أيمن جابر ملك البراميل الذي يفتتح قائمة دافعي الثمن

حياة أيمن جابر كرجل أعمال تعود إلى عمله في مجال الأعمال غير الشرعية، وتقرب من أسرة الأسد، وعمل لصالحها وباسمها وأدى لها خدمات في ما يعرف بالـ"التشبيح".
الخميس 2018/06/21
أيمن جابر: النظام السوري يستعيد الثقة ويلتفت لتصفية ميليشياته المحلية

لندن – أثار نبأ الحجز على ممتلكات أيمن جابر، القائد الميليشياوي السوري الشهير، ووضعه قيد الإقامة الجبرية، الكثير من التساؤلات والتكهنات حول حقيقة ما يجري في سوريا، وعن الأبعاد الحقيقية لهذا القرار، وكم يعكس من حالة الارتياح واستعادة الثقة التي يستشعرها نظام الأسد، في ظل انتصاراته الأخيرة ليأخذ بزمام المبادرة ويبدأ بتحجيم ميليشيات قوية عملت لصالحه على مدى السنوات الماضية.

سمح النظام، لبعض الخاصة والمقربين منه، بتشكيل الميليشيات المسلحة والإشراف عليها وقيادتها، ليضمن تجنيد أكبر عدد من المقاتلين الموالين لصالحه. وشجعهم على استقطاب المقاتلين باللعب على عامل الخوف لديهم من احتمال سقوط النظام وتداعياته على الطائفة بشكل عام، وبالإغراءات المادية عبر منحهم رواتب عالية، إضافة إلى التغاضي الرسمي عن تجاوزاتهم ولو إلى حين. اعتمد في ذلك بشكل خاص على بعض رجال الأعمال والمتنفذين المقربين منه، الذين ساهم في تضخيم ثرواتهم وقلدهم المناصب الحساسة، مستفيدين من التسهيلات الكبيرة التي قدمها لهم على مدى عقود من الفساد.

بالمقابل، وكنوع من الوفاء وارتباط المصير، كان يجب على هؤلاء أن يقدموا الدعم المالي اللا محدود، ويقوموا بتسخير مهاراتهم وخبراتهم التي اكتسبوها في الالتفاف على العقوبات الدولية التي فرضت على النظام إبان الثورة في 2011.

نفط العراق يتحول إلى ثروات ضخمة

 العقوبات الأميركية والأوروبية شملت الكثير من أسماء رجال الأعمال والأثرياء في سوريا، لقيامهم بتمويل الشبيحة بشكل مباشر، أو عن طريق جمعيات خيرية وهمية، والأكثر قربا منه لتشكيلهم ميليشيات مسلحة بشكل علني وسافر. وكان من أشهر هذه الميليشيات، التي تشكلت في مدن الساحل السوري ذي الأغلبية الطائفية المؤيدة لآل الأسد، ميليشيا “صقور الصحراء” و ميليشيا “مغاوير البحر”، اللتان مولهما أيمن جابر، وتولى قيادتهما شقيقه محمد جابر، وكان للحرس الثوري الإيراني دور التدريب والتسليح.

نظام الأسد يسمح عادة لبعض الخاصة والمقربين منه، بتشكيل الميليشيات المسلحة والإشراف عليها وقيادتها، ليضمن تجنيد أكبر عدد من المقاتلين الموالين لصالحه، ويشجعهم على استقطاب المقاتلين باللعب على عامل الخوف لديهم من احتمال سقوطه وتداعيات ذلك على الطائفة العلوية بشكل عام، وكذلك بالإغراءات المادية والتغاضي الرسمي عن تجاوزاتهم ولو إلى حين

ينحدر جابر من قرية الشلفاطية في ريف اللاذقية، من بيئة فقيرة، وعائلة غير متعلمة، مؤلفة من ثلاثة إخوة، وأختين. وهو من مواليد 1969 ويحمل إجازة في الهندسة الميكانيكية من جامعة تشرين في اللاذقية. بدأ جابر حياته في مجال الأعمال غير الشرعية، وتقرب من آل الأسد وعمل لصالحهم وباسمهم وأدى لهم خدمات في ما يعرف بالـ“التشبيح”. وهذا التعبير كان في السابق يطلق على أعمال التهريب وتجارة الممنوعات مثل المخدرات والتبغ والحديد والأسمنت والبضائع التي تحتكرها الدولة.

