أين نحن في عالم يجنح يسارا

الحزب الشيوعي العراقي، مثلا، يتحالف مع أجهل جهلاء الدين والسياسة، بينما أصيب الشيوعيون واليساريون الآخرون بكورونا أيديولوجية.
الأربعاء 2021/06/02
يسار عربي هزيل دوغماتي

يسارنا هزيل دوغماتي متحجر أصيب بكورونا أيديولوجية قضت عليه حتى لم تعد تسمع له صوتا وشعوبنا لا تعرف ما السبيل لكي تجني فوائد المنعطف الجديد أو كيف تلتحق بالركب.

و هناك منعطف. ونحن في أوله. كامالا هاريس في الولايات المتحدة قدمت مؤشرا أول له، بينما تقدم أنالينا بيربوك المؤشر التالي، الأقوى.

مرشحة حزب الخضر في ألمانيا لتولي منصب المستشارية، تتقدم في استطلاعات الرأي مثل بلدوزر لا يمكن الوقوف في وجهه. وحزبها لم يتقدم على “الاشتراكيين الديمقراطيين” الذين ظلوا يتخلفون عن الركب فحسب، ولكنه يتقدم على تحالف اليمين الذي يقوده “الديمقراطي المسيحي” أيضا.

صحيح أن جيرمي كوربن زعيم حزب العمال البريطاني السابق مني بهزيمة منكرة في انتخابات ديسمبر 2019، وعاد خليفته كير ستارمر ليعاني مثلها في الانتخابات البلدية التي جرت في العاشر من مايو الماضي، إلا أن تلك الهزيمة نجمت تحديدا عن عاملين لا علاقة لهما بالمنعطف.

الأول، هو سوء التعامل مع الموقف الشعبي من مطلب الخروج من الاتحاد الأوروبي. والثاني تهمة معاداة السامية التي جندت ضد الحزب كل طاقة اللوبي الصهيوني في بريطانيا، ومعهم إسرائيل.

لقد أتيحت لحزب العمال فرصة استغرقت سنتين على الأقل لكي يعيد بناء الموقف الشعبي على نحو يدافع عن الحاجة للبقاء في الاتحاد. ولكنه فشل في ذلك، بسبب جيرمي كوربن نفسه، الذي كان يميل إلى الخروج انطلاقا من الاعتبارات نفسها التي يتبناها “البريكسيتيريون”، وهو قاد حزبا منقسما وغير قادر على تحديد موقف صريح. وكان ذلك فشلا ثانيا.

دخل حزب العمال الانتخابات بهذين الفاشلين، وكان من المستحيل أن يفوز. أما “معاداة السامية” فكانت مجرد “سُكّر الزينة” فوق هذه الكعكة، التي سمحت بتجنيد المال لخدمة المحافظين فسجلوا أكبر انتصار لهم منذ 40 عاما. وكانوا أبعد من أن يستحقوه، لأنه لم يكن من صنعهم، بل من صنع غريمهم نفسه.

الأمر مختلف كليا في ألمانيا. اليسار هناك يفرض نفسه على حساب الاشتراكيين التقليديين، كما على حساب المحافظين الذين تقودهم أنجيلا ميركل. ويبدو “الخضر” وكأنهم قادمون من عالم بريء، ويسعون إلى عالم نقي.

مقدار من الفوضى في فرنسا ما يزال يجعل اليسار هناك عاجزا عن أن يشكل قوة حقيقية. حتى وهو يرى كيف أن اليمين المتطرف يبدو وكأنه يحرز مواقع أقوى، ويوسع نفوذه بتحالفات تجعل منه اليوم نوعا من جبهة عريضة.

انتخاب إيمانويل ماكرون، وحزبه، كان بمثابة مسعى شعبي للفرار من قدر يميني يزداد طغيانا. ريثما يستجمع اليسار قواه، أو ريثما يعثر على “الوصفة” الصحيحة للتحالفات ولمخاطبة الناخبين المتشككين بيسارية، ما يزال التصور العام عنها يقول إنها تزمع أن تُخرج قطار الاقتصاد عن السكة، وتخرج عن حدود المعقول.

وبرغم التهديد الذي تمثله مارين لوبان زعيمة الجبهة الوطنية في الانتخابات الرئاسية المزمعة في إبريل من العام المقبل، إلا أن وسطية ماكرون قد تحظى بفرص أفضل للنجاة بفوز بيربوك المحتمل بمنصب المستشارية في ألمانيا في سبتمبر المقبل، فضلا عما قد يدفع إلى تعزيز حظوظ شتات اليسار الفرنسي نفسه.

