أين سيتوقف فلاديمير بوتين؟

الأحد 2014/04/20

نسي العالم القرم. لم يعد يتذكّر سوى أوكرانيا الشرقية المهدّدة. هل تدخل القوات الروسية ذلك الجزء من أوكرانيا وتضمّه إلى “الإمبراطورية الروسية”… أم تكتفي باتباع سياسة تصبّ في زعزعة الاستقرار في البلد الجار الذي ترفض موسكو احترام خيارات شعبه؟ هل بات قريبا اليوم الذي سيصبح فيه مستقبل أوكرانيا كلّها في مهبّ الريح؟

ليس ما يحول دون ذلك في ضوء الموقف الأميركي المائع والحيرة الأوروبية. لا تمتلك إدارة أوباما عصا غليظة أو جزرة ترفعها في وجه روسيا. كلّ ما تملكه كلام كبير وتهديدات جوفاء لا مكان تصرف فيه على الصعيد العملي.

من الواضح، أقلّه إلى الآن، أن ليس ما يمنع فلاديمير بوتين من الذهاب بعيدا في تنفيذ مخطّط معيّن يعكس إلى حدّ كبير الرغبة في لعب دور جديد على الصعيد العالمي. في استطاعة الرئيس الروسي الذهاب إلى حيث يشاء ما دام لا يوجد من يستطيع أن يوجّه إليه أي سؤال في شأن التدخل المكشوف في أوكرانيا.

في الحادي عشر من أيلول ـ سبتمبر الماضي، صدر لفلاديمير بوتين مقال في “نيويورك تايمز″ يدعو فيه الرئيس باراك أوباما إلى التعاون من أجل إيجاد حلّ سياسي في سوريا. كان المقال، الذي ظهر في اليوم الذي كانت فيه الولايات المتحدة تتذكّر “غزوة” نيويورك وواشنطن التي نفّذتها “القاعدة” بمثابة مناورة ذكيّة استهدفت أوّل ما استهدفت جس نبض إدارة أوباما.

نجح بوتين، عبر المقال وتحرّكات أخرى قام بها على الصعيد الديبلوماسي، في الحؤول دون توجيه ضربة أميركية إلى النظام السوري ردّا على استخدامه الأسلحة الكيميائية في الحرب التي يخوضها مع أبناء الشعب السوري.

نجحت مناورة الرئيس الروسي. تبيّن أن إدارة أوباما تتحدّث فقط عن “الخطوط الحمر”. هناك كلام من أجل الكلام وهناك تهديدات من أجل التهديدات.

عندما يأتي وقت ترجمة الكلام والتهديدات إلى أفعال على أرض الواقع، هناك أمر آخر.

الكلام شيء والأفعال شيء آخر. بين الكلام والأفعال فارق شاسع. يختزل هذا الفارق إدارة أوباما.

سمح التخاذل الأميركي في سوريا لفلاديمير بوتين بخوض مغامرة أوكرانيا. أكثر من ذلك، سعى الرئيس الروسي منطلقا من تعطّش قسم لا بأس به من مواطنيه إلى الانتقام من مرحلة امتدت بين خريف 1989ومطلع 1992، أي بين سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي، إلى استغلال هذا الشعور السائد في الأوساط الشعبية.

لم يعد السؤال الآن هل يهاجم الجيش الروسي أوكرانيا؟ السؤال أين تنتهي أطماع بوتين في أوكرانيا ما دام ليس هناك من هو على استعداد للردّ بحزم على ما يقوم به.

عندما أعلن فلاديمير بوتين في الثامن عشر من آذار ـ مارس الماضي استعادة القرم وضم شبه الجزيرة إلى روسيا، وضع الرئيس الروسي، في الوقت ذاته من إحدى صالات الكرملين، الأسس لنظام دولي جديد على مقاس روسيا. روسيا ليست الاتحاد السوفياتي. لكنّ روسيا قادرة على أن تسمح لنفسها بأن تكون لديها منطقة نفوذ خاصة بها في البلدان القريبة منها. تأتي أوكرانيا على رأس هذه البدان، خصوصا أنّ فيها مواطنين من أصل روسي وآخرين يتكلّمون الروسية.

