أيقونـة رامبو

الجمعة 2014/01/03

بين الأثر الأدبي وكاتبه وشائج تخرج عن كل الحسابات المسبقة، أو تلك الخاضعة للتدبير والتقصد؛ إذ تتشكل بمعزل عن إرادة الكاتب وبعد موته مثلما تُغزل وتُنسج، رويداً رويداً، بعيداً عن فحوى ومضامين الأثر نفسه.

والمتأمل لهكذا وشائج لن يكون بمقدوره إلّا أن يتساءل عن السبب، أو الأسباب، التي أدّت إلى الضفيرة النهائية لكلٍ من الأثر الأدبي وكاتبه وما آلت إليه "صورتهما" في راهنها الذي نعيش. فإذا كان رولان بارت قد أطلق مقولته المشيرة إلى "موت المؤلف"، بمعنى جملة الحيوات المتحركة والمتناسلة للأثر الأدبي جارّة إلى القبر أو العتمات كاتبه/ الأصل الذي لم يعد نصُّهُ بحاجةٍ إليه استناداً إلى أنّ قُراءه باتوا هم كُتّابه، فإنَّنا نجد، بالمقابل، حالات عديدة ليس بالإمكان – بل من المستحيل- فَصْل النصوص الأدبية عن كُتّابها، وإلّا فقدت قدراً كبيراً من طاقتها على دفعنا للتأويل. طاقتها المتأتية من خارجها أقصد. إذَن؛ ثمّة وشائج واصلة للنصّ الأدبي بشخص كاتبه لا يمكن فصمها، كما هي في حالة "نضوجها" وقد رسخت في أذهاننا وفي الواقع الثقافي المعيش، إذ باتت صورة ذات وجهين متمردين على أيّ انفصال.

إنّ "صورة" انضفار الأثر بخالقه خارج كلماته وأوراقه، إضافةً إلى فعل الزمن وتقادمه، سيعمل على تكريسها لتستحيل، في اكتمال مطافها الممتد غير المنتهي، إلى "أيقونة" بكامل معانيها. أيقونة تحتمل التفسير والشرح البسيطين، وتتصف بحيوية التأويل وتعدد القراءات- وهذا يعني انتقالها إلى درجة المَجاز والاستعارة.

أراني، حيال هذا الاجتهاد، أتساءل عن "السر" الدافع لدوائر ثقافية في العالم للنظر وإعادة النظر في سيرة آرثر رامبو و"تباشيرها" في نصوصه المبكرة وقصائده غير الكثيرة. أو، إذا أردنا، محاولة "استبطان" تلك السيرة ومآلاتها في النصوص والقصائد. باتت حياة الشاعر، وسيرته اللاحقة، وتكوين شخصيته جزءاً لاحماً بنتاجه الأدبي ولا فكاك لهذين البُعدين عند قراءتنا لهما كعنصرين مستقلين.

من هنا يُطرح السؤال على مقولة رولان بارت عن "موت المؤلف". فبعد 123 سنة على وفاة آرثر رامبو، و160 سنة على مولده، و28 سنة على صدور الطبعة الأولى من ترجمة الصديق شربل داغر لرسائله التي كتبها خلال نأيه في البعيد الصحراوي، تاجراً رحّالةً مقتصداً مريضاً مغامراً، بعنوان: "العابر الهائل بنعال من ريح"، تَخطرُ لي فكرةُ إعادة طبعها ونشرها.

لماذا أفعل هذا؟ أسأل نفسي وأجيبها: لأنّ مجموعةً هائلة من الوقائع الصغيرة و"النتاتيف" الواردة في تلك الرسائل تدّل على أنَّ الشاعرَ إنما كان رجلاً جَرَّبَ أن يكون "آخرَ وعلى نحوٍ خاص"! كأنه أراد خوض تجربة التنقيب عن ذاك البُعد الغائر في روحه القلقة، عن "الشخص الآخر" المتقلقل الوثّاب، عندما قرر خوض التنقيب عن الذهب/ المال في مجاهل الصحارى العربية والحبشة كأي مغامرٍ أوروبي يتحدى الشمس القاتلة..أو يصبو إليها. وإني ما زلت أتساءل، متشككاً غير مستريح إلى جواب، إذا ما كان الشاعر فيه أراد أن يكتب "قصيدته الفريدة" على جِلده هذه المرّة ليساوي، بل ليتفوق، على ما كتبه على أوراقه في موطنه!

ربما من منطقة الظنون والريبة وعدم اليقين يتأتى لأيقونة رامبو أن تتشكل أن تتشكل لتستقر كحالة ليست على زوالٍ، وأن ترتحل، مثلما ارتحلَ صاحبها، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً. أجل؛ ربما من منطقة الظلال تتخلّق الأساطير، قديمها وحديثها والمعاصرة، لتتحوّل، بإرادتنا نحن قُرّاء هذا الرجل، شعراً وسيرةً في سبيكة واحدة، بعد 123 سنة على وفاته كأنما نُحْييه في كل قراءة لشعره، ونُحَّييه عند كل مراجعة لرسائله. أولسنا نحن صُنَّاع "رامبو الأيقونة"؟ أولسنا نحن أرباب أساطيرنا؟ عند بحثي عن صورة لرامبو غير "مستهلكة" لغاية تصميمي غلاف الطبعة الجديدة من "العابر الهائل بنعال من ريح"، وقعتُ على عدد كبير من رسومات لوجهه ولوضعين متكررين تقريباً.

رسومات "غرافيتي" وعلى الجدران، ولعدد غير قليل من فناني الشارع، مشهورين ومغمورين في فرنسا الولايات المتحدة وبلدان أوروبية وآسيوية. تأملتُ ذلك كلّه. اخترتُ واحدةً. نقلتها لتكون وجه الغلاف الجديد، لكنني عدتُ لأتساءلَ – عارفاً الجواب هذه المرّة:

- أولستُ أنا أيضاً أحد صُنَّاع هذه الأيقونة؟

_______


* كاتب من الأردن

14