أيمن تنتهك رجولته أمام زوجته وليلى تتحول إلى ساقطة

الجمعة 2014/10/10
المسالمة تنقل ظلم الأنظمة العربية وفسادها واستباحتها الأموال والدماء والأعراض

قبل أنْ تنتهي رواية سميرة المسالمة “نفق الذل”، الصادرة عن “منشورات ضفاف”، 2014، بصفحات قليلة تلوح بشائر الثورة التونسية ويسقط نظام بن علي، ثمّ في تسابق للأحداث يسقط النظام المصري، لكن أهازيج الانتصار التي يهتز لها ميدان التحرير، والتي يستجيب لها الأحرار في سوريا لا تروق للنظام وحراسه الأكثر تمسّكا به حرصا على مصالحهم، رغم الخدعة التي أقامها النّظام بواسطة الإعلام ليستميل إليه أفراد الشعب أو يشعرهم بأن له حسّا إنسانيا “كابتداع نشاط اجتماعي، أو إلقاء الصّور في الصحف والمجلات لإيهام الناس بأنهم يمتلكون مشاعر إزاء اليتم وذوي الاحتياجات الخاصة”.

ليس ثمة شك في أن الرواية خارجة من مخاض الثورة، بل إن أحداثها تمتد لما قبل الثورة بكثير، وكأنها التمهيد والأسباب التي من أجلها قامت الثورة، وهي المنظومة السائدة والمتكرّرة في الأنظمة العربية، وما أحدثته هذه الأنظمة من ظلم وفساد واستباحة للأموال والدماء والأعراض.


قمع البعثيين


ترصد الرواية الحالة القمعية التي يحكم بها النظام البعثي في سوريا، والصفقات والمنح والهبات التي تقدّم وتوزع على كلّ أصحاب الولاءات لا فَرق بين سياسيّ أو حتى فنان وفنانة، فالجميع سواء في نيل المكرمات، كما ترصد الرواية الحيل التي تمارسها أجهزة الدولة في التجسّس على الناس، وقمعها لهؤلاء الجواسيس حتى يكون ولاؤهم أشدّ، وعلى الأخص من كان من المعارضين، وقصة اللواء عماد نموذج دال في صعوده مِن شاب إلى سجين ثمّ مخبر إلى صاحب سلطة، فهو ينتمي إلى أسرة فقيرة، إلا أنه يحمل المبادئ الاشتراكية، ويدعو إلى تحقيق العدالة والمساواة، حتى يسجن ويبطش به أحد رموز النظام، ولا يخرج من محبسه إلا بعد أن قدّم قرابين الولاء لأسياده، فصار عينا للنــظام على أصدقائه في الجامعة.

ثم يتورط في علاقة عاطفية مع ابنة أحد البرجوازيين ممن يهاجمهم فهو يكره كلّ برجوازيي السلطة “ببساطة يا حبيبتي نحن نجوع، نقهر، نهزم في الحروب، بسبب حكم الطوارئ الذي اخترعه والدك وأمثاله”، تثمر هذه العلاقة عن ابن، غيث، يقتله في النهاية انتقاما من جده الذي أفقده رجولته، وحوّله إلى شخص شاذ. كما يمارس سلطته السادية ليس فقط في سوريا “وإنما ما يجاورها من بلد مجاورة أذاق سكانها أبشع بكثير لمجرد أنهم أولاد عائلات حاكمة”، قدم فروض الطاعة أكثر مما طلب منه فلم يتوان عن قتل أقرب المقربين منه ليثبت ولاءه غير المحدود.

الرواية تنوع في إظهار الفساد المستشري كفيروس تصعب مقاومته، يخترق مفاصل الدولة كافة


انتهاكات السجون


تتعرض الرّواية -بصورة موسّعة- للانتهاكات اللاإنسانيّة التي تحدث في السجون للمعارضين كما في حكاية أيمن الذي رصدته الأجهزة يتحدّث عن الأسرة العلوية، فقتلوا أبويه أمامه، واستباحوا جسد أخته، كان ذلك أمامه من قبل ثلاثة من رجال الأمن، ثمّ فضّوا بكارته. ولا تقتصر الانتهاكات على المعارضين فقط، بل أيضا تتجاوز مَن لا علاقة لهم بالسياسة كما في حكاية الرّجل الذي انتهكت رجولته أمام زوجته من أحد أفراد أسرة الشيخ بعد أن راقت له الزوجة.

