أين ذهبت الحرية في سوريا؟

الأربعاء 2013/09/04

الحرب في سوريا في طريقها إلى أن تتحول إلى عدوان خارجي تتعرض له سوريا. لا تنفع أية ذريعة لتبرير ذلك العدوان في محاولة إضفاء الشرعية عليه. فلا أهداف نبيلة يمكن أن ترتجى من خلال العدوان المسلح على بلد، شعبُه يعيش منذ أكثر من سنتين حربا استنزفت قواه البشرية ودمرت ثرواته الطبيعية ومحت جزءا مهما من شواهد تراثه الحضاري.

سوريا البلد هي التي ستتعرض لذلك العدوان وليس النظام السياسي وحده.

يقال أن العدوان الذي صار يسمى ضربة يهدف إلى معاقبة بشار الأسد ونظامه. فهل علينا أن نصدق أنهم سيغتالون الرئيس السوري وأركان نظامه بصواريخ بعيدة المدى وسواها من الأسلحة الفتاكة التي لم تستعمل من قبل؟

ولو صدقنا مثل هذه الكذبة الأنيقة، ألا يعني عدوانا بهذا الحجم نوعا من الإرهاب الدولي؟

ألم يتعلم الغرب شيئا من درس العراق؟

بعد أكثر من عشر سنوات على تدميره وتحطيم دولته لا يزال العراق يشكل نقطة العار التي لا تمحى في التاريخ الإنساني. كما لو أن الغرب نفسه تعمد أن يبقي جرح العراق مفتوحا. فبعد كل ما فعلته الولايات المتحدة وحلفاؤها من أجل احتلال العراق تم تسليمه إلى العصابات الطائفية على شكل حصص اقتطعت من ثرواته ومن مصائر مواطنيه.

لذلك فإن العراق لا يزال حتى هذه اللحظة يمضي في طريق هلاكه، من غير أن يبرز مؤشر ولو صغير في إمكانه أن يؤكد أن هناك أملا في أن ذلك البلد المنكوب سيستعيد عافيته يوما ما.

لقد حول الاحتلال الأميركي العراق إلى دولة فاشلة، ميؤوس من قدرتها على النهوض ذاتيا.

ما لا يمكن إخفاؤه أو التستر عليه هو أن التخلص من نظام صدام حسين لم يكن هو الهدف الذي كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون يسعون إلى الوصول إليه من خلال ضرب العراق وتدميره ومن ثم غزوه واحتلاله.

لا يزال جورج بوش الابن يتبجح وبطريقة ساخرة بأنه خلّص العالم من شرور صدام حسين، غير أن ما حدث واقعيا أن العراق قد دُمر وأن البلد الذي خلفه الغزاة لأتباعهم من العراقيين صار كهفا وجدت فيه أفاعي الشر المكان الأنسب لنشاطها.

على الجميع مواجهة الحقيقة. كان تدمير العراق بل وإزالته بلدا حيويا هو الهدف الحقيقي للغزو والاحتلال وخرق القانون الدولي. وليس صعبا العثور على ما يبرهن على صحة هذه القناعة. صورة عابرة واحدة مقتطعة من المشهد العراقي الراهن في إمكانها أن تقول كل شيء في هذا المجال.

الإنكار الغربي لهذه الحقيقة يمر من خلال الصمت، وهو ما يجب أن نفهمه على المستوى السياسي.

ما لا نفهمه أن يرحب مواطنون سوريون بالعدوان وهم يعلنون عن شوقهم إلى اللحظة التي تلقى فيها بلدهم الغالي على قلوبهم الضربة. كما لو أن أولئك السوريين لم يستضيفوا ثلاثة ملايين عراقي كانوا ضحايا عدوان مشابه.

أهذه واحدة من الثمار الفاسدة لحرية، حلم بها السوريون وخرجوا إلى الشوارع من أجلها، فإذا بهم يصبحون أسرى فكرة القتل. إما أن تقتل أو تُقتل. لقد جرى تعويم الثورة السورية وصولا إلى اللحظة التي يكون فيها أي عدوان خارجي مقبولا من قبل شرائح اجتماعية لم تعد قادرة على التفريق بين العدو والصديق، بين الصالح والطالح بعد أن تعرضت أدمغتها البسيطة لعمليات غسل، كانت عبارة عن مظلة دعائية لفوضى الحرب الدامية التي صار أفراد تلك الشرائح ضحاياها من غير أن يرتكبوا ذنبا.

وإلا هل يمكن لإنسان عاقل أن يرضى بالعدوان على بلاده؟

الكذب يحصد ضحاياه.

سيكون مطلوبا من السوريين أن يصدقوا أن أبواب الحرية ستفتح ما أن تدك الصواريخ أسوار دمشق. بعدها لن يجدوا أحدا يقول لهم شيئا عن الخراب المطلق الذي حل بنفوسهم قبل أن يحل ببلادهم.


كاتب عراقي

8