أين تقف إريتريا في النزاع الحدودي بين السودان وإثيوبيا

موقف أسمرة الملتبس يخلط أوراق أي تسوية سلمية تنهي التوتر بين الخرطوم وأديس أبابا.
الأربعاء 2021/01/20
الحوار أفضل طريق لحل المشاكل

فجّرت الأزمة الحدودية الراهنة بين السودان وإثيوبيا العديد من التناقضات الكامنة بين دول الجوار، وخاصة إريتريا، بعد أن خمدت خلال السنوات القليلة الماضية التي توصلت فيها الدول الثلاث إلى تفاهمات مشتركة لإعلاء قيم الأمن والاستقرار والسلام والمصالح، على التهديدات والصراعات والحروب، ووضع حد لمناوشات سابقة كان يقوم بها معارضو كل بلد لتحقيق مصالح بلد آخر عندما تشتد السخونة السياسية.

القاهرة – لم تتحدث إريتريا رسميا عن دورها في الأزمة بين السودان وإثيوبيا، وهو ما منح معلومات راجت حول إرسالها نحو ألفي جندي إلى منطقة “الفشقة” الحدودية، أهمية بغرض مناصرة قوات إثيوبية قيل إنها تستعد للدخول في حرب طويلة مع الجيش السوداني، أو لمنع المزيد من تقدمه.

وقام نائب رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) بزيارة العاصمة الإريترية أسمرة في الثامن من يناير الجاري، ضمن جولات بدأها مسؤولون في دول جوار السودان لتوضيح موقف الخرطوم من الأزمة مع أديس أبابا، شملت أيضا القاهرة وانجمينا وجوبا.

واحتلت زيارة الوفد السوداني لأسمرة حيزا كبيرا من اهتمامات المراقبين، لأنها الدولة الجارة والملاصقة لكل من السودان وإثيوبيا، ولديها علاقات وثيقة مع الحكومة في أديس أبابا، وصلت إلى حد تقديم مساعدات عسكرية لها في حربها مع إقليم تيغراي، ما أسهم في حسم الموقف لصالح الحكومة المركزية سريعا، وضاعف من الاحتقانات بين فرعي تيغراي في كل من إريتريا وإثيوبيا.

وطفت أسمرة مرة أخرى على السطح في الأزمة الحدودية، ليس فقط بسبب ما يتردد حول تكرار دعمها العسكري لإثيوبيا، لكن لأن قيادات في تيغراي لجأت إلى الأراضي السودانية ضمن حملة نزوح ولجوء نجمت عن اندلاع الحرب في الإقليم، ومعها قيادات إريترية كانت تتخذ من إقليم تيغراي مقرا لها.

مثلث غير متناغم

التوتر سيد الموقف
التوتر سيد الموقف

ينعكس التوتر الحاصل بين السودان وإثيوبيا على شكل علاقة الطرفين مع إريتريا، ويختبر مدى صمود التعاون والتنسيق مع الأولى لكبح جماح المعارضة على الجانبين، حيث سادت في فترة طويلة الحرب بالوكالة.

ووفر السودان في عهد الرئيس السابق عمر البشير ملاذات آمنة لمعارضي الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، والعكس صحيح، وهو ما وضع العلاقة بينهما فوق تلال من الأزمات المتكررة.

كما تختبر أزمة الحدود مدى صمود التحالف الصاعد على وقع حرب تيغراي بين أديس أبابا وأسمرة، فبعد فترة من شكوى كل طرف من برودة السلام بينهما، أعادت تيغراي الحرارة بينهما، ووفرت التحديات المشتركة في الإقليم أجواء مناسبة لتقريب المسافات وزيادة التعاون بينهما، فهل تتورط إريتريا في توفير دعم لوجيستي لإثيوبيا التي تواجه أزمات معقدة في الداخل والخارج؟

للحصول على إجابة واضحة، من الضروري إدراك أن العلاقات بين الدول الثلاث متقلبة، يتوقف صعودها أو هبوطها على درجة المصالح المحققة بين أضلاع هذا المثلث، الذي لم يصل في أيّ مرحلة سابقة إلى مستوى التماسك الجماعي، فعندما ينجذب طرف لآخر يبدو الثالث مستهدفا من الطرفين الآخرين، ويمكن تدوير هذه المسألة للتثبت من أن جزءا كبيرا فيها كان صائبا.

وعندما دارت حرب بين إثيوبيا وإريتريا في نهاية تسعينات القرن الماضي، بدا السودان ورقة رابحة لكليهما، فتارة ينحاز إلى هذا الطرف وتارة إلى ذاك، وبعد انتهاء الحرب واستمرار القطيعة بين البلدين دخل السودان في موجة حادة من المعارك مع جنوب السودان حتى حصل الجنوب على استقلاله رسميا عام 2011.

ومع كل ذلك، لم تخمد تماما المتاجرة بورقة المعارضة بين الدول الثلاث، وفي كل مرة يتوصل فيها طرفان إلى تفاهمات محددة تظل هناك ذيول تصعب السيطرة عليها بحكم الحدود المتشابكة والتركيبة الاجتماعية المعقدة.