جمع ثروة لا بأس بها، وأسس شبكة علاقات متشعبة على مستويات مختلفة، وفي مرحلة لاحقة تزوج  سماح  الأسد ابنة كمال ابن عم  بشار الأسد في منتصف التسعينات. وهكذا دخل في الحلقة الضيقة والمقربة جدا من بشار وماهر الأسد، وحاز ثقة الأخير وإعجابه، وأصبح من أصحاب الحظوة لديه، واعتبر إحدى الواجهات التي تمثله.

تمكن جابر من خلال مصاهرة آل الأسد، أن يلعب دورا أساسيا في تجارة النفط العراقي المهرب، الخاضع آنذاك للعقوبات الأممية. وتمكن من جني ثروة طائلة من تجارة التهريب بالاتجاهين بين سوريا والعراق، وبدأت هذه الثروة بالظهور إلى العلن.

المطلوب دوليا

أشهر الميليشيات المحلية الداعمة للنظام السوري تلك التي تشكلت في مدن الساحل ذي الأغلبية الطائفية المؤيدة لآل الأسد
أشهر الميليشيات المحلية الداعمة للنظام السوري تلك التي تشكلت في مدن الساحل ذي الأغلبية الطائفية المؤيدة لآل الأسد

 أسس جابر بعد ذلك معملا ضخما بالقرب من مدينة جبلة الساحلية أسماه “العربية لدرفلة الحديد”، ليصبح هذا المعمل لاحقا المصدر الأساسي للبراميل المتفجرة التي استخدمها النظام في قصف المدن والبلدات المعارضة، ليحوز بذلك بكل جدارة لقب “ملك البراميل”.

وبدأ مشوار الثراء والانتشار، وأصبح جابر من أصحاب المليارات، بل من أهم رجال الأعمال في سوريا، وتحديدا بين عامي 2006 و2016  تم تصنيفه كواحد من أخطر الأثرياء المحيطين بالأسد، جامعا بين المال والسلطة اللا محدودة. ليساهم في تأسيس مجموعة الشام القابضة، التي يترأسها رامي محمد مخلوف، وتضم نخبة من رجال الأعمال المتنفذين والمستفيدين من الفساد المالي المستشري، والتي شكلت في مرحلة ما عصب الاقتصاد في سوريا.

قام ماهر الأسد بتوجيه تعليماته لستة من رجال الأعمال المقربين منه، للمساهمة في تمويل قناة “الدنيا” الفضائية الخاصة، فكان جابر أحد هؤلاء. إضافة إلى ممول سابع لبناني الجنسية هو نجيب ميقاتي. ولا يخفى الدور الكبير والموجه الذي لعبته هذه القناة في الترويج لانتصارات حزب الله في حرب 2006، إضافة إلى دورها القمعي والمعادي للشعب السوري والدول الداعمة له لا سيما دول الخليج العربي.

وظهر اسم جابر وأخيه محمد في سلسلة وثائق “برادايز” التي أعلنت عنها صحيفة “زود دويتشي تسايتونغ” الألمانية، حول عمليات التهرب الضريبي الكبيرة، كأصحاب شركات “أوف شور” اللبنانية. وأدرجته الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي على قائمة العقوبات الاقتصادية من حجز  للأموال والأرصدة ومنع السفر، بسبب نشاطه المالي ودعمه لميليشيات.

الأيام المقبلة تكشف صواب توقيت النظام والروس في إزاحة الإيرانيين والميليشيات، ومدى جاهزيتهما لسد الفراغ الذي سيحصل، والأهم هل أن طهران ستقبل الخروج من المشهد بهذه الطريقة، أم أن المنطقة مقبلة كعادتها على مفاجآت جديدة؟

ذاع صيت الأخوين جابر إلى درجة أن مجلة دير شبيغل الألمانية الشهيرة، أرسلت في العام 2017 مراسلا لإجراء مقابلة صحافية مع الشقيق محمد، ووصفته في تقريرها بأنه “رجل سمين ومتعجرف، أمضى ساعة في الكلام عن النجاحات العسكرية التي حققتها ميليشياته”، تلك الميليشيات التي شاركت في المعارك التي خاضها النظام على امتداد الجغرافيا السورية، وتلقت تدريبات عسكرية في اللواء 47 عام 2013 والذي يديره الحرس الثوري الإيراني.

