أيلون ماسك واللامدرسة نظام تعليمي يهدف إلى التحرر والخروج من الإطار

الأحد 2016/03/27
أيلون ماسك العالم المتعلم ينقلب على "الحاضن" الاجتماعي المعرفي الأول

بوخارست - يحاول دعاة مفهوم "اللامدرسة" كشف الواقع التعليمي المعيش بيننا بعرض سلبياته ومساوئه، وعرض البديل لتلك المدرسة التي قد تحتوي على بعض العيوب، مثل سيطرة بعض الآراء على ما يفرض في الواقع التعليمي. وتنادي الفلسفة اللامدرسية بعدم الاعتماد الكلي على المؤسسات التعليمية في عملية القيام بمهمة التربية والتثقيف.

هناك آراء تدعو إلى تصفية المدرسة كمؤسسة اجتماعية وتجريد المجتمع منها، وإلغاء التعليم الإلزامي وإحياء شبكات معرفية جديدة. دعوة اللامدرسيين إلى إلغاء المدرسة ونسفها أمر يعتبره الكثيرون غير مقبول تماما. فالمدرسة وإن حدثت فيها عيوب، فإن الحل ليس بنسفها، بل بتطويرها وإخضاعها لما يريده المجتمع، وتوفير الفرص الديمقراطية للجميع للتعلم، وكذلك تعيين معلمين مرشدين لتوجيه الطلاب لما يرغبون به والاهتمام بقضية التعلم الذاتي.

كيف نتعلم

الإنسان يتعلم وفق نظرية معينة. فهو دوما يُكوّن نماذج ذهنية للعالم ويحاول إيجاد مكان للمعلومات في هذه النماذج، وأحيانا يقوم بمراجعة النموذج عندما يواجه أزمة معينة تجعله يُغير نموذجه، وبالتالي كيف يرى الأمور ويحللها ويفهمها. وهذه قضية مهمة جدا لا يرتاح لها التعليم الحالي (أي المدرسة)، لأنها تفتح أبوابا لا يريد الساسة ولا علماء الدين ولا غيرهم أن تُفتح، بل يريدون سيادة نموذج معين وتزويد الناس بمعلومات تكرّسه. أو على الأقل تزويدهم بمعلومات بطريقة مدرسية لا تسمح بنقاش ولا سؤال، إلا في حدود النموذج أو النماذج التي تكرّس الواقعَ وتجعل الأمورَ ثابتة.

الطفل يُكون نماذج في ذهنه عن العالم، أي عالمه الصغير، ويسأل لإكمال النموذج أو تأكيده. ويستقبل معلومات تغير نماذجه، وهكذا إلى أن يكبر. ولعله بعد هذا يثبت نماذجه ولا يغيرها بحال، وكم نسمع من أناس كلاما يوضح نماذجهم الذهنية ويأتون بما يؤيد هذه النماذج، وإذا واجهته بمعلومات تهز نموذجه يغضب أو لا يستمع إليك أو يغير الحديث أو يسارع بالإتيان بقصة تؤكد نموذجه الذهني، وقد يحمل نموذجا يخالف الواقع أو الواقع يخالفه، ولا يحتاج إلى إعمال الفكر لمعرفة ذلك إلا أنه يأتيك بأسطورة تؤكد صحة ما ذهب إليه.

وجوده الذهني هو الوجود الخارجي. وما في ذهنه هو الواقع. لا يميز بين الوجود الذهني والوجود الموضوعي أو الخارجي أو العيني، بل كلماته هي الواقع كما قال المفكر جودت سعيد “الثقافة التي تجعل الكلمات علامات على المعاني، لا تعطي القدسية للكلمات إلا بمقدار دلالتها الواضحة على المحتوى الخارجي. بينما الثقافة التي تجعل القدسية للكلمات تحاول أن تفسر الحقائق الخارجية العصية لتوافق الكلمات وهذا عكس القضية وانتكاس للوظائف”.

