأزياء ومديرة مركز الموضة والتصميم بوزارة التجارة والصناعة المصرية، إلى أن المصممات العربيات حاليا استطعن تقديم تجارب ناجحة على مستوى العالم بجمعهن بين الموهبة والحس الفني، ونقل جزء من ثقافة وحضارة وتاريخ شعوبهن عبر التصميمات التي يصنعنها ما يجعلها فريدة من نوعها.

وقالت لـ”العرب”، “المشكلة التي تواجه الكثير من الموهوبات هي حاجتهن إلى التسويق على مستوى عالمي وليس محليا فقط، إلى جانب احتياجهن لدعم من قبل شركات الملابس على عكس نظيراتهن في الغرب اللاتي يتلقين تمويلا بسخاء من أجل ديمومة الابتكار وإنتاج الجديد في كل موسم لإرضاء جميع الأّذواق”.

وأشارت زايد إلى تجربة مصممة الأزياء المصرية فريدة تمرازا التي قضت 13عاما تشارك في ورشات عمل عديدة بمجال الأزياء والموضة وتتابع الجديد في المجال عالميا، واستطاعت أن تشارك في أسابيع الموضة بالخارج، وأن تكون تصميماتها حاضرة في المهرجانات الفنية الدولية.

وأكدت أن المصممات العربيات يمتلكن الموهبة والعلم معا، مدللة على ذلك بمركز الموضة الذي تديره في القاهرة ويشهد إقبالا كبيرا من الراغبات في احتراف عالم الموضة على المستوى العربي بوجه عام، ونجح في تخريج مشاهير وصلوا إلى مراكز متقدمة في مسابقات عالمية بعد حضورهن لورشات عمل لأكبر مصممي دور الأزياء.

فخامة لبنانية

ريما بحصلي: تجمعني بالإبرة والخيط علاقة عشق تمتد إلى الطفولة، فقد كانا من  الألعاب التي استهوتني
ريما بحصلي: تجمعني بالإبرة والخيط علاقة عشق تمتد إلى الطفولة، فقد كانا من  الألعاب التي استهوتني

ولا يمكن التحدث عن المصممات العربيات دون المرور بأرض الموضة والجمال لبنان، التي ساهم مصمموها منذ سنوات طويلة مع كبار مصممي الأزياء الراقية في إرساء أسس الموضة.

وتعتبر المصممة ريما بحصلي من بين الأسماء اللبنانية التي اكتسبت شهرة واسعة بأزيائها المميزة والفاخرة.

وقدمت بحصلي مجموعة من تشكيلات الأزياء المناسبة لكلّ زمان، من خلال إطلالات فاخرة تناسب مختلف الفصول وأرقى الحفلات.

واستحضرت بحصلي في بعض تصاميمها أجواء عشرينات القرن الماضي، ولكنها طوّرتها لتتناسب مع متطلبات المرأة العصرية في مجال الأناقة.

وسيطر عشق المصمّمة اللبنانية ريما بحصلي للرومانسية والأنوثة على مزاج العديد من التصميمات، حيث جعلت ريما للأناقة طعما مختلفا بدا أكثر رقة ونعومة.

وخاضت بحصلي غمار عالم الموضة منذ مراحل مبكرة من عمرها، فبعد أن حصلت على البكالوريا في بيروت سافرت إلى فرنسا لصقل موهبتها في هذا المجال فالتحقت بجامعة الأزياء العالمية بباريس”إسمود” (esmode) ثم عادت على إثر ذلك إلى بلادها لتبدأ في تجسيد حلمها على أرض الواقع، واستطاعت بإمكانياتها البسيطة أن تتحدى الصعوبات وتحقق تصاميمها شهرة كبيرة نقل زبائنها صداها، إلى نازك الحريري زوجة رئيس وزراء لبنان الراحل رفيق الحريري، فطلبت منها حينها تصميم سترة مرسومة عليها بيوت تراثيّة لبنانيّة، وتمكنت بحصلي بمساعدة شقيقها الفنان التشكيلي من تصميم سترة فريدة من نوعها شدت الجميع، فانتقلت إبداعاتها همسا من فم هذا إلى ذاك، إلى أن ذاع صيتها.

وقالت بحصلي لـ”العرب”، “تجمعني بالإبرة والخيط علاقة عشق تمتد إلى مراحل الطفولة، فقد كانت هذه الهواية من ضمن أول الألعاب التي استهوتني، وطلبت من أهلي مانكان وآلة للخياطة مع لوازمها”.

أناقة في التصاميم
أناقة في التصاميم

وأضافت “هذا الشغف تطور تدريجيا مع نضوجي إلى أن تحول إلى حلم جارف، ما دفعني إلى السفر إلى فرنسا لمتابعة دراستي والتخصص في هذا المجال حيث مكثت هناك ثلاث سنوات، كانت آخرها سنة قضيتها في دار الأزياء العالمية ’ديور’ (Dior) للتمرس أكثر في المجال، ثم عدت إلى الوطن الحبيب، وأنشأت لنفسي دار أزياء صغيرة في بداياتي، ومن ثم تحولت إلى ورشة عمل لتصميم فساتين السهرات والأعراس، وبعدها اتجهت للألبسة الجاهزة التي لاقت ترحيبا كبيرا في أوروبا ومختلف البلدان العربية، وأقمت العديد من العروض في بيروت”.