 وكان لها دور حاسم في معارك جبل الأكراد والتركمان في الساحل السوري، تلقى جابر على إثرها شهادة تكريم من الجنرال الروسي ألكسندر دفورنيكوف، وكذلك في معارك الرقة، وريف حمص الشرقي.

وكان من أهم الجبهات التي شاركت فيها وأبرزت إمكانياتها العسكرية الضخمة، جبهة تدمر في ريف حمص الشرقي وتحديدا حقل الشاعر.

ماذا يعني حل الميليشيات

لا يمكن الفصل بين إلغاء تلك الميليشيات تحديدا وضم أفرادها إلى القوات النظامية، وحجز حرية قادتها، عن مستجدات المشهد العام في سوريا والمنطقة وتطوراته الأخيرة.

وعلى الرغم من التقدم السريع لقوات النظام على حساب قوات المعارضة في أكثر من جبهة ومكان، إلا أن الحرب لم تنته بعد. والحديث عن الحل السياسي النهائي للأزمة السورية لا يزال بعيد المنال، ويرتبط بالمزيد من التفاهمات الدولية والإقليمية.

يشعر النظام حاليا بالارتياح، خصوصا بعد تأمين مدينة دمشق ومحيطها بشكل كامل، وبعد السيطرة الكاملة على الغوطة الشرقية، وأخيرا مخيم اليرموك. ويحاول الإيحاء لمؤيديه بأنه انتصر، وبأن معركته المقدسة على الإرهاب شارفت على نهايتها، وعليه لا ضير من رفع الحواجز الأمنية في دمشق وريفها، وكذلك تسريح الدورة 102 في الجيش النظامي، بعد أن أمضى أفرادها ما يقارب السنوات الثماني بالخدمة في الاحتياط.

 تضاف إلى ذلك إعادة فتح الطرق الدولية الواصلة بين المحافظات الرئيسية في محاولة لتحريك الاقتصاد ولو بالحد الأدنى.

مصاهرة آل الأسد تعتبر السبب القوي المباشر الذي مكن جابر من أن يلعب دورا أساسيا في تجارة النفط العراقي المهرب، الخاضع آنذاك للعقوبات الأممية. فتمكن من جني ثروة طائلة من تجارة التهريب بالاتجاهين بين سوريا والعراق، وبدأت هذه الثروة بالظهور إلى العلن

وتبقى المشكلة الأساسية للنظام الميليشيات الكثيرة العاملة لصالحه، المحلية منها والمستوردة، والتي باتت تجاوزاتها تشكل عبئا إضافيا على كاهله، ما يجعل الشعور العام بأن الدولة ضعيفة مستمرا، أما الأخطر فهم قادة هذه الميليشيات.

“نعم، لدينا مشاكل”.. يقول حسين ديوب، أمين فرع حزب البعث في حماة، مقرا بأن الميليشيات أقامت نقاط تفتيش لابتزاز الناس، فضلا عن إقراره بجرائم التهريب والخطف، لكنه يدعي أنه لا يعرف من يقف وراء ذلك. أما “وزير الدولة للمصالحة” علي حيدر، فيؤكد أن النظام على علم بمشكلة الميليشيات، ولكنه يفتقد إلى القوة التي تمكنه من وضع حد لها.

 ففي معركة تدمر ربيع 2016، تبادلت “قوات النمر” و”صقور الصحراء” إطلاق النار، وقد أوفد النظام مبعوثين رفيعي المستوى لفض الاشتباك، ومنذ ذلك الحين، يتم الحرص على فرز “النمور” و”الصقور” إلى جبهات قتال مختلفة.

