أيقونة مونيه "انطباع" تكشف عن أسرارها في معرض باريسي

الاثنين 2014/10/27
أكد الباحثون أن تاريخ إنجاز لوحة "انطباع" هو 13 نوفمبر 1872

باريس - في نطاق الاحتفال بثمانينية افتتاح متحف مارموتان بباريس، والذي يوافق مرور ست وأربعين سنة على أول معرض يشارك فيه كلود مونيه بلوحة منحت الانطباعية اسمها، ينظم المتحف المذكور معرضا لمونيه وأتباعه ومن تأثر بهم في مقاربته تلك (من 18 سبتمبر 2014 إلى 18 يناير 2015)، ويميط اللثام أخيرا عن سر “انطباع”، شروق هي أم غروب.

يحتوي المعرض على أكبر تشكيلة لمونيه (1840 /1926) مجمعة في مكان واحد، معروضة أمام أعين الزوار، إذ تعُدّ أربعا وتسعين لوحة وتسعة وعشرين رسما وثمانية دفاتر تصوير.

وقد عرضت بشكل يسمح للزائر بتبيّن مختلف المراحل التي مرّ بها مونيه، وتطور فنه من رسوم كاريكاتيرية لشخصيات من مدينة لوهافر حينما كان شابا، إلى لوحات استوحاها من حديقته بجيفرني، أو أنجزها في باريس وأرجنتوي والسواحل النورماندية.

ولكن اللوحة التي تمحور حولها المعرض وتصدرت لافتاته الإشهارية هي “انطباع”، وقد وضعت وسط لوحات لمجايلي مونيه، مثل أوجين دولاكروا وغوستاف كوربيه وأوجين بودان ووليم تورنر وبيرت ماريزو وألفريد ستيفنس وأوغست رونوار وكميل بيسارو وألفريد سيزلي، لأنها باحت بسرّها بعد عقود طويلة.

هذه اللوحة، وعنوانها الكامل “انطباع، شمس مشرقة” كان قدّمها مونيه عام 1874 في أول معرض لشركة الرسامين والنحاتين والنقاشين الخفية الاسم بباريس في الورشة القديمة للمصور غاسبار فيليكس تورناشون الشهير بنادار (1820 /1910). وكانت تلك التظاهرة قد جمعت ثلاثين رساما من بينهم شبان يعشقون الهواء الطلق والألوان الصافية والمناظر الطبيعية وثيمات الحياة المعاصرة مثل مونيه ورونوار ودوغا وبيسارو وسيزلي الذين رفض الصالون مشاركتهم منذ عام 1871، إلى جانب سيزان الذي لم يشارك في المعرض الرسمي.

وقد قوبلت أعمالهم بالاستهانة وحتى السخرية، خصوصا من قبل ناقد يدعى لويس لوروا، وكان قد وصف لوحة مونيه تلك بأنها مجرد “انطباع” وحرر مقالة لاذعة تهكم فيها مما أسماه “معرض الانطباعيين”.

ولم يمض وقت طويل حتى صار الوصف الذي أراده نبزا لهم اسما لحركتهم لا يُعرفون إلاّ به. ولكن إذا كان هذا الاسم قد فرض نفسه سريعا، فإن لوحة مونيه خبا وهجها على مرّ الأيام ثم طواها النسيان، حتى إن مؤرخ الفن تيودور دوري لم يأت على ذكرها في كتابه “الرســـامون الانطباعيون” المنشور عام 1878.

اللوحة تمثل منظرا للجنوب الشرقي لمدخل ميناء لوهافر وهذا معناه أن الشمس البادية في اللوحة كانت في حال شروقها

بل إن المعرض الذي أقيم بباريس عام 1900 للاعتراف الرسمي بمولد الانطباعية، خيّر عليها لوحة أخرى لمونيه هي “جسر أوروبا – محطة سان لازار”، وكذلك المعرض الاستعادي الذي أقيم لمونيه بمتحف “لورنجري” بباريس عام 1931. وكان لا بدّ من انتظار منتصف خمسينات القرن الماضي كي يعترف النقاد بأنها اللوحة المؤسِّسة لتلك الحركة، ولكن مع الاختلاف حول عنوانها، فقد ظلت زمنا طويلا تسمى “انطبــاع، شمس غاربة”، حتى في قوائم موجـــودات متحـف مـارموتان عام 1949.

لم يختلف النقاد والباحثون المتخصصون في كونها تصوّر مدخل ميناء لوهافر، ولكن ما من أحد منهم كان يستطيع أن يجزم باللحظة الزمنية التي تمثلها، هل هي صباح أم مساء، لأنها لم تخضع قط لدراسة معمقة، حتى للتأكد من سنة إنجازها 1872 أم 1873، ومعرفة سبب منحها لمتحف يخلو من أعمال الانطباعيين في ذلك الوقت؟

وهو ما نهض له أخيرا متحف مارموتان- مونيه بالتعاون مع متحف مالرو بلوهافر ومكتبة المدينة وإدارة أرشيفها وبعض مهندسي الميناء. وتوصل الباحثون في مرحلة أولى إلى تحديد الأماكن التي رسمها مونيه في لوحته: على اليمين، يبدو الرصيف المقوس الذي يخضع لعملية إعادة بناء.

وفي الوسط، هويس القناة التي تستقلها البواخر العابرة للمحيط الأطلسي. وعلى اليسار، رصيف الخشب الذي تعلوه مدخنة مصنع آلات وقع تدشينها عام 1871.

أي أن اللوحة تمثل منظرا للجنوب الشرقي لمدخل الميناء، وهذا معناه أن الشمس البادية في اللوحة كانت في حال شروقها. أما تاريخ الإنجاز فهو ماثل في اللوحة أيضا.

تقول ماريان ماتيو مفوضة المعرض: “عندما تأملنا اللوحة بعين خبير الرصد الجوي، لاحظنا أنها رسمت في حالة مدّ، حين يكون الهويس مفتوحا، أي عند بزوغ الشمس. ولما مزجنا أوقات فتح الهويس بأوقات المدّ والشروق خلال سنتي 1872 و1873، حصلنا على بعض التواريخ الممكنة”.

مضيفة: “ولكي نعمق مقاربتنا، اتصلنا بعالم في الفيزياء الفلكية من جامعة تكساس يدعى دون أولسون لكي يقوم ببحث مواز. فكانت نتيجة البحثين دقيقة بشكل مذهل، فكلاهما يؤكد أن التاريخ الأكثر احتمالا هو 13 نوفمبر 1872”.

تلك اللوحة التي يصفها اليوم نقاد الفن ومؤرخوه بـ”جوكوندا” القرن التاسع عشر، ويصنفها الفرنسيون كثروة وطنية مثل “حرية” دو لاكروا و”أولمبيا” إدوار مانيه، لم تبلغ قيمتها التأمينية الخمسين مليون فرنك إلاّ عام 1959.

أما قبل ذلك، فقد بيعت أول مرة بثمانمئة فرنك لأحد هواة الفن يدعى إرنست هوشيدي، ثم تنازل عنها لهاو من أصل روماني يدعى الدكتور جورج دي بيلّو بمئتين وعشرة فرنكات، وورثتها عنه ابنته فتبرعت بها لمتحف مارموتان عند اجتياز الجيوش النازية جبال الأردين ووشك دخولها باريس.

16