موجة الهجوم على المدرسة كانت قد بدأت في القرن الثامن عشر على يد المفكر الشهير جان جاك روسو، الذي رأى أن التعليم النظامي الذي تقدمه معاهد التعليم يفسد الأطفال، بما يبثه فيهم من قيم اجتماعية هي في معظمها لا تشكل صفاء الحياة الاجتماعية من الكذب والغش والنفاق والاتكالية والمداهنة والخداع

من روسو إلى ماسك

موجة الهجوم على المدرسة كانت قد بدأت في القرن الثامن عشر على يد المفكر الشهير جان جاك روسو، الذي رأى أن التعليم النظامي الذي تقدمه معاهد التعليم يفسد الأطفال، بما يبثه فيهم من قيم اجتماعية هي في معظمها لاتشكل صفاء الحياة الاجتماعية من الكذب والغش والنفاق والاتكالية والمداهنة والخداع، كما أكد روسو خلال كتاباته إن أفضل ما يمكن أن نؤديه من خدمة لأطفالنا أن ندعهم يواجهون الطبيعة مباشرة.

ثم ظهر أشهر دعاة اللامدرسية وهو إيفان إليتش، والذي دعا إلى إلغاء المدرسة. وهو الاتجاه الذي ينادي بإغلاق هذه المؤسسة النظامية ليكون المجتمع كله هو المدرسة الكبرى للجميع، وقد أنتج كتابين هامين في ذلك وهما “مجتمع بلا مدارس″، “ماذا بعد اللامدرسية”.

وتتلخص اللامدرسية عند إليتش في علمنة العملية التعليمية “التدريب والتعليم” على حد سواء. بحيث تصبح إبداعية استكشافية تهتم بالنمو الشخصي، وليست تحكمية تتم عن طريق التعلم العرضي أو غير الشكلي.

يهاجم إليتش المدرسة ونظم التعليم التقليدية السائدة بعنف.

ويقول إن المدرسة كما يعرفها بـ"مؤسسة تتطلب حضورا متفرغا لمجموعة عمرية معينة، في فصول دراسية يشرف عليها مدرسون لدراسة مناهج متدرجة، وتدعى المدرسة التي تقوم بأربع وظائف، أولها الرعاية وثانيها الانتقاء الاجتماعي، والتلقين ثالثها، أما آخرها فهو التعليم". ولكن المدرسة عندما تقوم بالوظائف الثلاث الأولى تقضي على أمل تحقيق الوظيفة الرابعة، وبعبارة أدق يوضح إيفان إليتش في كتاباته أن المدرسة لا تقوم بالوظيفة الأساسية التي تتصور أنها قد وجدت من أجلها وهي “التعليم”، وإن أهم ما يستطيع الإنسان أن يفعله في الوقت الحاضر هو أن يسترد مسؤولية تربية أبنائه وأن يقوم بمكافحة المدرسة.

من علماء اللامدرسية أيضا ايفرتديمر صاحب كتاب “وفاة المدرسة”، ومايكل هوبرمان، والإيطالي جاستونتا سيناري، والعالم الألماني جورجينزيمر.

أشهر دعاة اللامدرسة الحاليين الملياردير ورجل الأعمال إيلون ماسك، الذي يقول إنه عانى كثيرا خلال فترة دراسته

هل تحقق المدرسة العدالة الاجتماعية

أما أشهر دعاة اللامدرسة الحاليين فهو الملياردير ورجل الأعمال إيلون ماسك، الذي قال إنه عانى كثيرا خلال فترة دراسته الثانوية، حيث ارتاد ستة مدارس مختلفة نتيجة تنقل والديه الكثير مما جعله لا يحب الذهاب كثيرا إلى المدرسة، وإضافة لذلك ولعدم قناعته بطرق التعليم المعتمدة في كل العالم، قرر إنشاء مدرسة خاصة لأولاده الخمسة، لكي تكون حصرا لهم مع بعض أصدقائهم من أولاد الموظفين الآخرين بشركته. ووصل عدد طلاب المدرسة إلى 20 طالبا فقط.

