أيمن الصفدي وزير خارجية الأردن الجديد وتحدي البقاء وسط العاصفة

الأحد 2017/02/05
حقيبة ملكية ذات وزن كبير

عمّان - أعاد تعيين أيمن الصفدي وزيرا للخارجية وشؤون المغتربين ذاكرة الأردنيين إلى الزيارة الملكية لمنزله في أحد أحياء عمّان، العاصمة الأردنية في أواخر العام 2012. حيث التقى العاهل الأردني خلالها مجموعة من الفعاليات السياسية وعدداً من الشخصيات في منزل الصفدي، نائب رئيس الوزراء الأسبق، وذلك ضمن اللقاءات التي أجراها حينها مع مختلف التيارات والقوى السياسية. وقد أكد الملك أنه مع الحراك الإيجابي المسؤول، معبرا عن أمله بأن تتم مأسسة الحراك داخل مجلس النواب السابع عشر، داعيا إلى المشاركة بفعالية في الانتخابات النيابية.

وجاءت تلك الزيارة على خلفية تصريحات أدلى بها الصفدي لـ”سي إن إن”، خفف فيها من أهمية الحراك المناهض للفساد والمحسوبية، واستخدم فيها تعبيرات معروفة باللغة الإنكليزية ليست مفهومة بالنسبة إلى مجتمع بدوي، مثل حديثه عن “عدم خلط البرتقال بالتفاح” وقال إن ما يجري لا يُقارن بما جرى في تونس عام 2011.

تدرج الصفدي، القادم من قطاع الإعلام، في مناصب حكومية عليا قبل أن يُكلف بحمل حقيبة وزارة الخارجية في التعديل الأخير على حكومة الدكتور هاني الملقي، وهذه ليست المرة الأولى التي يحمل فيها لقب معالي، فقد كان نائبا لرئيس الوزراء ووزير دولة في العام 2010، وعمل في الديوان الملكي مستشارا للملك، ومتحدثاً رسمياً في بعثة الأمم المتحدة في العراق.

عمله في الإعلام برز فيه موقفه من تيارات الإسلام السياسي والحركات المتطرفة في الأردن والعالم العربي. لذلك كان عليه أن يضبط إيقاع المؤسسات التي تولى إدارتها لا سيما في سنوات صعود النبرة الإٍسلاموية في العالم العربي، فوقف بشراسة ضد الفتاوى التي ظهرت لزعزعة الدولة ومؤسساتها، كما في أزمة الفتوى التي أصدرها مشايخ حزب “جبهة العمل الإسلامي” بتحريم مشاركة القوات الأردنية في أفغانستان، حينها أدان الصفدي كمسؤول في الحكومة مثل هذه الفتاوى، معتبراً أنها تمثل إساءة للدور الذي تقوم به القوات المسلحة الأردنية. وكان للصفدي جولات مع أصحاب الفكر المتشدد، على شاشات التلفزيون، كما في المناظرة التي جمعته مع أمين عام حزب العمل الإسلامي حمزة منصور في الأيام الأولى للعام 2011 العاصف عربياً.

الصفدي وقبل أن يكلف بحمل حقيبة وزارة الخارجية، كان قد تدرج في مناصب حكومية عليا، نائبا لرئيس الوزراء ووزير دولة ومستشارا للملك، ومديرا للإذاعة والتلفزيون، ورئيسا لتحرير جريدة الغد اليومية، ورئيسا تنفيذيا لشركة أبوظبي للإعلام

رؤية الملك

الصفدي لم يغفل عن التحذير الدائم من صعود المشروع الطائفي الإيراني في المنطقة وربطه بمشروع داعش. ففي ربيع العام 2015 وفي مقال بعنوان “مفترق تكريت” كتب الصفدي في الغد الأردنية “سيضع تحرير تكريت من الإرهاب الداعشي العراق على مفترق. يمكن للمعركة أن تُمهد الطريق نحو عراق متحرر من شر الإرهاب وضياع المذهبية في آن. ويمكن أن توجد جراحات جديدة ستنزف انقسامات وسموما سيعتاش عليها السرطان الداعشي وغيره من عصابات الإرهاب”.

عمل الصفدي، أيضا، مديرا للإذاعة والتلفزيون، ورئيسا لتحرير جريدة الغد اليومية وكاتباً لعمود يومي فيها، ورئيس تحرير مسؤول لصحيفة الجوردان تايمز وكاتبا سياسيا فيها، وكاتبا ومراسلا تلفزيونيا في عمّان للعديد من وسائل الإعلام العربية والدولية، قبل أن يعمل مديرا لدائرة الإعلام في الديوان الملكي الهاشمي.

