أيمن بكر في كتاب جديد: نحن في ذروة التلاعب بالتراث

رغم أن الاختلافات بين المتصارعين حول التراث وكل منهم يدعي امتلاكه لحقيقته، إذ اكتشف العديد من الباحثين خرافة وجود حقيقة نهائية ثابتة في التراث الإنساني، لكن ما يزال التواطؤ بين الجميع قائما لغاية تزييف التراث والتاريخ، بينما كل فريق يرفع صوته إن جهلا أو غفلة بفكرة امتلاك الحقيقة.
الجمعة 2016/04/15
التراث هو ما نفهمه من مواده

يرى الباحث أيمن بكر في كتابه "قالت أميمة.. تأملات في التراث" أن التراث الإنساني بمختلف تصنيفاته ساحة تأمل مفتوحة، إذ هو مادة تأويل وتحليل تدور حولها وبها صراعات كثيرة في لحظتنا التاريخية الراهنة. غير أن هناك مغالطات ساذجة استقرت واتفقت عليها القوى التي تتصارع مستخدمة سلاح التراث، وأهمها الإدعاء بأن التراث في المجالات المختلفة وجود موضوعي خارج عمليات فهم الناطقين به وتحلييلاتهم وتأويلاتهم، وأن ما يقدمه كل طرف هو جوهر التراث الموضوعي وحقيقته الثابتة.

يقوم الكتاب، الصادر أخيرا عن دار العين في القاهرة، على فكرة أن التراث هو ما نفهمه من مواده، وأنه لا وجود له خارج وعينا، أو خارج طرائق تحليلنا وشروط وجودنا التاريخية/ الثقافية، وهي الطرائق والشروط التي تحدد المعنى الذي نستقر عليه في لحظة تاريخية بعينها لمواد التراث التي تخضع في الكثير من الدراسات لعمليات معقدة من التوجيه والاستخدام تصل إلى حد التشويه.

ويؤكد أيمن بكر أن ما تشهده الثقافة العربية الآن يمثل ذروة استثنائية في التلاعب غير العلمي بمواد التراث في مختلف نواحيه، ويخص بالذكر التراثين الديني والمجتمعي، على ما بينهما من تداخل واستخدام لتلك المواد وقودا لحرب طائفية عنصرية خطيرة.

وتعد مقالات الكتاب نتاجا مباشرا لحالة لعب مستمتع بمواد التراث المختارة سواء في قراءتها أو تحليلها وهو لعب يرجو المؤلف "أن يكون قد احتفظ بالدهشة الطفولية التي صاحبت الكتابة". كما يسعى الكتاب أيضا إلى تقديم مواد طريفة وممتعة من التراث، بتبسيط يهدف إلى توسيع دائرة القراء، وجذب تلك الجماعة التي تقع بين المثقف المختص والشخص اللاهي غير المهتم.

يقول المؤلف "في التراث العربي قصص مدهشة عن موت الأعلام، فجلهم تحدث له قبل الموت أو بعده أشياء يمكن أن تدخل ضمن العجائبي. ولعل أحد أسباب ذلك هو دخول هؤلاء الأعلام في دوائر اجتماعية/ سياسية متشابكة، لا يسلم من دخلها من آثار الفتن والمؤامرات خاصة في العصرين الأموي والعباسي".

مقالات الكتاب نتاج مباشر لحالة لعب مستمتع بمواد التراث المختارة سواء في قراءتها أو تحليلها

كما يفسر تلك القصص العجيبة عن موت الشعراء والكتاب أيضا بأن الثقافة التي يعيش فيها الشخص المبدع تتخذ منه موقفا بعينه، ينعكس هذا الموقف في صورة قصص تحاك حول إبداعه وحول بعض تفاصيل حياته، وحول موته أيضا، بحيث يمكننا القول إن الثقافة تمارس تأويلاتها على كتابات المبدع وعلى سيرته في آن. والنموذجان اللذان عرج عليهما هما ما حيك عن موت بديع الزمان الهمذاني "358 - 398 هـ" صاحب المقامات الشهيرة، وكذلك المتنبي "303 - 354 هـ" شاعر العربية الأشهر.

يلفت الكتاب إلى أن قصة موت بديع الزمان من أعجب ما روي عن وفيات الأعلام، فهي أقرب إلى انتقام حاكته بعد موته الثقافة التي عرفته هجاء سليط اللسان مر العداوة. ترد قصة موت بديع الزمان في وفيات الأعيان على لسان شخص يدعى الحاكم أبو سعيد بن عبد الرحمن (وهو نفسه من جمع رسائل بديع الزمان) كالآتي:

"وسمعت الثقات يحكون أنه مات من السكتة، وعجل دفنه، فأفاق في قبره وسمع صوته بالليل، وأنه نبش عنه فوجدوه وقد قبض على لحيته ومات من هول القبر". بحسب القصة، لم يمت بديع الزمان، وإنما دخل فيما يشبه الغيبوبة القصيرة، لكن القوم ظنوا أنه مات وعجلوا بدفنه، ثم إنه أفاق من غيبوبته ليجد نفسه في القبر.

يمكننا ببساطة أن نصدق القصة السابقة بوصفها حدثت رغم غرابتها، ويمكننا أيضا أن نرى فيها موقفا ثقافيا من شخص الهمذاني، لكن ليس فيها نسيج سردي أسطوري كالذي نجده في موت امرؤ القيس أو طرفة بن العبد مثلا، إذ يتشكل موته خبرا قصيرا مملوءا بشحنة فزع يشفق المرء منها على أعدائه.

القصة الأخرى التي يتناولها الكتاب دارت حول موت شاعر العربية الأشهر أبو الطيب المتنبي، حيث تساءل المؤلف: هل قتل بيتُ الشعر صاحبه؟ فهناك من يذهب إلى أن فاتك قتله ليس ثأرا لابن أخته الذي هجاه الشاعر- ضبة القرمطي- ، إذ ربما دفعه إلى ذلك الطمع في أموال المتنبي الكثيرة، التي يعلم الجميع أنه يسافر بها جميعا أينما ذهب، أو لعل كافور الإخشيدي هو من تآمر مع فاتك، إذ يبدو أن المتنبي كان كلما أغاظه شيء صب غضبه على كافور. والبعض يذهب إلى أن سيف الدولة نفسه ربما يكون هو من أرسل في طلب رأس المتنبي بعد أن بدأ المتنبي التعريض به في بعض قصائده.

15