أين الرئيس الجزائري المقعد

السبت 2014/10/11

عندما غاب عبدالعزيز بوتفليقة للعلاج بفرنسا العام الماضي، قالوا إنه ”انتقل مع عائلته إلى فرنسا غاضبا بسبب اتهام شقيقه بالفساد”. وتبين فيما بعد أنه تعرض بالفعل لأزمة صحية أقعدته الكرسي. أما فساد أخيه السعيد فحقيقة عرفها الأخ الرئيس قبل غيره وقبل تاريخ مرضه. بوتفليقة كان يعلم بتورط السعيد في فضيحة فساد داخل بنك “خليفة”. وصاحب البنك هو رجل الأعمال رفيق عبد المؤمن خليفة المسجون حاليا بالجزائر.

أين الرئيس المقعد؟ سؤال لا لزوم له أمام حضور نظام غيّب رئيسه. وتحكم في انتخابه لأربع ولايات متتابعة، وزوّر إرادة الشعب، وموّه على حضور الرئيس في جميع المناسبات، عندما سطر خرجات الرئيس، وكلماته أمام البرلمان وصوره أمام الكاميرات.

لا دور لهذا الرئيس مع نظام لا يتورع في ضرب البنية العقلية والنفسية للمجتمع الجزائري، لأجل السيطرة عليه وضبطه وتحريكه بالشكل والطريقة التي يريدها الجنرالات الذين يتناسلون ولا ينقرضون.

بوتفليقة لا حضور فيزيقيا له. لم تلتقط له صور أثناء صلاة العيدين الفطر والأضحى. وتم قتل إيرفيه غورديلن على يد “جند الخلافة”، لكن الرئيس لم يخرج للتنديد والتهديد. جماعة «جند الخلافة» التي أعلنت مبايعتها لتنظيم “داعش”، توجد في عقر دار الرئيس. لكن بوتفليقة غير موجود، لم يستعرض الفرق القتالية. أعلن الجيش عملية عسكرية ضد جماعة “جند الخلافة” في ثلاثة مناطق، والرئيس لم يقرر الأمر لا قولا ولا حضورا ولو رمزيا.

غاب الرئيس عن انتخابات الرئاسة بصخبها وهرجها ومرجها. ناب عنه المستشار، والوزير الأول، ورئيس الحزب الحاكم. قالوا إنه تخلى عن مستشاره بلخادم، وغيّر من قبل في أجهزة الجيش والمخابرات بحركة ذكية، لكن تبين، أن الرئيس الذي لا يمارس حتى أبسط مسؤولياته في الركوع والسجود جالسا في صلاة العيد، لا يمكنه أن يقرر صلاحيات من يزاولون الحكم فعلا.

الجزائر هي الدولة الوحيدة التي تمشي دون رأس. الغريب أن وزراءه وإعلامه يتفكهون على الشعب، ويبذلون الجهود الخرافية لكي يقولوا إن بوتفليقة حاكم فعلي للدولة ومشرف على الحزب، يستطيع من خلال كرسيه المتحرك تحريك الجيش على الحدود ومحاربة “جند الخلافة” وعقد الاتفاقات. لن نوافق على هذه الادعاءات، سوى إذا استبدل الاسم الأول من عبدالعزيز إلى السعيد. واضح أن السعيد بوتفليقة، يدبّر الأمور بتحالفات لا يمكن استبطانها.

بغياب بوتفليقة عن المشهد. لن يجد الشعب الجزائري من يحاسب عن المشروعات التي لم تر النور، ولا الأموال التي نهبت، ولا الفساد الذي استشرى. فالرئيس غير موجود رغم أن عنوانه في المرادية لكن أبواب القصر موصدة، وما يروج بالداخل لا تعرفه سوى طغمة تصنع القرار والشائعة في آن.

بوتفليقة غائب بقوة قانون الطبيعة وقانون المخابرات. لكن نظامه لازال على قيد الحياة ويمارس حركة دورانه بشكل طبيعي. نتذكر أنه في 5 أكتوبر 1988 نهض الشعب من غفوته وطالب بلقمته وكرامته، فسارع النظام إلى احتواء المطالب بلغة الوعود. النظام في الجزائر أعطى باليمين ما سيأخذه بالشمال عام 1992. ترك أصحاب اللِّحى يفوزون فأعطوه شرعية القتل، عندما ألغى فوزهم بالانتخابات. مات الأبرياء في حملة غير بريئة. فمن يصنع الانفصاليين والإرهابيين، قادر على تنويم الشعب الجزائري بمقولة حفظ النظام. هذه طبيعة القائمين على الشأن الجزائري يعملون على تركيز النظام وتحنيطه. يرددون بلا كلل، إما النظام الحالي، أو الفوضى المزمنة.

بوتفليقة غائب، والديمقراطية مغيبة، والاقتصاد ريعي، والفساد مزمن، والنخبة السياسية تتناوش بلا غايات ولا رؤية ولا غيرة على مصالح الشعب. إنه عمل المخابرات، التي تغطي على وجود وصحة الرئيس. فهي من يعلم الملف الصحي لبوتفليقة، وهي من يعقد الصفقات. وهي من يعرف الحقيقة الغامضة لامبراطورية عبدالمؤمن خليفة.

الفساد هو من أغنى “الفتى الذهبي”. ومن يغطون عليه أرادوا الاستغناء عليه لاحقا. الذي قال أن “النظام الجزائري أرادنا أن نصدق بأن الصدف وراء انهيار إمبراطورية خليفة، وأنه كان نظاما نزيها ولم يقم سوى بتسجيل أسفه، علما أن خليفة لم يكن سوى دمية أصبحت تزعج فتخلصوا منها” هو من يعرف متى وأين تؤكل الكتف داخل النظام.

ليس عبدالمؤمن خليفة، سوى صنيعة نظام يغطي على جرائمه ويحاول إخفاء بصمات المشاركين معه في الفساد والنهب. فرنسا تحاكم هذا الشخص. لكن بالجزم لن يغادر التراب الجزائري بعد أن سلمته بريطانيا عام 2013، لأنه بنك معلومات. معلومات ستقض مضاجع مراكز قوى بالجزائر وغيرها من العواصم. لن يغادر بقوة قانون الإجراءات الجزائية حسب وزير العدل الجزائري.

بوتفليقة جاء للحكم في الفترة التي أسس فيها خليفة شركات أخطبوطية تتراوح بين الطيران والبنوك والصيدلة والإعلام والنقل. من كان يمول مشاريع عبدالمؤمن في عهد عبدالعزيز؟ ومن سهل له طريق الغنى، ومن أعطاه “كارت أبيض” ليفعل ما يريد؟ بوتفليقة وخليفة كلفا الاقتصاد الجزائري مليارات الدولارات كخسارة فادحة. أين تلك الأموال الضخمة التي تحصلت عليها الجزائر من عائدات النفط والغاز والمقدرة بـ600 مليار دولار بين 2000 و2012؟ ما معنى أن تصرف الجزائر 10.8 مليار دولار في مجال التسليح عام 2013؟ تصرف تلك الميزانية والعاصمة في المرتبة العاشرة بين المدن التي لا يروق فيها العيش. كل ما استطاعه النظام الجزائري بتلك الميزانيات هو تعميق لأزمات الداخل، ووضع عراقيل اندماج المنطقة بالمقاربات الفاشلة.


كاتب مغربي

9