وتابعت “ابتكرت أيضا خطا للمعاطف تميز بتصاميمه المبتكرة والعصرية التي تداخلت فيها الأقمشة المستخدمة كالجلد والفرو والمطرزات اليدوية القديمة التي جمعتها من أسواق الأنتيك، فابتكرت منها قطعا نادرة وفريدة، لكل منها قصتها الخاصة”.

واعترفت بحصلي بمواجهتها للكثير من الصعوبات في مسيرتها المهنية، وأهمها حواجز الأبواب الموصدة التي يقفلها المجتمع الذكوري الشرقي في وجه النساء الطموحات، فضلا عن المنافسة الشرسة في قطاع صناعة الموضة.

ووجهت المصممة اللبنانية رسالة إلى المرأة، داعية إياها إلى تأسيس عائلة والاهتمام بها قدر مستطاعها، من دون الإخلال بدورها في خدمة مجتمعها.

إبداعات تونسية

مريم البريبري: أغوص في جميع التفاصيل التي ترسخت في ذاكرة الشعوب وتاريخها
مريم البريبري: أغوص في جميع التفاصيل التي ترسخت في ذاكرة الشعوب وتاريخها

تزخر تونس أيضا، بطاقات نسائية إبداعية خلاقة تملؤها الحماسة للحفاظ على الهوية الحضارية والتاريخية لبلادها بطرق جديدة وغير متوقعة، للبلاد، عبر تقديم أحدث التصاميم الأنيقة للغاية وغير المكررة والمصممة بذوق رائع، وذلك بهدف الانضمام إلى السجادة الحمراء في منصات الأزياء العالمية.

وتشتهر تونس التي تعاقبت عليها حضارات مختلفة مثل الأمازيغية والقرطاجية والرومانية والعربية والأندلسية والعثمانية، بموروث متنوع من الأزياء التقليدية يختلف من محافظة إلى أخرى.

وشهدت السنوات الأخيرة عودة مصممي الموضة إلى هذا التراث الثري، واستلهام ملابس لاقت قبولا كبيرا لدى الزبائن لأنها “تجمع بين الأصالة والمعاصرة”.

ومن بين هؤلاء المصممين مريم البريبري، وهي في الأصل ناشطة حقوقية وصحافية، لكنها ولعت بصناعة الموضة منذ حداثة عمرها بسبب نشأتها داخل وسط أسري يعشق فن الحياكة والتطريز وخياطة الملابس التقليدية التونسية، وخصوصا “الجبة” و”البرنس”.

وقالت البريبري لـ”العرب”، “تعلمت أصول هذه الحرفة على أيدي والديّ، ولكني طوّرت خبرتي تدريجيا، ففي البداية كنت أصمم ملابسي بنفسي ولصديقاتي لكن مع مرور الزمن تطورت خبرتي أكثر واستوحيت من تراثي التونسي الثري تصاميم ملابس عصرية، في معظمها مريحة وفضفاضة استلهمتها من الأزياء التراثية وهي في معظمها بسيطة وأنيقة وصالحة لجميع المناسبات كالعمل والدراسة والأفراح والمقابلات الرسمية والاحتفالات”.

وأضافت “تمتاز أزيائي بالألوان والرسوم الهندسية والزهور، لأنني أعشقها حدّ الهوس، وأحاول أن أظهر ذلك السحر الخاص لأزياء الشعوب وتراثها الزاخر بالجمال المتفرد كالأمازيغ، والتوارق والهنود والأرمن والموهيكان والقائمة تطول ولا تحصر”.

وواصلت البريبري حديثها “أغوص في جميع التفاصيل التي ترسخت في ذاكرة الشعوب وتاريخها عبر الحياكة والتطريز والألوان، لأنني أؤمن بأن اللباس يمثل نصف الهوية ومقاومة وحشية السوق والاستعمار الاقتصادي، ولا تكون إلا بما نصنعه بأيدينا”.

استلهام تصاميم جذابة
استلهام تصاميم جذابة

وقالت موضحة “أؤمن بالحرية إلى ما لا نهاية، لذلك أعطي الحرية ليدي ومقصي وخيالي لتصميم أزياء أكثر راحة، فالجسد في حاجة إلى التحرر من كل قيود الملابس الخانقة والسباحة داخل القميص أو الفستان بكل أريحية”.

ولفتت المصممة التونسية إلى أنها لم تشارك في عدة عروض عالمية، باستثناء عرض وحيد أقامته في مدينة وهران الجزائرية في إطار تظاهرة ثقافية سميت “أفريقيا تناديك” (Africa is calling you) كما أنها لا تفكر في الوقت الحالي في إقامة أية عروض جدية لأنها تحلم بأن يكون عرضها القادم أكثر من مجرد قطعة ملابس.

ولعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورا كبيرا في إتاحة الفرصة لظهور المزيد من النساء في عالم الموضة، وبالتالي أصبحت المصممات العربيات رمزا لملايين الشابات في أنحاء العالم.

ورغم صعوبة هذه الظروف، بسبب الجائحة التي أفرغت منصات العروض، تُواصل المصممات ابتكاراتهن ليؤكدن أن الرجال ليسوا وحدهم القادرين على التصميم والابتكار والتحكّم في القماش.

20