أين تريد أن تكون بعد عام من الآن

الخميس 2015/12/31

كل عام، ليلة رأس السنة أضع لنفسي هدفا جديدا للعام القادم، غالبا ما أنساه بعد أسابيع أو أشهر قليلة، ثم في نهاية العام، وأنا أضع هدفا للسنة الجديدة، أحاول أن أتذكر ماذا كان الهدف، وهل حققته أم لا، فلا أتذكر.

ليس مهما أن نتذكر، وليس مهما أن تتحقق الأهداف، الأهم من كل ذلك هو أن نحلم، ونخطط لحياة أجمل، دائما أجمل.

مع كل عام جديد، أحلام جديدة، كبيرة وصغيرة، سهلة وصعبة.

في صغري كنت أتمنى فساتين وأحذية وأشرطة شعر زاهية، عندما كبرت بت أحلم أن أصدر كتابا أو أجد الحب، أو أسافر إلى بلد ما، أو أتخلص من هم.

الأحلام التي ننساها لا تضيع، هي هناك في مكان ما، تنتظرنا أن نفرغ من النسيان، أو يفرغ النسيان منا لتأتي.

أؤمن بأن من حلم بشيء بقوة حققه مهما كان، لذلك أحلامنا تشبهنا: من حلم بالثروة لاحقها على حساب أشياء كثيرة أخرى، ومن حلم بالحب فتح قلبه له فرآه في الشجر والعصافير وقطرات الماء، ومن حلم بالعلم بات ليله ساهرا على شمعة يقرأ، في النهاية نحن حلم أنفسنا، الثروة تصنع مجدا واسما، لكنها قد لا تصنع العلم والمعرفة، الحب يصنع السعادة، لكنه قد لا يبني بيتا، العلم ينور العقول لكنه قد لا يوفر الخبز. الأكيد دوما هو أن من وجد حلمه وجد نفسه.

الذين يلتصقون بأحلامهم لا يندمون في الغالب، لأن الطريق التي نمشيها بإرادتنا، ليست كالتي تفرض علينا.

ليس مهما أن نصل، الوصول موت، المهم أن نحلم بكل ما أوتينا من قوة الخيال.

في المدارس الهولندية مثلا، يسجلون حلم الأطفال وهم يغادرون مدراسهم الابتدائية منتقلين إلى المعاهد الثانوية، على أشرطة فيديو تحتفظ بها المدرسة في أرشيفها، يسألون الواحد منهم: أين تريد أن تكون بعد 20 عاما؟ هكذا تخزن المدرسة أحلام أجيال بكاملها، هكذا هو الحلم مهم، قطعة الخيال تلك، الهذيان، التي قد نمر أمامها نحن بلا مبالاة كثيرة، يسجلونها هم كما لو أنها جزء من ذاكرة الوطن، حلم جماعي، أفكار اليوم هي واقع الغد.

في رأس السنة أسأل نفسي السؤال نفسه: أين تريدين أن تكوني بعد سنة؟

أختار حلما واحدا دائما، ليس لأن أحلامي قليلة أو خيالي فقير، بل لأجبر نفسي على الخيار، على الالتصاق بأكثر الأشياء أهمية لدي، بالأولويات، بالقليل الذي يعني كل شيء، أو تلك الجزئية التي من دونها لا نكون سعداء. وطبعا يختلف الحلم من عام إلى عام، لأن العالم يتحرك ونحن معه نتغير، ولأن ما يعني لنا اليوم الكثير قد لا يعني لنا غدا شيئا، بل أحيانا ما كان هذا العام حلمنا قد نحلم في العام الذي يليه بإزالته أو محوه.

لا تتوقفوا عن الحلم، احلموا، احلموا كأنكم في سباق لاهث نحو شيء ترونه رؤية العين المجردة، وبمجرد أن تقتربوا منه يتراجع إلى الخلف خطوات، كما لو أن أحدا يسحبه بخيط في يده، لاحقوا أحلامكم، ربما لن تصلوا، ليس مهما، ففي النهاية ليس الحلم هو ما نريد، بل الطريق.

مرة حلمت بأن أكون صحفية، سجلت في معهد الصحافة، الوحيد آنذاك في تونس العاصمة وبعد شهرين توقفت لظروف قاهرة، ثم بعد عشرين عاما من هذه الحادثة، وثلاث وظائف، اشتغلت صحفية ومعدة برامج إذاعية مع إذاعة دولية في أوروبا.

ومرة حلمت بأن أكون شاعرة، كتبت قصيدة وقرأتها على شاب أحببته بقوة ومن يومها لا أكف عن كتابة القصائد وقراءتها على من أحب. ومع كل حب جديد أصدر ديوانا جديدا.

قيمة الحلم ليست في بلوغه، بل في أننا نعرف ما نريد، ومن عرف ما يريد، ملك العالم.

21