القرار روسي

الروس يكرمون أيمن جابر ويسارا شقيقه محمد يقود العمليات العسكرية
الروس يكرمون أيمن جابر ويسارا شقيقه محمد يقود العمليات العسكرية

تأتي خطوة النظام هذه منسجمة مع التوجهات الروسية الحالية في المنطقة. وربما بإيعاز مباشر من بوتين. فموسكو، التي تفهمت على مدى سنوات الحرب، الدور الإيراني الهام في دعم نظام الأسد والمحافظة على استمراره، باتت تشعر بالحرج من استمرار الإيرانيين وميليشياتهم بلعب نفس الدور.

وكان على موسكو أن تعيد تقييم دور الإيرانيين في سوريا وعلاقتها بهم، خصوصا بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني واعتباره لاغيا، وتصريحات وزير خارجيته مايك بومبيو وشروطه الـ12، المتضمنة في أحد بنودها انسحاب الإيرانيين من المشهد السوري.

وتبدو الغارات الإسرائيلية، قبل إيام قرب البوكمال والتي ضربت قوات عراقية تابعة للحشد الشعبي، وقبلها غارات العاشر من مايو الماضي، التي استهدفت ودمرت معظم البنية التحتية لقواعد الحرس الثوري الإيراني حسب ما أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، وكأنها تدفع المنطقة إلى حافة مواجهة شاملة، ليست في مصلحة أحد، وبالأخص روسيا.

اكتفت موسكو بالتنديد بالغارات، وأعلنت دائما تفهمها للموقف الإسرائيلي، ومنذ تدخلها المباشر في سوريا أبقت قواتها بمعزل عن القوات الإيرانية، على الرغم من التنسيق معها، لمعرفتها بالموقف الإسرائيلي من هذه القوات، وتفاديا لأي خسائر نتيجة لضربة خاطئة.

وازداد الضغط على طهران بعد أن أعلنت الحكومة السورية نيتها في التوجه نحو الجنوب، وإعادة ما تبقى من محافظة درعا والقنيطرة إلى سيطرة الدولة، والذي قوبل برفض أميركي وتهديد برد صاعق، في حال مشاركة الحرس الثوري الإيراني وحزب الله في هذه العمليات.

رجال الأعمال المحيطون بالأسد، يتوجب عليهم مقابل حمايته لهم، أن يقدموا الدعم المالي اللا محدود، ويسخروا خبراتهم التي اكتسبوها في الالتفاف على العقوبات الدولية

ويدور الحديث حاليا عن تفاهمات جديدة تقضي بقبول دخول الجيش السوري إلى هذه المناطق، وصولا إلى الحدود الأردنية، مقابل الانسحاب الفعلي للإيرانيين وحزب الله، تنفيذا للشروط الأميركية.

أصبح الموقف الروسي أكثر وضوحا، وجاءت تصريحات المسؤولين الروس وأهمها تصريح وزير الخارجية سيرجي لافروف، بضرورة انسحاب كل القوات الأجنبية من سوريا بما فيها القوات الأميركية، لتعلن رسميا لأول مرة الموقف الروسي الجديد.

ولم تتوان الصحف الإيرانية عن اتهام موسكو بالخيانة، والتنكر للتضحيات والمصالح الإيرانية في سوريا.

ليأتي دخول القوات الروسية وقوات الفرقة 11 من الجيش النظامي إلى محيط منطقة القصير مؤخرا، والتي يحتلها حزب الله منذ العام 2013 وتشكل رمزية كبيرة للحزب، ليدعم ويؤكد أن موسكو ودمشق أخذتا زمام المبادرة، وأنه حان الوقت لإنهاء دور الميليشيات، المحلية والمستوردة.

ويبقى تحديد وضع المناطق الشمالية التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، المدعومة أميركيا، مرهونا بالتفاهم الأميركي التركي. فالقوات ذات الغالبية الكردية تستعد للمغادرة، والدوريات العسكرية الأميركية والتركية تمشط منبج خلال الأيام القليلة الماضية.

 يبقى أن تكشف الأيام المقبلة صواب توقيت النظام والروس في إزاحة الإيرانيين والميليشيات، ومدى جاهزيتهما لسد الفراغ الذي سيحصل، والأهم هل أن طهران ستقبل الخروج من المشهد بهذه الطريقة، أم أن المنطقة مقبلة كعادتها على مفاجآت جديدة؟

12