أين تجد نفسك

الأحد 2015/06/07

اتصل بي صديق يوم الخميس الماضي مستغربا عدم خروجي للسهر كما هو معتاد مع نهاية الأسبوع، وخاصة في مدينة دبي التي لا تنام خلال إجازات نهايات الأسبوع، فأخبرته كم أتوق للاختلاء بنفسي خلال الأسبوع وأجملها لديّ نهايات الأسبوع لكن ليس دائما، فحتى يوم الجمعة الذي هو ملكي أنا فقط أجدني أكتب مقالي الأسبوعي وأحيانا أقرأ وأخرى أنام، هو يوم لراحتي الجسدية والنفسية.

وعندما سألته أين هي سهرته تلك الليلة، فاجأني عندما قال إنه يرتاد مقهى صغيرا في منطقة بين ديرة وبردبي تقع بالقرب من الخور، مقهى بسيط يرتاده البسطاء من الناس وفي معظم الأحيان هذا المقهى غير مكتظ بالزبائن لأنه بسيط في تصميمه ومقاعده وما يقدمه من شراب ساخن.

قال لي صديقي بهدوء “هنا أجد نفسي يا دكتورة”، فاستوقفتني تلك العبارة وسألته عن السبب، فذكر أنه قضى سنوات طويلة من طفولته في هذه المنطقة ومناطق أخرى قريبة مع والده. فعندما كان صغيرا كان والده يصطحبه لزيارة المحلات التي كان يمتلكها ويديرها من الصباح حتى المساء، يشرف على كل أعماله بنفسه وكان يُعلّم أولاده المهنة من خلال اصطحابهم معه.

تمر الأيام والسنوات ويحذو الابن حذو والده ويُصبح تاجرا. صديقي هذا يملك ثروة جيدة تعب عليها ولا يزال يعمل بجد، ويمتلك منزلا رائعا تخيلت وأنا أجول فيه وكأنني في بيت من بيوت العصر الأندلسي ويمتلك سيارات كل واحدة أجمل من الأخرى، والأجمل أن لديه زوجة وأطفالا ما رأيت أروع منهم في سمو الأخلاق والتواصل مع الناس. وعلى الرغم من كل هذا صديقي يختلف عن باقي الناس فهو لا يجد نفسه بين الترف والفخامة بقدر ما يجد نفسه بين البساطة والعراقة وذكريات الماضي الجميل. وكما وصف جلال الدين الرومي “لعل الأشياء البسيطة هي أكثر الأشياء تميزا ولكن ليست كل عين ترى”.

يقول إنه لا يُحسن التواصل مع الناس المزيفين، وما أكثرهم يا صديقي فقد أصبحوا غالبية عظمى لا يُنافسهم أحد فكل ما يجري في حياتنا اليومية يحدث بسببهم ومن أجلهم حتى أن المعايير الاجتماعية تحددت بهم ولهم. الكل يبحث عن البريق سواء فيمن حوله من الناس أو فيما يملك وحتى الأعمال الخيرية إن لم يتم ربطها بالمزيفين لا يقدم عليها أحد.

أتفهّم ما يعنيه ويُعانيه صديقي، فأحيانا كثيرة سبب عدم حضور الأشخاص لبعض المناسبات لا يكون لانطوائهم أو لنقص في مهارات التواصل لديهم، بل في الغالب يكون لعدم تحملهم لازدواجية المعايير والمشاعر الزائفة التي يُظهرها أغلب الحضور، وأقسى ما يمكن أن يمر به الإنسان هو عندما لا يكون نفسه، تلك القسوة التي لا يشعر بها إلا من كان يوما ما من المزيفين واستيقظ.

ليس فقط صديقي هو من يجد نفسه بعيدا عن الزيف والتقليد بل لو نظرنا حولنا اليوم زادت هي الجلسات الروحانية المعنية بالتواصل مع الذات مثل التأمل واكتشاف الذات، الكثير ممن يبحث عن ذاته هو من النساء، وأعرف العديد ممن يواظبن على حلقات الدروس الروحانية والزهد. فليس بالضرورة أن يجد الشخص نفسه ويتواصل مع الخالق من خلال الطقوس الدينية الروتينية لأنها أصبحت روتينية لا روح فيها. هناك الكثير ممن يريد أن يتمسك بتلك القشة التي سوف تنقذه من أن يغرق أو ينصهر مع متطلبات العصر الافتراضية، فما عادت الأمور كما كانت عليه.

الواقع يقول إننا لا نستطيع أن نزهد بشكل كامل ونبتعد عن الجميع إنما علينا أن نكسر روتين اللحاق وراء الركب وذلك بالتواجد في الأماكن التي نجد أنفسنا فيها، أو بالقيام بالأعمال التي نجد أنفسنا فيها تماما كما تعمل صديقتي المعالجة النفسية حيث يستهويها العمل مع الطبيعة فها هي خلال السنوات الأخيرة تسافر مرتين إلى ثلاث مرات إلى جبال الألب تتعلم مهارات النحت على الخشب لمدة أيام وتعود لتمارس عملها كباقي البشر، هي مثلي ومثل صديقي نتوقف لإعادة التوازن الداخلي ثم العودة للحياة بتناقضاتها المنهكة والجميلة.

ليس علينا أن نُفسر ونشرح للآخرين ماهية حياتنا ليفهموها إنما علينا أن نعيش بالطريقة التي تُناسبنا طالما لا نؤذي بها غيرنا. ليس علينا أن نُطلق أحكاما ولا أن نقبل أحكاما مطلقة ممن حولنا من يعرفنا أو لا يعرفنا. أن تُبحر في داخلك وتتعرف على نفسك وتحمد الخالق هو أحد الوسائل الرائعة والبسيطة للتواصل مع الله. وعودة لوصف الصوفي جلال الدين الرومي “فقط حين تفعل ما تمليه عليك روحك، تشعر بهذا النهر العذب يتدفق داخلك، إنها البهجة الخالصة”.

أنا أجد نفسي عندما أختلي بها، فاختلائي بنفسي يجعلني في حالة اختلاء روحاني مع الله أكون فيها على طبيعتي وفطرتي الإيجابية، فأنا لا يفهمني إلا من خلقني، وأنت أين تجد نفسك؟

استشارية نفسية وكاتبة من الإمارات

21