تنوّع الرواية في إظهار الفَساد المستشري كفيروس تصعب مقاومته، يخترق مفاصل الدّولة كافة، فلا يعدو حكرا على السلطة فقط، أو شريحة دون أخرى، بل هو ممتد ومتشعّب في الجامعة وفي الأوساط الاجتماعيّة وكذلك في الإعلام، فمنى تنتمي إلى عائلة مفكّكة، الأم هربت مع عشيقها سائق زوجها السابق، والأب متجبّر وديكتاتور يشتري كل شيء بنفوذه.

فالمجتمع شعاره “لا غضبة فيه على العار ولا دموع على الشرف”، بل الكل يوارى باختلاق الأكاذيب، وفيه أيضا تختفي المشاعر، فالزواج يأتي عن طريق علاقات المصالح بين الأب وأصدقائه. وفيه عالم المال يخترق كل شيء فبه تشترى الشهادات على نحو حيدر بك الذي هيّأه والده للحياة العملية بشهادات ممهورة من الاتحاد السوفييتي الشيوعي ومصادق عليها من جامعة دمشق، أما صديقه محسن فقد نال شهادة في الطب من رومانيا الشيوعية. أما منى فترغب في أن تخون صديقتها سلّام، وتكرّر علاقاتها الجنسية مع كثيرين مرّوا على جسدها، لكن لم يكن غرضها اللذة بقدر ما كان تدميرا لـ”ذاكرتها الممتلئة بعماد، أرادتهم أن تنتزع بأجسادهم جسده مني، فزاد هو مساحة…”.

الرواية خارجة من مخاض الثورة، بل إن أحداثها تمتد لما قبل الثورة، وكأنها التمهيد والأسباب التي من أجلها قامت


الظلم والاضطهاد


الصّراع هنا ليس فقط بين السلطة والمعارضة. وإنما هو صراع ظاهر في الشخصيات الإشكالية التي رغم السطوة البالغة من أجهزة الدولة حسب تعبير “ألتوسير”، إلا أن ثمة معارضات حتى ولو أخمدت إلا أنها جميعها ماتت دون أن تتخلّى عن مبادئها، فكما يقول غيث في مذكراته “ولدت زمن انسحاق الإنسان وسأموت دفاعا عنه”، وهذا الإصرار هو ما يبعث على الأملِ فلا بدّ أن تشرق الشمس حتى ولو كانت ثمّة سحابة تحجبها، فلا شكَ أنّها سحابة صيف، فغيث وأحمد وسلّام جميعهم نماذج إشكالية استطاعت على الأقل أنْ تتصالح مع ذواتها بعكس عماد الذي في بعض الأحيان تعود إليه إنسانيته أو ضعفه، حتى ليلى تنطبق عليها صفات الشخصية الإشكالية فقد حوّلت جسدها المسحوق بوحشيتهم “إلى سكين تمزق رغباتهم وتنتزع بها توقيعا هنا وموافقة هناك، بعد أن صارت أشهر عاهرة بمباركتهم، فصارت طامحة إلى الأحلام ومسرفة فيها إلى حدّ الغواية التي جعلتها تقدم جسدها كبوابة عبور لنفق الذل”.

لا تتأتى أهمية رواية سميرة المسالمة من الموضوع الذي تطرقه، أو حتى القضايا السياسية التي تتناولها، مع أن جميعها تدور في فلك مقدمات الثورة السورية، فالحقيقة أن تيمة الظلم والاضطهاد، وحالة التزاوج والفساد بين دوائر القرار المختلفة، تردّدت في كثير من المرويات التي سبقت الربيع العربي أو حتى التي جاءت ملاحقة له، أو باعتبار الرواية تلخيصا للمأساة السورية -كما زعم البعض-، فهو بحق إجحاف وتقليل من المأساة التي لم تشهد البشرية مثيلا لها، وما نسجه الواقع لأشدّ هولا من متخيّلات كافة الروائيين على مرّ العصور، وفي ذات الوقت هو انتقاص من قيمة النص باعتباره تسجيلا دقيقا لمعاناة السوريين.

14