أين سيكون الأردن.. لولا اتفاق وادي عربة؟

الجمعة 2013/11/01

أغلقت مصر باب الحرب مع اسرائيل يوم ذهب الرئيس الراحل أنور السادات إلى القدس في تشرين الثاني- نوفمبر 1977.

فرض ذلك واقعاً جديداً في المنطقة لم يعد من مفرّ التعاطي معه.. إلا في حال كان هناك من يريد متابعة عملية الهروب من هذا الواقع عن طريق افتعال معارك في محيطه العربي على غرار ما فعل، وما لا يزال يفعل، النظام السوري.

رفع هذا النظام، منذ وضعت حرب تشرين أوزارها، شعار «الانتصار على لبنان بديلا من الانتصار على اسرائيل». بعد ذهاب السادات إلى القدس وتوقيع مصر معاهدة سلام مع إسرائيل في آذار- مارس 1979 اندفع النظام السوري أكثر في وضع هذا الشعار موضع التنفيذ.. على أجساد اللبنانيين أوّلا.

قبل تسعة عشر عاماً، وقعت الأردن اتفاق سلام مع اسرائيل. كان ذلك ثاني معاهدة سلام توقّعها دولة عربية مع الدولة العبرية.

بعد كلّ هذه السنوات، التي مرّت على المعاهدتين المصرية- الاسرئيلية، والأردنية- الإسرائيلية، يتبيّن كم كان الملك حسين، رحمه الله، بعيد النظر. لم يكن بعد نظره محصوراً في حماية المملكة الهاشمية ومواطنيها، كلّ مواطنيها، فحسب، بل تعدّى ذلك إلى حماية القضية الفلسطينية أو ما بقي منها أيضاً.

تكمن عبقرية الملك الراحل في أنّه استغل اللحظة المناسبة لتوقيع اتفاق سلام حمى حقوق الأردن في الأرض والمياه من جهة، ورسم حدود الدولة الفلسطينية التي قد ترى النور يوما من جهة أخرى.

ما الذي كان سيحصل لو لم يفكّر الملك حسين في كيفية التوصل إلى اتفاق السلام، الذي وقّعه من الجانب الأردني رئيس الوزراء، وقتذاك، الدكتور عبدالسلام المجالي في وادي عربة؟

لولا اتفاق السلام، لكان مستقبل الأردن في مهبّ الريح، خصوصاً أنّه كانت هناك قوى عربية، على رأسها النظام السوري، تعتقد أن المتاجرة بالأردنيين والأردن هدف في حدّ ذاته.

كان مطلوبا أن تظلّ الأردن في وضع الدولة المعلّقة التي تصلح ورقة في سياسة الابتزاز الذي مارسها النظام السوري الذي لم يكن يوما، خصوصا بعد حرب 1973، قادرا لا على الحرب ولا على السلام. صار هدف هذا النظام، بعد التوصّل إلى اتفاق فصل القوّات مع اسرائيل في العام 1974، يتمثّل في إبقاء الوضع في الجولان المحتل على حاله. صار الانتصار على لبنان والتغوّل في تشجيع الحرب الأهلية فيه، عن طريق استخدام المسلّحين الفلسطينيين، ذروة الوطنيّة. حدث ذلك على أرض الواقع من منطلق أن الانتصار على لبنان بديل من الانتصار على اسرائيل.

ما رفضته الأردن، بفضل ما كان يملكه الملك حسين من فكر سياسي متطوّر، يتمثّل في رفض حال اللاحرب واللاسلم التي لا يمكن أن يستفيد منها أي طرف إقليمي باستثناء اسرائيل. قطع الملك حسين بكلّ بساطة الطريق على مشروع «الوطن البديل» الذي يهدّد الأمن العربي والذي كانت مجموعات اسرائيلية كبيرة تطالب به من منطلق أنه الطريق الأقصر لإيجاد حلّ للقضية الفلسطينية، حلّ على حساب الأردن بصفة كون المملكة الهاشمية الدولة الفلسطينية الموعودة، بينما الضفة الغربية «أرض متنازع عليها».

ما لم يفهمه كثيرون أنّ معاهدة السلام الأردنية- الاسرائيلية قضت على مشروع «اسرائيل الكبرى» وعلى مشروع «الوطن البديل» الذي طالما نادى به ارييل شارون. عمل شارون منذ ما قبل وصوله إلى موقع رئيس الوزراء، مطلع العام 2001، إلى القضاء على أي أمل في إقامة دولة فلسطينية.

بقيت الأردن حاجزا في طريق طموحات شارون وأمثال شارون. يعود الفضل في ذلك إلى الملك حسين الذي أدرك في العام 1994، عندما كان لا يزال اسحاق رابين حيّا، أن هناك لحظة تاريخية لا بدّ من استغلالها.