إضافة إلى عضويته في مجالس إدارة مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردنية، والمجلس الأعلى للإعلام، والاتحاد العربي للبث التلفزيوني، حيث شغل منصب نائب الرئيس فيه. ومكنته خبراته من العمل في هيئة التنسيق بين المحطات الفضائية العربية رئيساً لها، وساهم كذلك في الإشراف على مهرجان جرش للثقافة والفنون، وفي مؤسسة نهر الأردن.

ويبدو الصفدي في مسيرته المهنية، كرجل للمهام الصعبة. فقد كانت له تجربة مهنية لافتة في دولة الإمارات العربية المتحدة، فقد عمل فيها على مرحلتين، الأولى كمحرر أول في صحيفة الاتحاد. ثم وفي العام 2012 كرئيس تنفيذي لشركة “أبوظبي للإعلام”، خلفاً لرئيسها السابق مالكوم روبرت وول.

وكان مشروع الصفدي التركيز على إنتاج المحتوى الإعلامي العربي للشركة وتطويره، موظفاً ما يمتلكه من تجربة متميزة ومعرفة بقضايا المنطقة وشؤونها. وكان الصفدي قد عمل قبلها مع “أبوظبي للإعلام” مستشارا لمجلس الإدارة حيث أسهم في صياغة الاستراتيجية والهيكلية التنظيمية الجديدتين للشركة وأشرف لفترة انتقالية على إدارة الأقسام المساندة فيها. بقي في منصبه الجديد أقل من عامين، قبل أن يغادر بعد أن أتم المهام التي كان انضم لـ“أبوظبي للإعلام” لإنجازها، لا سيما في إعادة تنظيمها وإدارتها بالصورة التي رسمها مجلس إدارتها.

يأتي اختيار الصفدي اليوم لحقيبة الخارجية، وهو المعروف بقربه من القصر، في هذا المنصب، انسجاما مع الطريقة الأردنية التقليدية في التعامل مع هذه الوزارة. حيث يتولى الملك إدارة العلاقات الخارجية، ولا بد أن يحظى مَن يتقلّد هذا المنصب بمكانة عالية من الثقة الملكية، وليس أدل على ذلك من مرافقة وزير الخارجية الجديد فقط للملك في اللقاء الذي عقد في الأيام القليلة الماضية مع الرئيس الأميركي الجديد في إطار النشاط الملكي في العاصمة الأميركية هذه الأيام، والمُستهدِف التأثير في أركان الإدارة الأميركية الجديدة.

السياسة الخارجية الأردنية تقوم أساسا على رؤية الملك وتقويمه لمواقف الدول وأهمية تلك المواقف وتأثيرها في مصالح الدولة الأردنية، فيتولى الإشراف مباشرة على المحطات الرئيسية في تطور العلاقات الخارجية، ويرسم خطوطها، بينما يتولى وزير الخارجية تنفيذ تلك الرؤى وإجراء الاتصالات التي تضمن تنفيذها.

ملف الخارجية بيد الملك وحده

تسلم الصفدي مهامه من رجل الخارجية القوي ناصر جودة، الذي حمل الحقيبة لأكثر من ثمانية أعوام متتابعة، خبر خلالها دهاليز وتعرجات السياسة الأردنية فأتقنها، وهو أيضا من المقرّبين للملك وأسرته، فقد كان زوجاً للأميرة سمية بنت الحسن، وكان يحظى بثقة ملكية كبيرة، لكن صعود الملقي رئيسا للوزراء أثار الكثير من الحساسيات بينهما، خصوصا أن هاني الملقي عندما شغل منصب سفير المملكة الأردنية الهاشمية في القاهرة كان وزير الخارجية أيامها ناصر جودة، وهذا كان سببا من عدة أسباب دعت الملقي للتخلص من نوابه الثلاثة في التعديل الوزاري الأخير، حيث تخلص أيضا من وزير الداخلية سلامة حماد، ووزير التربية والتعليم محمد الذنيبات، وثلاثتهم كانوا نوابا للرئيس كلّ لشؤون وزارته. أما الخطوة الأولى فقد كانت باستقدام بشر خصاونة كوزير دولة، مما تسبب بانشقاق داخلي في الخارجية، علماً أن رئيس الوزراء نفسه كان وزيرا للخارجية لبعض الوقت قبل جودة.

أما قصة الخلاف بينهما، فقد برزت قبل إقالة جودة، لكن الأخير طمأن معارفه بأن الأمر عابر. غير أن إقالته جاءت بعد وقت قصير، ليظهر جلياً أن قرار الاستغناء عن جودة وتعيين الصفدي يأتي كتذكير ملكي، بأن ملف الخارجية في الديوان الملكي وليس عند رئاسة الحكومة.

وبالرغم من ثقل التركة التي ورثها الصفدي عن جودة، والصعوبات المتعلقة بملء الفراغ والموقع الذي أخلاه، إلا أن وزير الخارجية الجديد يتكئ على الرعاية الملكية لملفات الخارجية، ما يجعل دوره تنفيذيا، يندرج ضمن تسيير المعاملات والعودة عند المواقف الحساسة للاستئناس أو الاسترشاد برأي الملك.

