أين تكمن مسؤولية الإعلام: إظهار بشاعة الحروب أم مراعاة مشاعر المتلقي

من أخلاقيات مهنة الصحافة مراعاة مشاعر الجمهور أثناء الحديث عن تفاصيل معاملات غير إنسانية، وبشكل خاص الصور والتقارير الإخبارية لضحايا العمليات الإرهابية أو ضحايا الحروب، لكن كيف يمكن أن يعرف العالم أن أشياء مروعة تحدث للناس في حلب، إن لم يتحدث عنها الإعلام؟
الخميس 2016/10/06
صور تختصر معنى الحروب

لندن – تحرص وسائل الإعلام الغربية، على عدم نشر أي مشاهد أو صور دامية للضحايا بعد الهجمات الإرهابية التي شهدتها عدة مدن وعواصم غربية.

يرتبط نشر الصور بالنقاش الذي يُثار حول الآثار السلبية التي يتركها التناول الإعلامي المكشوف والعلني لأسماء وصور الضحايا، ويصفه بعض المؤيدين لنظرية “ازدواجية المعايير في الصحافة الغربية”، بأنه اعتداء سافر على كرامة الضحايا الأبرياء وانتهاك فاضح لمشاعر عائلاتهم المنكوبة.

وفي المقابل يعتبر البعض من الإعلاميين أنه من الطبيعي أن يكون هناك اختلاف في التعاطي الإعلامي الغربي مع ضحايا العمليات الإرهابية، نظرا لصعوبة التغطية الصحافية للأحداث في الكثير من مناطق الشرق الأوسط، وصعوبة نقل ما يجري، لذلك تمثل الصور شاهدا حيا على عنف الأحداث وبشاعتها.

ويتساءل جون سويني مراسل هيئة الإذاعة البريطانية: كيف يمكن تغطية حدث لا يستطيع الناس رؤيته بحجة أن صوره قد تتسبب في حدوث أضرار؟

يقول سويني في تقرير نشره موقع بي بي سي، “شغلتني هذه القضية بشدة هذا الأسبوع عندما تناولت مجموعة من الصور لحلب المحاصرة، التقط أطباء سوريون صورا في مستشفى تحت الأرض وأرسلوها لي عن طريق ديفيد نوت، الجراح الحربي الرائد الذي يستعين بوسائل التواصل الاجتماعي لتعليم الأطباء عن طريق الإنترنت، على سبيل المثال، كيفية تجميل وجه إنسان بعد إصابته".

يستعيد سويني ذكرى أحداث أول حرب قام بتغطيتها عام 1988، وشاهد بعينيه أشياء مروعة، لكنه يرى أن صور مستشفى حلب أصعب من أن تصفها كلمات.

جون سويني: ستطمس معالم القصة وتندثر لأن المؤسسات الإعلامية لا ترغب في إزعاج الآخرين

يستعرض المراسل مجموعة صور ويوصي القراء بالحذر تجاه ما سيقرأونه، إذ تتضمن الصور صبيا يغطيه غبار الإسمنت ولا يمكن الحكم عليه إن كان حيا أو ميتا، وصورة لصبي ميت، وصورة لاثنين من الصبية على أرضية بجوار بالوعة صرف مياه بسبب عدم وجود أسرّة، وهما ميتان، وصورة لصبي على قيد الحياة تتدفق من وجهه الدماء، وصورة لصبي على قيد الحياة يمسك ذراعه المكسورة، وصورة لصبي ميت، وصورة لفتاة ميتة.

كما شاهد صورة أخرى لصبي أبيض الوجه تغطيه الأتربة الملطخة بالدماء التي تنسال من عينيه إلى أنفه، وصورة لرضيعة ميتة، وصبية ترتدي وشاحا أبيض اللون وملطخة بالدماء وتنزف من شرايينها، وصورة لرضيع ميت، وصورة لأب ميت يغطيه غبار الإسمنت وهو متشبث بطفل ميت هو الآخر، والطفل مقطوع الرأس.

يتفهم سويني عدم إمكانية نشر أغلب هذه الصور وعرضها، والسبب ببساطة هو عدم وجود فلاتر على الإنترنت يمكنها أن تحجب الضرر الذي يعود على الآخرين، لا سيما الأطفال، من جراء رؤية هذه الصور.

ومن أخلاقيات مهنة الصحافة التحلي بالحرص الشديد أثناء الحديث عن تفاصيل تتعلق بمعاملات غير إنسانية بين الناس، وخاصة في ما يتعلق بالصور أو الفيديوهات، لكن من ناحية أخرى هناك أشياء مروعة تحدث للناس يجب أن تصل إلى العالم الخارجي.

يقول المراسل “إنهم محاصرون في فخ، ولا مفر لهم للاختباء، فعندما تسقط القنابل العنقودية، ونرى علامة مكتوبة بالروسية على تلك القنابل التي لم تنفجر، تتكون لدينا فكرة جيدة عمن يسقطها ويقتل الأهالي”.

بثت “بي بي سي” فيلما في برنامج “أمسية إخبارية”، عرض البعض مما يحدث في حلب بعد سقوط قنبلة عنقودية على المدينة المكتظة بالأطفال.

واستطاع أطباء في مستشفى تحت الأرض تصوير صبي صغير مصاب بشظية في عموده الفقري بسبب قنبلة عنقودية، وشخص آخر مصاب بشظية اخترقت رأسه واستقرت في الجمجمة خلف أنفه، بالإضافة إلى أشياء أخرى، لكن في الغالب لم يتم عرض كل ما يحدث، وهنا يكمن الخطر، فبسبب الخشية من إيذاء مشاعر القراء والمشاهدين، ينتهي المطاف إلى عدم إظهار البشاعة الحقيقية في أخبار الحروب.

وإن لم ير الغرب الواقع لأن المؤسسات الإعلامية لا ترغب في إزعاج الآخرين، حينئذ ستُطمس معالم القصة وتندثر.

ويتابع الصحافي البريطاني “يقول الأسد وروسيا إنهما يكافحان الإرهاب، لكنني لم أعثر في صور الأطفال القتلى المحفوظة على هاتفي أو في ذاكرتي ما يشير إلى أنهم إرهابيون”. وتصحيح هذه الأكاذيب، الحميدة والخبيثة على حد السواء، درب من دروب العمل الصحافي، وحتى الآن نحن لا نعرض الرعب الكامل للحرب في سوريا.

ويرى متابعون إعلاميون أن صور الضحايا وخاصة الأطفال يمكن أن تكون أبلغ رد على ما يروج له الإعلام الروسي عن الحرب في سوريا.

وتذكر صحيفة "الغارديان" البريطانية، في تقرير لها الثلاثاء، أنه بينما كانت الطائرات الروسية تقصف مشافي حلب الشرقية، التي تحاصرها قوات نظام الأسد، خلال الأسبوع الماضي، فإن هذه الأخبار لم ترد مطلقا في وسائل الإعلام الروسية. وجاء في عنوان رئيس لوكالة "ريا نوفوستي" الرسمية، "الطيران السوري يشن غارات كبيرة على المسلحين قرب حلب"، ونقلتها وكالة "تاس" ومؤسسات أخرى، بينما ادعت "القناة الأولى" الروسية أن الجنود الروس أوصلوا مساعدات لـ”لاجئين من مناطق حلب التي يسيطر عليها الإرهابيون".

وعندما كان الإعلام الغربي يركز على القصف الكثيف وضحايا المدنيين في محاولة النظام السوري لاستعادة السيطرة على حلب الشرقية، كان الإعلام الروسي ينقل الأخبار عن صراع مختلف تقريبا.

18