لم يقدم على خطوة من هذا النوع إلا بعد توقيع اتفاق أوسلو في العام 1993 في حديقة البيت الأبيض. لم يحسن الفلسطينيون في تلك المرحلة استغلال عامل الوقت، في حين كان النظام السوري مهتما بكيفية ابتزاز العرب واستكمال وضع يده على لبنان بدل تحرير أرضه المحتلة.

لا حاجة إلى تعداد ما أقدمت عليه الأردن من خطوات لا يتجرّأ آخرون عليها. لا يمكن إلا أن ينصف التاريخ الملك حسين الذي لم يتردد في العام 1985 من إعادة العلاقات مع مصر بعدما تبيّن أن لا فائدة من مقاطعتها نتيجة توقيعها معاهدة سلام مع اسرائيل.

من المفيد التذكير الآن بأنّ الملك عبدالله الثاني حافظ على الدور الريادي للأردن في مجال اتخاذ مواقف جريئة تؤكد أنّ لا مفرّ من الوضوح من جهة، وتفادي للرضوخ للشارع والغوغاء من جهة أخرى.

ثمّة حاجة إلى قادة يقودون الشارع ولا ينساقون له. لم يتردد عبدالله الثاني في اتخاذ المواقف وتنفيذ السياسات التي تخدم الأردن خصوصا، والعرب عموماً. لعب دوراً أساسياً في ضبط الإخوان المسلمين الذي راحوا ينادون بالتغيير. لم يتردد بعض هؤلاء في الدعوة إلى إلغاء اتفاق السلام مع اسرائيل وذلك تنفيذا لطموحات اليمين فيها. لا يزال هذا اليمين يحلم بـ»اسرائيل الكبرى».

وضع عبدالله الثاني الإخوان حيث يجب وضعهم، أي أعطاهم حجمهم الحقيقي، مستعينا بالشعب الأردني الذي أقبل على صناديق الاقتراع بكثافة في الانتخابات الأخيرة مطلع السنة. أنتجت الانتخابات مجلساً نيابياً يمكن أن يشكّل، على الرغم من أدائه المتواضع، خطوة صغيرة على طريق قيام الحياة الحزبية السليمة في بلد يعاني من أزمة اقتصادية عميقة، ومن الانهيار السوري في الوقت ذاته.

لم يكن عبدالله الثاني يريد إقصاء الإخوان. على العكس من ذلك، كان يؤكّد أنّهم جزء من النسيج الوطني الأردني. ولكن على الرغم من إلحاحه عليهم من أجل المشاركة العملية السياسية، كانوا يصرّون على الرغبة بالمشاركة وفق شروطهم وشروط المرشد العام في القاهرة. كانوا يريدون إمّا الكعكة أو المقاطعة. خذلهم المواطنون الأردنيون من منطلق رفضهم للأحزاب الشمولية ووصاية «المرشد» المقيم في القاهرة.. ولقانون للانتخابات مفصّل على قياس فريق معيّن.

لم تقتصر جرأة عبدالله الثاني على الداخل الأردني. لعبت الأردن الدور المطلوب في دعم مصر و»ثورة الثلاثين من يونيو».

لذلك، ذهب الملك إلى مصر لتأكيد دعم الثورة الشعبية على الإخوان. في السياق ذاته، لم تتردد الملكة رانية في قول كلام جريء عن أهمية التعليم. تحدّثت صراحة في لقاء تلفزيوني مع الزميلة منتهى الرمحي في «العربية» عن ضرورة الثورة التعليمية وأهميتها على الصعيد الإقليمي كي يكون أداة في مواجهة التخلّف بكلّ أشكاله. قلائل في عالمنا العربي يتحدثون عن أهمّية التعليم بهذه الصراحة التي سبق أن اعتمدها الشيخ نهيان بن مبارك وزير الثقافة في دولة الإمارات العربية المتّحدة حالياً ووزير التعليم العالي سابقاً.

من الحسين.. إلى عبدالله بن الحسين، هناك جرأة أردنية. جرأة في التصدي الفاعل والفعلي والفعّال للمخططات الإسرائيلية، وجرأة في التصدي للتخلف العربي الذي يمثله الإخوان المسلمون حالياً.. وجرأة في كشف المشروع الإيراني الذي يهدّد كلّ ما هو عربي في المنطقة.

من يتذكّر أن عبدالله الثاني كان أوّل من كشف الطابع المذهبي لهذا المشروع في حديث نشرته صحيفة «واشنطن بوست» في تشرين الأوّل- أكتوبر 2004؟


إعلامي لبناني

8