المدرسة التي كشف عنها ماسك خلال مقابلة مع تلفزيون بي تي في الصيني هي مدرسة صغيرة وخاصة. ولا توجد فيها مراحل وصفوف، بل إن كل الطلاب يدرسون مع بعضهم. تبدأ بصورة تجريبية، ولا يوجد لها موقع إلكتروني أو حسابات على الشبكات الاجتماعية.

إيلون ماسك المولود في جنوب أفريقيا والبالغ من العمر 45 عاما له خمسة أولاد من زوجته جاستن ماسك التي انفصل عنها في العام 2010 ويعد ماسك من أكثر أصحاب الشركات ثراء في العالم. ويقدر دخله السنوي بحوالي 8 مليارات دولار بحسب مجلة “فوربز″، وقد جنى ثروته من عدة مشاريع فقد شارك في تأسيس شركة الدفع الإلكتروني “باي بال” قبل أن يخوض غمار شركة “سبايس إكس″ لتصميم المركبات الفضائية وصناعة السيارات الكهربائية في مجموعة “تيسلا موتورز″. ويترأس ماسك مجموعة “سولار سيتي” للألواح الشمسية ويدير جمعية تعنى بالتعليم والطاقة النظيفة وصحة الأولاد.

أهم الأسباب التي يتكئ عليها دعاة اللامدرسية هي ضخامة الإنفاق على التعليم وعدم اتفاقه مع العائد. ويرون أن الدول تنفق أكبر قدر من ميزانيتها المادية على بناء المدارس ودفع رواتب العاملين فيها، كما يدافع هؤلاء عن فكرهم باتهام التعليم المدرسي بأنه لا يحقق العدالة الاجتماعية، حيث يتحيز التعليم المدرسي عادة ضد الفقراء، ويستفيد منه أبناء الأغنياء بدرجة أكبر.

الإنسان يرى الأمور ويحللها ويفهمها وهنا يكمن جوهر التعلّم، وحين تجري مراجعة الكيفية التي نتعلم بها لا يرتاح التعليم الحالي (أي المدرسة). لأنها تفتح أبوابا لا يريد الساسة ولا رجال الدين ولا غيرهم أن تُفتح، بل يريدون سيادة نموذج معين وتزويد الناس بمعلومات تكرّسه

كما أن المدرسة لا تحقق العدالة الاجتماعية فإنها لا تحقق التعليم، فهي متهمة بتقسيم عملية التعليم إلى مراحل تعطى في نهايتها شهادات، ويتم توزيع الأدوار الاجتماعية على أساس الحصول على هذه الشهادات، أي مكانة الإنسان ووظيفته في المجتمع لا تتمان في الحقيقة على أساس المعرفة والتعلم، وإنما على أساس الشهادة التي نحصل عليها.

الكثيرون ينتقدون وسائل التوجيه الاجتماعي لقيامها بشحن الجميع للالتحاق بالمدرسة والحصول على أعلى الدرجات، وترويجها للتضحية بقيم وميول وقدرات واهتمامات في سبيل الكتاب والشهادة من جهة. وفي سبيل الفوز برضى الأهل والمجتمع من جهة أخرى، وقد تأتي النتائج العملية مخيبة لكل هذا الجهد والعناء.

الطالب المنزلي أسعد

هناك من يقول إن المدرسة أنشئت للطلاب متوسطي التحصيل. ومن هنا فالفئات التي تتضح فيها مظاهر النبوغ الرياضي والعلمي، لا ترضى عنهم المدرسة، فيضطرون للتسرب منها. كما يذكر من الأسباب الإضافية لمحاربة المدرسة والدعوة إلى التخلي عنها، طابعها التكراري والنمطي الذي يؤدي إلى الملل التعليمي.

