أين سقراط في المشهد؟

أين هم في تونس هذه الأيام وقد وصل بنا الوضع من التأزّم حدّ الانسداد، والأوضاع من فساد إلى إفساد.
الأحد 2018/05/06
رسالة إلى الحكماء في تونس

عندما يغيبُ الحكماء تغرب شمس الفكر وتستوي الأنوارُ والظلمُ.

لكن لسائل أن يسأل، كيف غاب الحكماء؟ هل غُيِّبوا أم تغيّبوا أم تراهم “تَغايَبُوا ” وتغيّبوا تغيّبَ تلمِيذ كَسول عن مدرسته بتعلات المرض أو المطر أو وعورة الطريق.. أم أنهم تعرّضوا لقطع الطريق؟ ونقصد بتغيبهم، عدم حضورهم وحضرتهم المطلوبة في المشهد/ المشاهد السياسية المتعفّنة كُلّ يوم في تونس؟

في بلادي يحضر في كل مشهد جوقة ممن احترفوا الحديث واستحدثوا حرفة الكلام فيقابلوننا محللين ومُحرّمين، مُبيّضين ومُسوّدِين، مُيمِّين أيّاما وأياما أخرى مُياسِرين (من اليسار)، جوقة من المتحدّثين لا تعترف بمنطق ولا أخلاق ولا دين.. يدّعون الفكر والحداثة ويتقمّصون زي المفكرين والحداثيين! ويفهمون في الكوارتز والحراثة، خُبراء أيضا في أسرار العُملة وخفايا التجارة وعلوم الزراعة، ضليعون في شؤون المرأة وأبعاد المجرة والأكوان المتوازية، ويحدثونك حديث المختص عن جماعات الإرهاب وأصول الدّين واستشراف المستقبل والتاريخ القديم.. ويكشفون و”يستكشَّفون” سرَّ العلاقة بين قرية “بوسالم” وبوتين.

 إنهم حقّا السفسطائيون، أولئك الذين قيل أنهم ظهروا في اليونان قديما يعلمون الشباب الخطابة ويقنعونه بالبلاغة أن الفراشة ذبابة وبنقطة واحدة أن ” الباجي” هو “ناجي” و”المرزوقي” هو نفسه “مرزوق”.

و لكن أين سقراط من المشهد؟ لماذا تخلَّف الحكيمُ الفيلسوف فلا نسمع له ركزا وما عهدنا سقراط منسحبا رغم السم الذي تجرعه مختارا ومضى فرحا مسرورا على أن يعترف لهم بأحقيتهم بالحقيقة وقد كلفه موقفه حياته فما تراجع أو نكص، بل وقف مفككا سائلا متسائلا مشككا كاشفا تناقضات السفسطائيين ولغو الخطباء الإعلاميين مدعي المعرفة الدجالين وواجه وحاور وأقنع فَصار له أتباع وأنصار ومريدون أتموا ما بدأه….

لم يقدّم سقراط في أي عصر من الأجوبة إلا القليل، ولكنه أثار منَ الشكوك الكثير وكشف العديد من ملابسات القصاصين وتلبيسهم وتهافت السفسطائيين وأكاذيبهم..

فأين هم في تونس هذه الأيام وقد وصل بنا الوضع من التأزّم حدّ الانسداد، والأوضاع من فساد إلى إفساد.

إنّ هذا الانسداد الذي نراه في الآفاق يا سادتي الحكماء ما هو إلا نتيجة انسحابكم من المشهد فأفسحتم المجال لأرباب السفسطة من بعض مفوهي القانون ومرتزقة الإعلام المأجور وأشباه الفنانين فاحتلوا المشهد وعفّنوه وزوّروا الواقع وزيفوه ولم يكونوا إلا خدما لأسياد متخفين وكلابا تحرس أجيافا مكشوفة تزداد مع الأيام تعفّنا وهم يعطرونها بالورود اليابسة وأنى للجثث أن تتعطر.

أين أنتم يا سادتي الحكماء، يا أساتذة الجامعات ودكاترة الكليات، كفاكم حديثا عن ” الكليات” فقد أغرقتنا سيول الجزئيات، سيدمّرنا جميعا هذا اليومي والمعتاد الذي تحتقرونه،.. ولن يفيدنا اهتمامكم في أبراجكم بأزمة ما بعد الحداثة وقضايا الزمان والمكان والكينونة والإمكان والبراديغم والمنفلش والما يحدث ومفهوم الوجود والانوجاد.. لِمَ لَمْ نركم يا سادتي تلقون برأيكم في تحليل انتخابات ووضع بنود قانونها وبحث خلفيات الخلفيات وأبعاد الأبعاد ومآلات النهايات والتاريخ الصحيح للعلاقات؟لِمَ لم نجدكم في وضع الخيارات المسلوبة ولا وجدناكم في صياغة الدستور حاضرين ولا في برامج التعليم فاعلين ولا في الإصلاح الاقتصادي مقترحين أو ناقدين ولا حلولا فعلية مقدّمين وغيرها من القضايا التي يجب أن يكون لكم فيها قول مسموع ونصيب مفروض على السياسيين..

أتساءل: أين كبار من في جامعاتنا من مفكرين عالميين موسوعيي الفكر وموضوعيي البحث ونافذي النظر؟ ألأنهم خرجوا من الكهف فلذَّ لهم أن يتركونا بالأغلال مكبلين وعن الحقائق مغيبين؟  ما هكذا كان سقراط يا سادتي الحكماء.. ما كان جبانا ولا ساديًّا ولا أنانيًّا.

10