استحقاق التعديل كانت قد فرضته المدد الدستورية المتعلقة بطعن مجلس النواب بالثقة بوزير الداخلية على خلفية الأحداث التي وقعت مؤخرا في محافظة الكرك. ولم يكن هناك من مهرب أمام الرئيس إلا بالتعديل، وإخراج وزير الداخلية من فريقه، ليتجنب الإحراج في أول حالة إطاحة وزير عن طريق حجب الثقة عنه من قبل مجلس النواب، ما هيأ الفرصة أيضا لرئيس الوزراء لإجراء التعديل مرة واحدة والتخلص من نوابه المخضرمين العابرين للحكومات.

مناطق آمنة وميزانية قلقة

يبرز المقترح الأميركي المتعلق بالمناطق الآمنة في سوريا إلى أعلى سلم الاهتمامات والتحديات التي تواجه السياسة الخارجية الأردنية. فكما فوجئت روسيا، المتفائلة بالإدارة الأميركية الجديدة، بالمقترح الأميركي، فوجئت أيضا المملكة الأردنية به لا سيما وأنه مغلّف بالغموض.

السياسة الخارجية الأردنية تقوم أساسا على رؤية الملك وتقويمه لمواقف الدول وأهمية تلك المواقف وتأثيرها في مصالح الدولة

أشار المقترح إلى إقامة مناطق حظر جوي تكون بمنأى عن الأعمال القتالية الجارية في سوريا، كأماكن لجوء للسكان الهاربين بجلودهم من ويلات الحرب التي قاربت على إتمام عامها السادس، لكن المشروع الأميركي لم يحدّد هذه الأماكن، بل ورد في ثناياه أنه يمكن لهذه المناطق أن تكون داخل الأراضي السورية أو خارجها. كل هذا أشعل احتمالات بقاء اللاجئين في الأردن، بل وزيادتهم، فاستدعى تحرّك الملك إلى روسيا ومنها إلى بريطانيا واستقر في أميركا ليتبعه وزير الخارجية وكبار المسؤولين الأردنيين في حملة علاقات عامة تستجلي الخطط الروسية والأميركية لمستقبل سوريا وآثارها المتوقعة في الأردن.

هذا الواقع الشائك يتطلب من الأردن اليوم ترتيب مواقفه السياسية مع أطراف الأزمة كافة، الإقليمية والدولية، وربما سلوك خطوط متعرجة بين متطلبات الجهات المختلفة للخروج الآمن من تبعات الأزمة السورية وامتداداتها. بناء على ذلك؛ يتوجّب على السياسة الأردنية أن تُنسق مواقفها بما يبقي الأجواء لطيفة مع المقترحات الروسية التي تمثلت مؤخرا باقتراح دستور جديد لسوريا وإجبار النظام السوري على البدء بمفاوضات مع الفصائل المسلحة.

ومع أن القضية الفلسطينية تعتبر من التحديات المزمنة التي تواجه السياسة الخارجية الأردنية، إلا أنها دخلت في السنوات الأخيرة أطوارا جديدة من التعقيد. خاصة مع تبني إسرائيل ليهودية الدولة، والسعي الحثيث لتهويد القدس وتأبيدها عاصمة لإسرائيل ضاربة عرض الحائط بكل الاتفاقيات والتفاهمات التي نتجت عن كامب ديفيد وأسلو واتفاقيات السلام المبرمة مع الدول العربية والسلطة الفلسطينية، وكذلك التفاهمات والقرارات الأممية الصادرة بهذا الخصوص. وما زاد الأمور تعقيدا، تلك الوعود التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المتمثلة بنيّته نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، على طريق ترسيخها عاصمة أبدية لإسرائيل.

الوضع مع دول الجوار العربي ليس بأفضل حال. فالعلاقة مع العراق محكومة أولًا بالوضع الأمني في مناطقه الغربية الخاضعة في أجزاء كبيرة منها لنفوذ تنظيم داعش، ما يشكل عائقا لجريان العلاقات البينية، ويعطل خيط التواصل المتقطع أصلا.

على صعيد آخر، يأتي السؤال الصريح ليواجه وزير الخارجية الجديد؛ هل سيكون بوسعه أن ينقل للخليج العربي حاجة بلاده للمال والمساعدات في هذه الظروف، وكيف سيتمكن من هذا؟ تلك المساعدات التي تشكل في موازنة الأردن السنوية كبنود إيرادات يعتمد عليها في إدارة نفقاته الآخذة بالازدياد، مع الزيادة الناشئة عن دخول اللاجئين الذين باتوا يشكلون أكثر من 20 بالمئة من عدد السكان.

7