في عالمنا هناك حكومات متحضرة تمنع هذا النوع من التعليم مثل الصين وهولندا وألمانيا، حيث تغرم من لا يدخل أبناءه المدرسة مبالغ تصل إلى 5000 يورو مع السجن المشدد. وقد تصل العقوبات إلى سحب الأبناء من أهاليهم. أما فرنسا فتسمح بالتعليم اللامدرسي، ولكن بشرط زيارة تقييمية مرتين في السنة من قبل موجهين من وزارة التعليم، كما سمحت به أيرلندا وأسبانيا مؤخرا.

وفي دراسة قامت بها وزارة التعليم الأميركية عام 2007 وجدت أن نتائج اختبارات الطلاب المنزليين تفوق الطلاب النظاميين بنسبة 37 %. حينها قامت وزارة التعليم الأميركية بإجراء مقارنة بين المتخرجين من الدراسة النظامية والمنزلية فوجدت أن 71 % من المتخرجين من الدراسة المنزلية نشطين في مجتمعهم في مجال الأعمال الخيرية وأكثر تواصلا مع جيرانهم. في مقابل 37 % من المتخرجين من الدراسة النظامية، ووجدوا أن 58.6 % من متخرجي المنازل ذكروا أنهم سعيدون جدا في حياتهم في مقابل 27.6 % من متخرجي الدراسة النظامية.
أطفال في الصين يستعملون صفوف المدرسة للنوم نتيجة عدم توفر الأماكن وفوضى التعليم

توجد اليوم دعوات لإلى ضرورة التنبه، عند دراسة مثل هذه الاتجاهات، إلى المسرح الاجتماعي الذي ظهرت عليه. فقد ظهرت في “المجتمع المتعلم المعلم”، أي المجتمع الذي تشبع بالتعليم وبتعدد وسائل ووسائط التثقيف ومرونة الإجراءات وغيرها، أما في عالمنا العربي، فيرى الباحثون في هذا المجال أنه من الصعب إلغاء فكرة المدرسة، وإنما بدلا من ذلك التوجه إلى التعليم المدمج الخليط الذي يجمع بين التعلم المباشر بالمدرسة واللامباشر خارجها في التعليم بصفة عامة والتعليم الجامعي بشكل خاص.

العالم قرية صغيرة

رغم الآراء الصحيحة التي كشفت عنها اللامدرسية، إلا أنها افتقدت الجانب التطبيقي. والحقيقة أنها أتت بعد الفلسفة الطبيعية التي نادت بأهمية التعليم الذاتي. وعقب اللامدرسية جاءت أفكار ودعوات تطويرية لأنظمة التعليم من جهة، ولدور المدرسة كوسيط تربوي من جهة أخرى، كالدعوة إلى أنموذج بناء مدرسة المستقبل للتوافق بين الدعوة إلى اللامدرسية وقيمة المدرسة التي لا أحد ينكر دورها في المجتمع منذ أن وجدت.

من وجهة نظرنا، فإن أي دعوة تطويرية ينادى للأخذ بها، هي دعوة محفوفة بالمخاطر. فالواقع التربوي يفرض نفسه على أي خيالات إبداعية، وإن كانت خلاقة في شكلها، لسبب بسيط يكمن في أن مخرجات التعليم لا تظهر على المدى القصير، ولكن نتائجه الحقيقية لا تتحقق أو تظهر إلاّ على مدى بعيد. وأي محاولات لن تجري سوى وفق هذه المحددات العامة.

ورغم أن العالم أصبح قرية صغيرة، وأصبحت المعرفة متداولة للجميع في أوعية غير مدرسية، كوسائل الإعلام وانتشار المحطات الفضائية وشبكة الإنترنت والمعلوماتية اللامحدودة، فإننا لم نستفد حقيقة من كل هذا التطور والعالمية التقنية إلاّ الشيء اليسير في واقعنا التعليمي المدرسي بشكل خاص. بل أصبحت هذه الأوعية غير المدرسية هي المسيطرة والمهيمنة والفاعلة في سلوك الأطفال والشباب.

9