فضلا عن ذلك، كانت شبه جزيرة القرم التي تعتبر موانئها شريان الحياة للأسطول الروسي، جزءا من روسيا حتّى العام 1954.

يعتبر بوتين، من الآن فصاعدا، أن من حق روسيا التدخّل في أي مكان من العالم لحماية من هم من أصل روسي!

لم يكن ممكنا ذهاب بوتين إلى حيث ذهب في أوكرانيا لولا انكشاف إدارة أوباما. تبيّن هذه الإدارة أنها مستعدة لغضّ النظر عن كلّ ما تقوم روسيا في مناطق معيّنة تعتبر أنّ من حقها التدخل فيها.

كانت سوريا الامتحان الأوّل للإدارة الأميركية. كان كافيا أن يحذّر بوتين باراك أوباما من النتائج التي يمكن أن تترتّب على التدخل في سوريا، مع إشارة إلى أن بابا الفاتيكان نفسه يعترض على مثل هذا التدخّل، حتى يتراجع الرئيس الأميركي.

كانت تلك نقطة التحوّل التي سمحت لبوتين بضمّ شبه جزيرة القرم ثم الانتقال إلى تهديد شرق أوكرانيا والحديث بعد ذلك عن مخاوف من “حرب أهلية” في هذا البلد.

إلى أي حدّ يمكن أن تذهب روسيا؟ من بعد سوريا وأوكرانيا وقبلهما جورجيا؟ الجواب أن لا حدود لما يمكن أن تذهب إليه ما دام لا وجود، إلى إشعار آخر، لمن يردعها.

إلى إشعار آخر، تبدو إدارة أوباما قانعة بلعب دور المتفرّج من جهة والأخذ بنصائح فلاديمير بوتين من جهة أخرى. ففي المقال الذي نشره في “نيويورك تايمز″ لم يتردد الرئيس الروسي في تحذير الرئيس الأميركي من أن تدخله في سوريا سيهدّد منظمة الأمم المتحدة وسيجعلها تنهي بالطريقة التي انتهت بها “عصبة الأمم” التي لم تستطع الحؤول دون نشوب الحرب العالمية الثانية.

يبدو أن أوباما اقتنع بكلام بوتين عن طبيعة الصراع في سوريا “حيث تقاتل القاعدة الحكومة”. لم يعد مستغربا بعد ذلك، أن تكون رغبة الشعب الأوكراني في التقرّب من أوروبا من المحظورات. لم يعد مستغربا أن تمارس روسيا ما مارسه الاتحاد السوفياتي في هنغاريا في العام 1956 وفي تشيكوسلوفاكيا في 1968 وفي بولندا مطلع الثمانينات استنادا إلى نظرية “السيادة المحدودة".

كانت هذه النظرية تعني أن من حق الاتحاد السوفياتي التدخل عسكريا في الدول الدائرة في فلكه متى شعر بالحاجة إلى ذلك. هل هذا مضمون الاتفاق الجديد غير المعلن بين إدارة أوباما وروسيا ـ فلاديمير بوتين؟ هل هذا إقرار بوجود نظام دولي جديد يعترف بأنّ لروسيا، بمساعدة إيران، الحقّ بالمشاركة في قتل الشعب السوري بشكل يومي بواسطة البراميل المتفجرة، على أن يقتصر استخدام الأسلحة الكيميائية على بعض المناسبات فقط؟

في كلّ الأحوال، على العالم التعايش سنتين ونصف السنة مع إدارة أميركية مستعدة لتصديق ما يقوله لها فلاديمير بوتين. بات السؤال: دور مَنْ بعد سوريا وأوكرانيا؟

3