صدام الأيديولوجيات في أوروبا معقد، لأنه مليء بالقصص؛ موغل بالتاريخ، ويغطس حتى أذنيه بحزمة واسعة من أطياف التسويات التي غيرت الكثير من المفاهيم. ثم إن حربين عالميتين كانتا تكفيان لكي تجعل رؤوس الشياطين تفرض مخاوفها على كل اتجاه، ما جعل “يمين الوسط” و”يسار الوسط” هما اللاعبين الأوفر حظا باستمرار.

صورة المنعطف يمكن أن تكون أوضح وأقل تعقيدا في الولايات المتحدة. من أربع نواح على الأقل.

الأولى، هي أن النازية والشيوعية هناك لم تكونا تهديدا فعليا يستوجب كل الحوافز المضادة، وهو ما يعطي المنعطف نحو اليسار فسحة أقل إثارة للمخاوف من جدول أعماله الاجتماعية.

والثانية، هي أن الحزب الديمقراطي جزء أصيل ومتين من المؤسسة السياسية وفي بنية “الدولة العميقة”.

والثالثة، هي أن الكتلة الاجتماعية تتغير على نحو يفرض أجندات سياسية مختلفة، تأخذ باليسار من جهة الحاجة إلى التمسك بقيم العدالة الاجتماعية والمساواة.

والرابعة، هي أن “الطبقة العليا” لم يعد الفقر وانعدام المساواة يلائمان مصالحها، ولا تصورها للعالم. بمعنى أنها هي نفسها صارت تميل إلى قبول أجور أعلى وضمانات أفضل ومساهمات ضريبية أكبر.

انظر في الخارطة السياسية التي أسفرت عنها انتخابات الثالث من نوفمبر 2020 وسترى المنعطف بوضوح.

الديمقراطيون اليوم هم ممثلو اليسار في الولايات المتحدة. ومؤشرات التصويت الاجتماعية في الانتخابات الأخيرة قالت إن 56 في المئة من النساء صوّتن لصالحهم، كما صوتت لهم الأقليات (87 في المئة من السود، 66 في المئة من اللاتينيين، 63 في المئة من الآسيويين، و58 في المئة من الأقليات الأخرى). أما من حيث الأعمار فقد صوت لهم الشباب بين 18 و29 عاما بنسبة وصلت إلى 62 في المئة، وبين 30 و44 عاما بنسبة 52 في المئة، وبلغت 50 في المئة لمن هم بين 45 و64 عاما. المؤشر الآخر الذي لا يقل أهمية هو أن أغلبية من 55 في المئة من المتعلمين صوتت لصالح الديمقراطيين، بينما انقسم التصويت بالتساوي بين غير المتعلمين.

وعلى العكس من الاعتقادات الشائعة بين يساريي الماضي، الذين لم يستفيقوا بعد، فإن الطبقة العاملة لم تعد هي قوة التغيير. إنها قوة الردة. هذه الطبقة في الولايات المتحدة تصوت لصالح الجمهوريين، وفي بريطانيا تصوت لصالح البريكسيتيرز، وفي فرنسا تصوت لصالح الجبهة الوطنية وكذلك تفعل في كل مكان آخر في أوروبا.

قوة التغيير هي الطبقة العليا، والجزء الأعلى من الطبقة الوسطى. لماذا؟ بسبب التغير في طبيعة الاقتصاد.

أمازون ومايكروسوفت مثالان على اقتصاد مختلف لا يعتمد على الإنتاج البضاعي التقليدي الذي بنى كارل ماركس نظريته عليه.

هناك “شعوب” هي التي صارت تعمل في إطار الإنتاج البضاعي العالمي (الصين، الهند) بينما هناك شعوب أخرى تهنأ برفاهية اقتصاد التكنولوجيا والخدمات الحديث، ويهمها أن تتوسع السوق لتشمل دولا وشعوبا أخرى.

اقتصاد الثراء صار يتطلب رفعا مستمرا لمستويات المعيشة لكل الطبقات، لأنه يوفر ضمانات للمزيد من الاستهلاك وبالتالي المزيد من الربح. الأمر نفسه يمتد إلى “الشعوب” (الطبقة العاملة العالمية) التي يتعين أن ترتفع مستويات حياتها لكي تستهلك، فتزداد مشترياتها من أمازون ومايكروسوفت وشركات التكنولوجيا الحديثة.

