أين اختفى سماحته؟

السبت 2013/08/31

في مناسبات أقل من هذه المناسبة بكثير كان حسن نصر الله الأمين العالم لحزب الله اللبناني، يطل خطيباً من خلال شاشته البلازما مهدداً متوعداً، ملوحاً بقبضته تارة وبإصبعه تارة أخرى، في حفلة حماسية صاخبة تتخللها هتافات وتكبيرات من جمهور تم اصطفاؤه بعناية من أتباع الحزب، وبعض المتكسبين المحسوبين على ما يعرف بمحور المقاومة والممانعة، ومن بينهم وزراء وسفراء، يتقدمهم في أغلب الأحيان، الوزير السابق وئام وهاب، الذي يصفق بفرح طفولي ثم يغادر مع انتهاء الخطاب ليطل على إحدى فضائيات المحور نفسه، محللاً ومؤيداً لكل كلمة قالها السيد في خطابه.

ولأن حسن نصر الله ربط نفسه وحزبه بنظام بشار الأسد منذ بداية الثورة السورية ربيع العام 2011، سواء من خلال الدعم المعنوي، أو من خلال الدعم العسكري والمشاركة المباشرة في القتال بشكل غير معلن في البداية، ثم بشكل معلن وسافر انطلاقاً من معركة القصير الشهيرة، التي رفرف فيها علم حزب الله على مئذنة أحد مساجد المدينة في مشهد يؤكد بلا أدنى شك أن المعركة برمتها هي معركة طائفية قائمة على انتصار «حزب الله» وهو ذراع عسكرية لإيران على الثورة الشعبية.

وقد ذهب نصر الله أبعد ما يمكنه من المبالغة في المشاركة في القتال إلى أن أعلن مؤخراً أنه مستعد شخصياً للذهاب إلى سوريا، ملوحاً بعصا طائفية بغيضة تدق رؤوس كل من يجرؤ على الوقوف في وجه المشروع الإيراني واضح المعالم في المنطقة، والذي كان الملك الأردني عبدالله الثاني قد حذّر منه غداة دخول إيران في العراق عبر قنواتها المرتبطة بها والشبيهة تماماً بحزب الله، والتي آلت إليها الأمور بسبب ما سيكشف عنه بعد ذلك، من تزوير للانتخابات ووفود عشرات آلاف الإيرانيين ومنحهم جنسيات عراقية للإدلاء بأصواتهم، وصولاً إلى تمكين نوري المالكي الذي كان يسمى في وقت من الأوقات «ستالين الدعوة» نسبة إلى حزب الدعوة الذي ينتسب إليه بسبب قسوته وبطشه بالأسرى العراقيين إبان الحرب العراقية الإيرانية.

لا شك أن الضربة العسكرية الأميركية، ستكون كفيلة بشلّ قدرة حسن نصر الله وحزبه، وسيكون لزاماً عليه أن يتخلص من عنترياته ويرتضي للحزب دوراً سياسياً يتناسب مع الحالة اللبنانية المضطربة أصلاً بسبب ما يحدث في سوريا، وسط تنامي مشاعر الخوف لدى اللبنانيين بأن يمتد الحريق السوري ليشمل لبنان ويأكل أخضرها ويابسها.

وقد شهدت الجمهورية التي اختلطت فيها أوراق حكومتين إحداهما مكلفة والأخرى قائمة لتصريف الأعمال، سلسلة من الأحداث التي ترتبط بشكل مباشر بالحدث السوري، منذ مقتل العميد وسام الحسن رئيس فرع المعلومات والذي كان يلاحق تورط كبار المسؤولين السوريين في شبكة تفجيرات يديرها الوزير السابق ميشيل سماحة، مروراً بأحداث صيدا والهجوم الذي شنه الجيش اللبناني على معقل الشيخ السلفي أحمد الأسير، وصولاً إلى التفجيرات الأخيرة التي ضربت الضاحية الجنوبية، ثم الرد السريع الذي استهدف مسجدين في عاصمة الشمال طرابلس. كل هذه الحوادث تجعل لبنان وسط المعمعة السورية، لكنها أيضاً تحمل لبنان إلى فصل جديد يقضي بشكل جديد من الحركة خاصة وأن الحزب الذي صنف إرهابياً في الكثير من دول العالم، ومن بينها دول مجلس التعاون الخليجي، قد تم تقليم أظافره، ولن يعود قادراً بعد «الضربة» على ممارسة فن الترويع الذي يعيد للأذهان حادثة القمصان السوداء في أيار/مايو من العام 2007، والتي أمر فيها حزب الله كوادره بقطع شوارع العاصمة اللبنانية بيروت لفرض مشيئته السياسية على كافة خصومه السياسيين، وهم ليسوا قصيري حربة سياسياً ولكنهم لا يمتلكون عنجهيته العسكرية، ولا يخرجون على الدولة وقتما يشاؤون، ولهذا فإن على حزب الله أن يعد العدة لشكل جديد يجعله يقبل بما لم يكن يقبله، وسوف يتخلى لا بشكل مفاجئ بل بشكل منظم عن دوره «التشبيحي» إن صح القول، ويرضى حجماً طبيعياً، دون تلويح بأي نوع من أنواع التخويف أو التخوين، وسيكون لزاماً عليه الجلوس إلى طاولة مفاوضات تناقش شكل الدولة اللبنانية المستقبلية وسيكون سلاحه الردعي واحداً من أهم البنود التي يجب مناقشتها.

لم يظهر حسن نصر الله حتى الآن، وعلى ما يبدو فهو لن يظهر في القريب العاجل، فلا شيء لديه ليقوله لا لأنصاره، ولا لحليفه القابع، كما تشير بعض التقارير، في مقر سري، فهو ليس قادراً على الرد، لأن الأمر لا يتعلق هذه المرة بالشعب السوري الثائر بأسلحته البسيطة، بل يتعلق بقرار دولي، تقف وراءه قوى كبرى بأساطيلها التي لا تنفع معها صواريخ نصر الله ولا عربداته.

كاتب سوري
9