أيقونة الأغنية المرحة صباح أوصت محبيها بالفرح والرقص

الخميس 2014/11/27
كانت "الشحرورة" رمزا للأناقة بشعرها الأشقر الغزير المتدلي على كتفيها

بيروت- استمرت الفنانة اللبنانية صباح التي غيبها الموت فجر أمس الأربعاء عن 87 عاما، تقاوم الشيخوخة بالغناء والحفاظ على أناقتها واستمرارية حضورها الإعلامي، حتى الرمق الأخير، وذلك بعد أن طبعت أغنياتها وأعمالها المسرحية والسينمائية تاريخ الفن اللبناني والعربي على مدى أكثر من ستين عاما.

توفيت فجر أمس الأربعاء بفندق في بعبدا قرب بيروت، حيث كانت تقيم حسبما أفاد به مدير أعمالها جوزيف غريب. وجاء في بيان النعي “بفرح كبير وتلبية لرغبتها، نقابة الفنانين المحترفين في لبنان وعائلة الفغالي يعلنان رحيل الأسطورة شحرورة لبنان صباح (جانيت الفغالي)”.

وأضاف البيان “يحتفل بالصلاة لراحة نفسها الساعة الثانية من بعد ظهر يوم الأحد في الثلاثين من نوفمبر الجاري في كاتدرائية مارجرجس المارونية وسط بيروت، ويوارى جثمانها الثرى في مسقط رأسها بدادون في جبل لبنان”.

ولدت صباح أو جانيت فغالي في بلدة بدادون اللبنانية شرق بيروت في 10 نوفمبر 1927، وكانت الثالثة بين إخوتها. أحبت الغناء والتمثيل منذ طفولتها، واكتشف عمها موهبتها وعذوبة صوتها الجبلي. وارتبط اسم صباح بغناء المواويل والميجانا والعتابا والأغنيات الفولكلورية، وفي سجلها أكثر من ثلاثة آلاف أغنية.


مسارح عالمية


غنت صباح التراث اللبناني والحب والوطن لكبار الشعراء والملحنين في العالم العربي، من بينهم محمد عبدالوهاب وزكي ناصيف والأخوان رحباني وتوفيق الباشا وبليغ حمدي وجمال سلامة وسواهم.

صباح كانت رمزا للأناقة

ومن أغنياتها المعروفة التي لا يزال يرددها الكبار والصغار “تعلي وتتعمر يا دار” و”دخل عيونك حاكينا” و”جيب المجوز يا عبود” و”ساعات ساعات” و”عالضيعة”.

وصباح التي لقبت بـ”الشحرورة” و”الأسطورة”، هي أول فنانة لبنانية غنت على مسرح الأولمبيا في باريس مع فرقة روميو لحود الاستعراضية في منتصف السبعينات.

كما اعتلت خشبات مسارح عالمية أخرى كأرناغري في نيويورك، ودار الأوبرا في سيدني، وقصر الفنون في بلجيكا، وألبرت هول في لندن، وغنت على مسارح لاس فيغاس في الولايات المتحدة.

وبفضل المنتجة اللبنانية الأصل آسيا داغر، دخلت صباح السينما المصرية في العام 1943 وأطلت في فيلم عنوانه “القلب له واحد” للمخرج هنري بركات.

وتوالت بطولات صباح السينمائية حيث شاركت في نحو 85 فيلما مع كبار الممثلين، بينهم رشدي أباظة الذي تزوجته لفترة وجيزة، وأحمد مظهر، ومحمد فوزي، وفريد الأطرش. وكانت تعتبر أن أفضل أدوارها السينمائية فيلم “الأيادي الناعمة”.

وأطلت صباح في 27 مسرحية بينها “موسم العز” و”دواليب الهوا” و”القلعة” و”الشلال” و”فينيقيا” و”شهر العسل” و”ست الكل” و”وادي شمسين” و”كنز الأسطورة” وهي آخر مسرحية قدمتها مع زوجها السابق فادي لبنان. وحملت صباح، إضافة إلى الجنسية اللبنانية، ثلاث جنسيات أخرى هي المصرية والأردنية والأميركية. وكانت صباح على صلة وثيقة بعدد من الرؤساء والملوك العرب الذين قدروا فنها، وكانت صديقة لأسرة عاهل الأردن الراحل الملك حسين.

وإلى جانب صخب حياتها الفنية، عاشت حياة صاخبة على الصعيد العاطفي، إذ تزوجت تسع مرات من نجيب شماس والد ابنها الطبيب صباح شماس في العام 1946، وخالد بن سعود بن عبدالعزيز، وعازف الكمان المصري أنور منسي الذي أنجبت منه ابنتها هويدا في العام 1952.

كما تزوجت المذيع المصري أحمد فراج، والفنانين رشدي أباظة ويوسف شعبان، والنائب السابق في البرلمان اللبناني يوسف حمود، والفنانين اللبنانيين وسيم طبارة، ثم فادي لبنان الذي تزوجته في العام 1984 واستمرت علاقتهما 17 عاما، وكان ارتباطها به من أطول زيجاتها.

ولم تتوان صباح التي عرفت بشخصيتها الصادقة والجريئة، عن الاعتراف في حديث تلفزيوني أنها خانت معظم أزواجها مع رجال آخرين، لأنهم كانوا يخونونها أيضا، ورأت أن غالبية أزواجها كانوا يستغلون شهرتها وثروتها لمصالحهم. وعرفت صباح بكرمها، وكانت تنفق المال بسخاء على من تحب وتساعد من يحتاج، لذلك كان يطلق عليها المقربون منها لقب “مدام بنك”.