مواقف مفصلية

إريتريا عنصر مهم في التوتر وموقفها من إثيوبيا يحسم إلى حد كبير توجهات البلدين نحو التمادي في الحرب أو القبول بالسلام
إريتريا عنصر مهم في التوتر وموقفها من إثيوبيا يحسم إلى حد كبير توجهات البلدين نحو التمادي في الحرب أو القبول بالسلام

تحاول إثيوبيا امتصاص غضبة السودان وعدم الدخول في حرب ممتدة، ويحاول الأخير الاحتفاظ بالخارطة، التي رسمها بعد استرداده لغالبية أراضيه التي وقعت تحت سيطرة إثيوبيا على مدار عقود، وتبقى الأزمة متفجرة لبعض الوقت، لأن المعادلة الصفرية الظاهرة لن تمكّن أي جهود وساطة من التوصل إلى تسوية مرضية.

ومن هنا سيكون موقف إريتريا مفصليا، فإذا اشتدت المعارك وقرر الرئيس أفورقي الانحياز صراحة إلى إثيوبيا سوف يواجه السودان موقفا صعبا على امتداد الحدود الشرقية من الشمال إلى الجنوب يضطرّه إلى تفعيل ورقة المعارضة الإريترية القابعة في أراضيه، وعدم التردد في التعاون مع معارضي الحكومة الإثيوبية الفارين إليه.

ويبدو الموقف السوداني أفضل نسبيا في هذه المسألة، بعد توقيع اتفاق سلام مع الحركات المسلحة التي كانت تلجأ إلى إثيوبيا أو إريتريا، ويتم توظيفها من حين إلى آخر ضد نظام الخرطوم، فقد جرى تقويض هذه الورقة، بينما لا يزال السودان يملك مقاطع مهمة من معارضي خصومه، تمنحه ميزة نسبية في حالة عودة الحرب بالوكالة.

وفي هذه الحالة بات السودان مطالبا بالحفاظ على اتفاق السلام مع الحركات المسلحة وتسريع وتيرة تطبيقه على الأرض قبل أن يتعرض للاهتزاز، بل والاتفاق مع الحركة الشعبية – قطاع الشمال، جناح عبدالعزيز الحلو الذي لم يوقع على اتفاق جوبا.

وقد يجد الحلو فرصة لفرض شروطه، لأنه يملك قوة عسكرية كبيرة في الجنوب، هي الأقرب لتلقي دعم من إثيوبيا إذا لم يتوصل إلى اتفاق حاسم مع السلطة في الخرطوم.

وأصبحت إريتريا عنصرا مركزيا في التوتر الحالي، وانحيازها أو عدم انحيازها نحو إثيوبيا يحسم إلى حدّ كبير توجهات البلدين نحو التمادي في الحرب أو القبول بالسلام، فمن الصعوبة وقوفها على الحياد بسبب تشابكات إقليمية كبيرة لن تجعلها بعيدة عن المصير الذي سوف تتوصل إليه الخرطوم وأديس أبابا في الحالتين، لأن نظام الحكم في أسمرة ربما يواجه مصيرا غامضا في حالة غياب قائده لأي سبب، حيث تتهيأ المعارضة لاقتناص ملامح ارتباك ظاهرة حول من يخلف الرئيس أفورقي.

قوى إسلامية متربصة

Thumbnail

تكمن المشكلة الرئيسية في أن معارضي النظام الإريتري غالبيتهم من القوى الإسلامية، التي لها امتدادات نشطة في شرق السودان سببت صداعا أمنيا في هذه المنطقة، وتتحين الفرصة لتراخي قبضة الرئيس أفورقي أو انخراطه في قتال خارجي مكلف.

وهذه المعضلة هي نفسها التي تواجه السلطة الانتقالية في الخرطوم، حيث يخيم شبح الحركة الإسلامية وبصمات فلول البشير على بعض الخطوات التي تزعجها داخليا.

ويقود انهماك الدول الثلاث في حرب على الحدود إلى منح القوى الإسلامية المتشددة في السودان وإريتريا فرصة لاستثمارها، ولن يكون مستبعدا أن تمثل هذه البؤرة نقطة جذب كبيرة للمتطرفين في القرن الأفريقي، الذين حصدوا مكاسب في الصومال في الآونة الأخيرة، في ظل ما يصلهم من دعم عسكري من قوى إقليمية مختلفة.

ويتطلع هؤلاء بشغف إلى انكفاء إثيوبيا على أزماتها الداخلية والحدودية، وعدم الانشغال بما يجري في الصومال، ما يتيح فرصة للمزيد من الاستثمار العسكري في الصراعات الإقليمية التي أتاحت أجواء مناسبة لتمدد قوى متشددة، ومدّ بصرها لتوسيع نفوذها في دول تقف حجر عثرة أمام وصولها إلى وسط أفريقيا، والتمدد عرضيا من الشرق إلى الغرب، وفي مقدمتها إثيوبيا وإريتريا، وانضم إليهما السودان بعد سقوط البشير.

وتفرض هذه المعطيات عدم الانزلاق في حرب حدودية يخسر فيها الجميع ما جرت مراكمته من مكاسب نسبية في الفترة الماضية، وفقدان بوادر السلام، التي لاحت في الأفق، ومشروعات التنمية الواعدة، وبالتالي العودة إلى زمن صراعات محتدمة تقضي على الأخضر واليابس.

كما قد تعيد تلك الأوضاع هندسة المنطقة لصالح قوى من خارجها تتربص بها، وراهنت على تفجير أوضاعها من الداخل، ويمكن أن تكسب رهانها إذا منحت إريتريا لهم الفرصة بدخول حرب إلى جانب إثيوبيا، لا أحد يعلم نهايتها ولصالح من.

6