أين الجزائر من مشروع الترجمة

لم تتأسس في الجزائر تقاليد ترجمة الفكر العالمي سواء في إطار مشروع دولة من خلال وزارتي الثقافة والتعليم العالي، أو برعاية مؤسسات المجتمع المدني.
الأربعاء 2019/01/02
الترجمة من اللغات الحيَّة تعد من علامات يقظة الضمير الثقافي والحضاري

لماذا لم تساهم الجزائر بدور ريادي في ميدان ترجمة الفكر العالمي وشتى أنواع الإنتاج الثقافي والفني منذ الاستقلال إلى يومنا هذا؟ ولماذا ليس لها أي تأثير يذكر في هذا الخصوص على المستوى الأفريقي والمغاربي والمشرقي العربي والأوروبي؟

من المفترض أن المسؤولين على الشأن الثقافي في الجزائر يدركون أن الترجمة من اللغات الحيَّة تعد من علامات يقظة الضمير الثقافي والحضاري، وهذا ما انتبهت إليه المدنية الإسلامية منذ قرون مضت، حينما قام المفكرون والفلاسفة في إطار مناخ الحضارة الإسلامية بترجمة أمَّهات الكتب من اليونانية، الأمر الذي مهَّد لتأسيس معمار ما ندعوه الآن بالعقل الإسلامي.

وفي عصرنا هذا كان السبق المكثف والأبرز في تشجيع ترجمة المؤلفات البارزة التي أنتجتها المجتمعات الأوروبية/ الغربية إلى اللغة العربية من نصيب دولة مشرقية صغيرة الحجم وهي لبنان، التي قامت فيها دور النشر بالنشر والترويج لمؤلفات ذات أهمية لأجيالنا الجديدة للتعرف على كثير من الأفكار التي عرفتها أوروبا بشكل خاص في العصر الحديث، وهنا نستطيع أن نتحدث، مثلا، عن ترجمات موفقة قامت بها دار الآداب ودار الطليعة على نحو استثنائي وشملت حقول التحليل النفسي، والفكر الوجودي والماركسي وكذلك النصوص الأدبية الرفيعة من شعر ورواية ونقد أدبي.

وفي أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين حاولت مصر أن تواصل هذه العملية من خلال تنفيذ المشروع القومي للترجمة، وكذلك مؤسسة كلمة، والمركز الثقافي العربي، ومركز الإنماء القومي، والمنظمة العربية للترجمة، ودار الجمل للنشر، وغيرها من مؤسسات النشر الصغيرة التي لا تملك مشروعا قائما بنفسه في حقل ترجمة الفكر العالمي ونصوص الثقافة والفن العالمية.

وفي الفترة الراهنة هناك بدايات واعدة في تونس والمغرب في مجال ترجمة المؤلفات ذات الصلة بالإنتاج الثقافي الأوروبي/الغربي وخاصة الفلسفة واللسانيات ونظرية الأدب. ولكن يبدو أن الجزائر قد اختارت الجلوس في المنطقة الرمادية. وجراء ذلك لم تتأسس فيها تقاليد ترجمة الفكر العالمي سواء في إطار مشروع دولة من خلال وزارتي الثقافة والتعليم العالي، أو برعاية مؤسسات المجتمع المدني علما أن البلاد تتوفر على الأموال والطاقات البشرية الكفؤة القادرة على أن تقود عملية الترجمة الجادة على الأقل في ما يتصل بالإنتاج الفكري والثقافي والفني الفرنسي الذي يفترض أن للجزائريين معرفة به بحكم علاقات قرن وثلاثين سنة من الاستعمار.

من الناحية الشكلية يوجد في الجزائر منذ عام 2003 المعهد العالي العربي للترجمة التابع للأمانة العامة لجامعة الدول العربية، غير أن هذا المعهد قد حصر نشاطه في التكوين الأكاديمي التقليدي للطلاب والطالبات، ولم يتزامن ذلك مع تجسيد نهضة حقيقية في ترجمة التراث الثقافي العالمي، ومستجدات الإنتاج الفكري الإنساني في عصرنا الراهن.

15