في حين أن الطبقة العاملة في الولايات المتحدة تخاف من هذه الشعوب وتعتبرها “منافسا”، بل إنها مستعدة لمحاربتها أيضا.

لقد سقط تحالف “البروليتاريا العالمية” وتم دفنه تماما. ولم يعد شعار “يا عمال العالم اتحدوا” يمتلك أي قيمة. وصار بوسع الأثرياء أنفسهم، الذين يقودون مجتمع الرفاهية العالمي، أن يقتبسوا من “البيان الشيوعي” ليغنوا “هنا الوردة، فلنرقص هنا”.

فلاح أو عامل فقير لا يملك هاتفا من الجيل الخامس، لم يعد مناسبا لمصالح شركات إنتاج الرقائق الإلكترونية.

أصحاب المليارات هم الذين يطالبون برفع مستويات الضرائب على الشرائح الأعلى (أي على أنفسهم). ويتبرعون بقسط وافر من أموالهم في مجالات اجتماعية وخيرية شتى.

هذا أمر لا نفاق فيه. إنه جزء من طبيعة الصورة التي يتعين أن يكون عليها العالم من وجهة نظر طبقة لم يعد يلائمها الجهل والفقر.

إنها طبقة تحتاج متعلمين، أولا، وقادرين على الإبداع والابتكار. ولكي يكونوا كذلك، فإنهم يجب أن يتلقوا أجورا عالية وتكون الآفاق مفتوحة أمامهم.

وكلما اتسعت الطبقة الوسطى، كلما اتسعت طاقة الاستهلاك والرفاهية.

انعدام المساواة بين الرجل والمرأة لم يعد مفيدا أيضا مثلما كان الحال في الاقتصاد التقليدي. ولا التمييز على أساس اللون والعرق والدين. هذه كلها ترهات بالنسبة إلى اقتصاد المعرفة، لأنها عائق أمام النمو.

والنمو نفسه لم يعد يكفي أن يكون محليا. لقد أصبح ذا طبيعة عالمية. والاستغلال اكتسب الصفة نفسها، إنما في إطار “تقسيم جديد للعمل” بين الشعوب. نعم، هناك شعوب رفاهية، تنتج المواد الأكثر تقدما وقيمة من الناحية المادية، لأن اقتصادها هو اقتصاد معرفة بالدرجة الأولى، وهناك شعوب فقر تنتج المواد الأولية، لأن اقتصادها هو اقتصاد جهل. ولكن، كلاهما ضروري للآخر، وكلاهما يتعين أن يحقق مقدارا معقولا من النمو. ولا أحد يتعين أن يبقى خارج الركب، إلا الذين كتبوا على أنفسهم أن يتصوملوا أو أن يصبحوا نهبا لمرشد أو خليفة أو ولي فقيه، لينتجوا إرهابا وميليشيات، وذلك بما يكفي لكي يكونوا طاردين طوعيين للنمو.

الغني يظل يزداد غنى، بينما يزداد الفقير فقرا، ولكن بالمعنى النسبي. يوم كان الغني هو المليونير، كان الفقير يركب حمارا. ويوم أصبح الغني هو الملياردير، صار الفقير يركب سيارة. الكل ينمو. إلا أن دائرة الفقر الشديد لم تعد تلائم مصالح الغني. طبقة وسطى عالمية أوسع هي أفضل له ولمنتجاته من العيش في عالم يسوده الجهل والفقر والتخلف.

المنعطف الذي لا جواب له عندنا هو أن:

1ـ يسارنا هزيل، دوغماتي متحجر. (الحزب الشيوعي العراقي، على سبيل المثال، يتحالف مع أجهل جهلاء الدين والسياسة، بينما أصيب الشيوعيون واليساريون الآخرون بكورونا أيديولوجية قضت عليهم جميعا حتى لم تعد تسمع لهم صوتا).

2ـ شعوبنا لا تعرف ما السبيل لكي تجني فوائد من هذا المنعطف، أو كيف تلتحق بالركب، وركبها غارقٌ، في عدد معتبر من البلدان، بطبقة دين بلا دين وسياسة أفسد من الفساد نفسه.

العالم، الغني منه والفقير، الذي يتوقع النمو، هو عالم إنتاج الثروة. أما عالمنا فإنه “يتصومل”، لأنه ما يزال يعيش على تقاسم الريع.

12