أيكون هذا هو ذئب الفناء

الخميس 2014/12/04

فجأة، وفي غفلة من الجميع، تغوّل قط القرية الذي كان يظهر كل مساء، ولم يقدر الأهالي على صيده ولا طرده، فضيّق على النّاس سبل عيشهم، وبدأ يتسلق سطوح بيوتهم، ويتسلل إلى أقبية منازلهم، ويسرق من موائد طعامهم، ويقتل صغار فراخهم. ضاق النّاس به ذرعاً، وكان أمير القرية رجلاً مستهتراً لا يكترث بأحوال البلاد وأهوال العباد، فقرّروا أن يبعثوا برسالة إلى أمراء العشائر المجاورة شاكين باكين سائلين النّصر والمناصرة. وعلى الفور، اجتمع الأمراء وفكروا ودبّروا ثم قرّروا أن يبعثوا كلباً مدرّبا إلى القرية المستباحة حتى يخيف قطّ المساء ويدفعه إلى الجلاء.

وافق الأهالي على القرار، وقالوا، كيف لا نقبل بالكلب وهو المعهود بالوفاء بعد الذي عانيناه من قط المساء؟ ثم رفع الجميع شعار المرحلة “كلنا مع كلب الجلاء كلنا ضدّ قط المساء”، وتعبأت كل الجهود والقنوات الدعائية لترويج الشعار. بعد مُضي أيام قليلة اختفى قط المساء ولم يعرف له أثر. لكن، في المقابل، استشرس كلب الجلاء، ثم أصيب بداء السّعار، ولم يقدروا على صيده ولا طرده، فأرعب الناس رعباً كبيراً واضطرّ السّكان إلى إغلاق أبوابهم طول النهار، فما عادوا يخرجون خوفاً على أنفسهم من سعاره.

خافت النساء من السير في الطرقات، خاف الأطفال من اللعب في الحارات، خاف العشاق والفنانون وكل محبي الحياة، حتى أوشك الناس أن يترحّموا على زمن قط المساء. وذات ليلة مطيرة شاتية اجتمع الناس سرّاً وراسلوا أمراء العشائر المجاورة يسألونهم النّصر والمناصرة، شاكين لهم بؤس الحال وسوء المآل. فاجتمع الأمراء وتدارسوا الأوضاع ورأوا الحلّ الأمثل في استقدام ذئب من الجبل المجاور حتى يفزع الكلب المسعور فيرحل عن القرية المنكوبة ويعود المكان آمنا أفضل مما كان. ثم رفع الجميع شعار المرحلة “كلنا مع ذئب الفناء كلنا ضدّ كلب الجلاء”.

طبّقت الوصفة بحذافرها وحوافرها وأظافرها. وفعلاً خاف الكلب المسعور وتوارى عن الأنظار، ولم يعد يظهر له من أثر يُذكر غير نباح له يُسمع من بعيد. لكن المشكلة أنّه لما خلا الجوّ لذئب الفناء، تنمّر وتغوّل وأصبح صاحب الصيحة العليا في البلدة كلها، منه البدء وإليه المنتهى. فانزوى الناس في منازلهم، وخافوا من الوحش المهيب، ولم يجرؤوا هذه المرّة على بعث رسالة شكوى. فانكفأوا، وانقسموا إلى فريقين اثنين، فريق يترحّم على زمن الكلاب، وفريق يترحم على زمن القطط.

في أحد الأيام بلغ لمسامعهم أنّ أمير القرية سيطل من التلفاز ليخاطب السكان، ولم يسبق أن خاطبهم من قبل، ولا يعرفون له صوتا ولا صورة، فاستبشروا خيرا وقالوا، لعلها صحوة ضمير.

عند المساء جلسوا متسمرين أمام التلفاز يرقبون وجه الأمير الذي لم يروه من قبل. وفي الوقت المعلوم صعد الأمير إلى المنبر، وبدأ يجيل النظر. كانت عيناه جاحظتين، عليهما بريق لامع كأنه قط المساء، وكان يهزّ أذنيه مثل كلب الجلاء، ولمّا همّ بقراءة خطابه على الورق، بدت أصابعه ذات مخالب مخيفة. فصاح الناس كافة: أيكون هذا هو ذئب الفناء؟

24