توالت بطولات صباح السينمائية حيث شاركت في نحو 85 فيلما مع كبار الممثلين، بينهم رشدي أباظة وفريد الأطرش

واتسمت علاقتها بابنتها بشيء من التوتر، واعترفت صباح بأن شهرتها عذبت ابنتها، وأن تجربتها مع أزواجها أثنت هويدا عن الزواج. وحين أصيبت هويدا بأزمة صحية نتيجة إدمانها في العام 2006 باعت صباح منزلها، وأقامت في فندق وأدخلت ابنتها إلى مصحّة في كاليفورنيا حتى تماثلت للشفاء.


خطى ثابتة


كانت صباح رمزا للأناقة، وعرفت بشعرها الأشقر الغزير المتدلي على كتفيها حتى ارتبطت تسريحتها باسمها، وكانت تردد “أتمنى إذا خسرت ثروتي ألا أخسر جمالي وأناقتي”.

ورغم تقدمها في السن، رفضت أن تشيخ وأن تعتزل الغناء، واستمرت في إجراء المقابلات والمشاركة في الاحتفالات الفنية. ومن آخر أغنياتها “شو فيها الدني” التي تم تصويرها بطريقة الفيديو كليب.

خطى صباح في عالم الفن لم تعرف الإخفاق يوما، وبدأت الشحرورة دخول عالم الفن من بوابة الغناء في لبنان، حيث شاركت في بعض الأعمال الفنية القليلة قبل أن تقنعها المنتجة آسيا بأن تنتقل إلى القاهرة، وتحصل على موافقتها للقيام ببطولة 3 أفلام سينمائية.

صباح توصي جمهورها بالغناء يوم وفاتها

وحصلت وقتها على مبلغ 150 جنيها على الفيلم الأول، لتدخل الشحرورة إلى قلب الجمهور المصري من بوابة النجومية، فهي لم تقدّم أدوارا مساعدة أو ثانوية، بل كانت صورتها تتصدر “الأفيشات” منذ بداية احترافها للتمثيل.

ووقفت صباح أمام العديد من نجوم السينما، ومنهم، أنور وجدي في أفلام “القلب له واحد” عام 1945، و”خطف مراتي” عام 1954، وأيضا أمام العندليب عبدالحليم حافظ في فيلم “شارع الحب”، ومع فريد الأطرش في “بلبل أفندي”، و”لحن حبي”، وأمام محمد فوزي في فيلم “الآنسة مامي”، وأيضا وقفت أمام حسين فهمي في فيلم “ليلة بكى فيها القمر”، لتقدّم آخر أعمالها في السينما عام 1986 بفيلم “أيام اللولو” في لبنان مع كريم أبو شقر.

عبرت صباح عن سعادتها لحصولها على جوائز تكريمية عدّة خلال سنوات حياتها الأخيرة. وكرمها رئيس الجمهورية اللبنانية السابق ميشال سليمان بتقليدها وسام الأرز الوطني برتبة ضابط أكبر ضمن مهرجانات بيت الدين 2011. وقد عرض في العام نفسه مسلسل “صباح” الذي أثار جدلا حول دقة سرده لمحطات معينة.

وخلال الأسبوع الماضي سرت شائعات عن وفاة صباح، لكن إدارة صفحتها في “فيسبوك” نفتها، وطمأنت الجميع بأنها بخير. وبعد أقل من 48 ساعة توفيت الشحرورة.


وصية الشحرورة


أثار نبأ وفاة أسطورة لبنان الفنية صباح أمس الأربعاء، ردود فعل مليئة بالألم من بينها ما نشره مستخدمو موقعي فيسبوك وتويتر، وكان من أهم ما نشر في وداع صباح وصيتها التي أعلنتها ابنة شقيقتها، كلودا عقل، التي نعتها عبر فيسبوك وقالت إنها ذهبت لربها وأحبّتها الذين سبقوها.

صباح أول فنانة لبنانية غنت على مسرح الأولمبيا في باريس

وذكرت صحيفة “النهار” اللبنانية أن عقل نقلت للجماهير وصية الشحرورة قائلة إنها تودّعهم وتوصيهم بعدم البكاء بل بالفرح والرقص، وأنها تمنّت أن يكون يوم وفاتها فرحا وليس حزنا.

كما كتبت عقل إن الشحرورة أوصتها بأن تقول لجمهورها إنها تحبّهم وتطلب منهم أن يظلوا يتذكرونها ويحبونها. وأضافت أن الشحرورة رحلت بجسدها ولكنها سوف تظل في القلوب.

وساءت حالة صباح الصحية خاصة في السنوات الثلاث الأخيرة، ولم تعد تغادر سريرها إلا نادرا، لكنها رغم ذلك كان ذهنها حاضرا وتعرف كل ما يدور حولها، ولم يكن يؤلمها المرض أو التعب، بل كانت تواجهه بابتسامتها المعهودة.

وكانت تحزنها الشائعات التي كانت تتردد باستمرار حول وفاتها، وكانت توصي المقربين منها خصوصا كلودا عقل بنت شقيقتها بأن يطمئنوا جمهورها بأنها بخير، وتشكر جميع من يسأل عنها.

ودّعت صباح الحياة التي كانت تملؤها دائما بابتساماتها وإقبالها عليها، والتي قالت في أحد لقاءاتها الإعلامية: “إن لم تجدوا ما يسعدكم، أسعدوا أنفسكم بأنفسكم”، فهذه كانت نصيحتها للجمهور، حيث كانت تبحث دائما عن السعادة في كل شيء حولها، لدرجة أنها أوصت جمهورها بألا يحزن عقب وفاتها بل يرقص ويغني، حسبما تؤكد كلودا عقل.

وحرصت صباح دائما على أن تعيش الحياة كما تقول كلمات أغنياتها “يلا نعيش الحياة”، إلى أن فارقت الحياة.

16