أين عبدالعزيز بوتفليقة؟

الأحد 2014/05/25

من ينظر، ولو من بعيد، إلى ما تشهده الجزائر هذه الأيّام من أحداث متلاحقة يجد نفسه مضطرّا لأن يطرح على نفسه السؤال الآتي: أين عبدالعزيز بوتفليقة؟

قبل أكثر من شهر أعيد انتخاب بوتفليقة رئيسا للجزائر لولاية رابعة. في مرحلة سبقت انتخابه، أي بعد ترشّحه وهو في الحال الصحيّة التي يعاني منها، كان السؤال هل الجزائر تشبه بوتفليقة أم بوتفليقة يشبه الجزائر؟ بعد فوزه في الانتخابات، تبيّن أن لا حاجة لمثل هذا النوع من الأسئلة بعدما ظهر أن الجزائر تشبه بوتفليقة وبوتفليقة يشبه الجزائر. الآن أين بوتفليقة، بل إلى أين تبدو الجزائر ذاهبة؟

حكم الرجل الجزائر منذ العام 1999 بعدما نجحت المؤسسة العسكرية في اجتثاث الإرهاب والإرهابيين. خاض الجيش الجزائري، عن حقّ، حربا لا هوادة فيها مع المجموعات الإرهابية التي تلطّت بالدين.

كان ثمن الانتصار باهظا في فترة امتدت نحو عقد من الزمن غاب فيها العقل السياسي عن المشهد الجزائري. لم يكن من مكان سوى للحرب على الإرهاب التي لا بدّ من الاعتراف بأن الجيش خرج منها منتصرا ونجح إلى حدّ كبير في إنقاذ الجمهورية ومؤسساتها.

أُعيد انتخاب عبدالعزيز بوتفليقة رئيسا في وقت لم يتغيّر شيء في الجزائر. يبدو واضحا أنّ الهدف من إبقاء الرجل في قصر المرادية، على الرغم من عجزه عن الوقوف على رجليه أو النطق بشكل واضح، يستهدف توفير الحماية لمجموعة معيّنة، محيطة برئيس الجمهورية. تخشى هذه المجموعة، بكلّ بساطة، الملاحقة القضائية في حال وصول بديل منه إلى الرئاسة.

صحيح أن العسكر استطاعوا القضاء على الإرهاب والإرهابيين، لكن الصحيح أيضا أن مشاكل الجزائر ما زالت تراوح مكانها، بل إنّها زادت مع مرور الوقت وتدهور الأوضاع على الصعيد الداخلي وفي كل المناطق الحدودية باستثناء المغرب في طبيعة الحال.

أكثر من ذلك، عاد الإرهاب ليطلّ برأسه في الجزائر نفسها وليس في منطقة الساحل الصحراوي فقط. كانت عملية عين أميناس التي نفّذتها مجموعة إرهابية قبل سنة تقريبا دليلا على أن أبواب الجزائر باتت مشرّعة أمام كلّ أنواع الإرهاب في غياب العقل السياسي من جهة والقدرة على استيعاب الحاجة إلى التغيير وكسر القوالب الجامدة من جهة أخرى. ما حصل في الأسابيع القليلة الماضية في غير منطقة جزائرية يدلّ على ذلك.

لم يعد سرّا أنّ الجزائر تعاني من عودة الإرهاب ومن مشاكل ذات طابع طائفي وعرقي في الوقت ذاته. تضاف إلى ذلك الأزمة المعيشية المتفاقمة مع زيادة البطالة في صفوف الشباب وبقاء الاقتصاد الجزائري أسير أسعار النفط والغاز.

ما لا مفرّ من الاعتراف به أنّ هناك في المقابل وعيا شعبيا لأهمّية المحافظة على السلم الاجتماعي نظرا إلى أن المواطن العادي يخشى من أي نوع من الاضطرابات في المدن، اضطرابات تذكّر بما حدث في خريف العام 1988. وقتذاك، في عهد الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، انفجر الوضع في الجزائر وفقدت السلطة سيطرتها على الشارع وبدأت موجة اضطرابات أخذت منحى دمويا سافرا استمرّت ما يزيد على عشر سنوات.

