أين أغاني نساء العراق

الثلاثاء 2016/01/12

لا يطربني صوت ولا أكتشف لذة روحية، مثلما يجتذبني صوت المرأة العراقية، وهي تشدو وتنطلق في أوسع فضاءات البوح، ناقلة بكل صدق ووضوح مشاعرها كإنسان مستلب، ممنوع من البوح، ممنوع من القول، ممنوع من الحب، ممنوع من الحياة!

يقول العارفون بالغناء وأساتذة المهنة: إن العراق الحديث عرف أصواتا لا يمكن أن تتكرر، ولا يمكن للزمن أن يجود بمثلها. إنها أصوات الطبقة الاجتماعية الناهضة التي شكلها نشوء الدولة بعد طول غياب، شكلها نشوء الوعي المدني عقب سبات طويل في بلاد ابتليت باستعمارات طوال لم تنفك تعيد ذاتها.

في القاموس الغنائي العراقي لا يمكن لأي دارس أو باحث أو هاو مثلي أن يجتاز مهما حاول تلك الأصوات الخلابة التي تغدق على النفس من جنائن اللحن، وأنغام السماء أجملها، لا يمكنك وأنت تجول في حدائق اليوتيوب الثرية بالنفائس ألا تمر على واحة منيرة الهوزوز، أو نجاة، أو بدرية أنور، أو زهور حسين مثلا، أو عفيفة إسكندر، أو لا تغترف من ينبوع صوت مائدة نزهت، أو تداعب خصلات صوت أنوار عبدالوهاب الرقيق، أو تعود لروعة سليمة مراد، أو ترحل لكرستال أمل خضير، أو… أو……

لربما لا يمكن أن يحصر هذا الكم الهائل من النفائس العراقية في عجالة كهذه، وكي لا يكون التعداد مجرد نوستالجيا واهمة، أو تأسيا على ماض آفل، يجب أن نذكر أن غياب الثقافة الاجتماعية التي كانت تحتضن إبداع المرأة، كما إن سياسات عسكرة المجتمع، والتدهور الاقتصادي، والتداعي السياسي كان له بالغ الأثر في انحدار كل مستويات الحياة في العراق إلى دركها الأسفل.

ولعل ظاهرة غياب المرأة عن الحياة بكل تفاصيلها تشكل الملمح الأبرز لهذا التداعي، فبعد أن كان المجتمع سليما معافى، ويواصل سيرورته للتحول إلى مجتمع مدني سوي، أتت المتغيرات السياسية على تلك السيرورة بإحداث قطعية غير خلاقة، قطعية بمفهومها السلبي لتجهز على ذلك الحراك.

غياب الغناء النسوي العراقي لا يمكن أن يُقرأ بمعزل عن فقدان الحياة العراقية لكل خواصها المميزة لها، لاسيما مجتمعات المدينة التي تقطنها في العادة الطبقات الوسطى والبرجوازية، بل يشير بدلالة لا تقبل الشك، إلى أن التغيير السياسي المستمر قاد إلى تفكيك أو انهيار الطبقات الحاملة لمشاريع المدنية، وقاد بدلها مجتمعات الريف الصاعدة بفضل سياسة العسكرتاريا المتواصلة إلى تسيد المشهد لتنشر ثقافة النواح بدلا من ثقافة الفرح!

21