لا يريد الجزائريون العودة الى تلك المرحلة. هذا واقع، لكنّ هذا العنصر الإيجابي الذي يضاف إليه توافر احتياط كبير من العملات الصعبة لا يعني في أي شكل أن كلّ شيء على ما يرام في الجزائر. هناك جمود لا يشبه إلاّ الجمود الذي ساد في الاتحاد السوفياتي في السنوات الأخيرة من عهد ليونيد بريجنيف الذي توفّى في العام 1982. كان هذا الجمود، العائد إلى إصرار بريجنيف على البقاء في السلطة، على الرغم من مرضه، من بين الأسباب التي أدّت إلى انهيار الاتحاد السوفياتي الذي لم يعد قادرا على تجديد نفسه على أي صعيد كان. ولما جاء ميخائيل غورباتشوف وأراد أن يجدّد ويغيّر، اكتشف أن النظام أسير قوالب معيّنة لا تسمح لا بالتغيير والتطوير والتجديد بغية إنقاذ ما يمكن إنقاذه…فكان الانهيار الكبير مطلع العام 1992.

كان بريجنيف غائبا عن السلطة بسبب مرضه. كانت هناك مجموعة محيطة به تحكم من خلف الستار الذي يمثله رجل مريض. كانت هذه المجموعة أسيرة قوالب معيّنة، تماما مثلما أنّ المجموعة المحيطة بعبدالعزيز بوتفليقة هي التي تحكم، وهي في الوقت ذاته أسيرة قوالب تجاوزها الزمن وتجاوزتها خصوصا الأحداث في المنطقة. في مقدّم الأحداث انتشار الإرهاب في الساحل الصحراوي وتحوّل جبهة “بوليساريو”، التي ليست سوى أداة جزائرية، جزءا من المشكلة الإقليمية التي سترتد عاجلا أم آجلا على الجزائر.

لا يمكن لهذه المشكلة إلاّ أن تتفاعل على نحو خطير في ضوء ما تشهده ليبيا التي يُخشى أن تتحوّل إلى قاعدة لـ”القاعدة” ومخزن سلاح كبير لها وللمجموعات الإرهابية في شمال أفريقيا في حال عدم القضاء على المتطرفين المنتشرين في كلّ أنحاء البلد.

في غياب العقل السياسي الخلّاق في الجزائر، أي العقل الذي يكسر القوالب الجاهزة، ليس ما يشير إلى أن الجزائر يمكن أن تخرج من أزمتها. ليست في وضع يسمح لها بالخروج من سياسة قائمة على تحقيق انتصارات تقوم على مجرّد إلحاق الضرر بالآخر، حتّى لو كان هذا الضرر ستكون له آثار سلبية على الجزائر نفسها.

مثل هذا النوع من الانتصارات ليس سوى الطريق الأقرب إلى الكارثة القادمة. فعلى سبيل المثال وليس الحصر، لا تمكن معالجة مشكلة الإرهاب من دون تعاون إقليمي واسع لا يستثني أحدا. لا يمكن للجزائر الاستفادة من الإرهاب والاستثمار فيه لمجرّد أنّه خارج أراضيها. لا بدّ من كسر هذا القالب القائم على فكرة الاستثمار في كلّ ما من شأنه الإضرار بالمغرب مثلا.

بكلام أوضح، ثمة حاجة إلى قيادة سياسية واعية في الجزائر تنتهي من حال الجمود ومن عقدة اسمها المغرب. ففي الصحراء مثلا حيث لا يمكن للمغرب الذي يدافع عن ترابه الوطني سوى أن ينتصر. في استطاعة الجزائر المشاركة في هذا الانتصار بدل اعتباره هزيمة لها. يمكن لكل من البلدين الخروج منتصرا. ولكن أين عبدالعزيز بوتفليقة وسط كل هذا النقاش الذي يتناول مستقبل الجزائر نفسها؟ هل عزّ الرجال في الجزائر التي فيها بعض أفضل الرجال… أو هكذا يفترض؟

2