أيها الحركيون: "الأغلبية" ليست معيارا للحق

الاثنين 2014/01/13
"داعش" تغذت من فتاوى متشددة ودعم إقليمي لإفساد الثورة وخدمة الأجندات الخفية

مما لا شك فيه أن من واجبات الكاتب الشرعية توعية الناس فيما يدور بينهم من شبهات مضللة يراد بها الانتصار لأجندات مؤدلجة، ومن ذلك استدلال البعض بدعوى كون الأغلبية معه، ويعتبرهم دلالة على كون الحق حليفه، ويستدل بأحاديث الإجماع في شؤون الدين والشورى في شؤون الدنيا، ولكنها لا تدل على موضوعنا؛ لأن الإجماع متعذر غالباً، ولو تحقق فعلاً لانتهى الاختلاف ولرفع الخلاف، وغالب مسائل الفقه ليست محل إجماع، كما أن الشورى كالفتوى غير ملزمة، مع الأخذ في الاعتبار أن أهل الحل والعقد يتفقون أو على الأقل يتوافقون أو في أقصى الحالات بترجيح الأغلبية ينتهون لكونهم خواص الناس وليس عمومهم ومستوفين لشرط النظر، ومثله القضاء المشترك حيث يصدر الحكم بالأغلبية، وكذلك تصويتات مجالس الشورى وعموم البرلمانات وكل انتخاب.

فضلاً عن المفارقة بين ذم الأغلبية في النصوص الشرعية التي تشمل عموم البشر من المسلمين وغيرهم، وبين المسلمين الذين يفترض كون أغلبيتهم محل ترجيح، ولكن ليس دائماً، لاسيما حينما يكون رأي الأقلية مع النخبة والمعروفين بالعلم والتقوى، وبغض النظر عن صحة كون الأغلبية معه أو ضده؛ لأن الأغلبية في العادة صامتة ومنشغلة في حياتها لصالح دينها ودنياها.

ولكن الأهم هنا مبدأ كون الأغلبية دليل على الحق، لأننا نلاحظ- في أحيان أخرى- قيام نفس هؤلاء برمي الأغلبية بأنها على ضلال، وأن الحق لا يعرف الأكثرية والأقلية ويستدلون بقوله تعالى (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك)، وقوله تعالى (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين)، وقوله تعالى (ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس)، وقوله تعالى (ولكن أكثرهم للحق كارهون)، وقوله تعالى (قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث)، وقوله تعالى (وقليل من عبادي الشكور)، وقوله تعالى (وقليل ما هم)، وبهذا ندرك أن الأكثرية ليست معياراً للحق مطلقاً.

الديني والدنيوي

وهناك فرق بين أن تكون المسألة دينية وبين أن تكون دنيوية، فمسائل الدين لا تخضع إلى ذلك، إلا حينما يكون الاختلاف بين المتخصصين في علوم الشريعة، ولهذا قيل مذهب الجمهور نظراً لكون الأغلبية من العلماء ذهبوا إلى القول بمسألة معينة، ومع ذلك جاز خلافهم بل وربما كان الراجح مع من خالفهم، لاسيما في بيئتنا السنية السلفية حيث درجنا غالباً على ترجيحات شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ونحوهما، مع أن الكثير من أقوالهم فيها مخالفة لرأي الجمهور ولكن الدليل معهم فرجّحناه. وأما في شأن الدنيا فلابد من اعتبار الأكثرية فضلاً عن الأغلبية أنها المرجحة خروجاً من الخلاف وللوازم الحياة ولتساوي الرؤى لتساوي الحقوق ولعدم المانع الشرعي بل مع وجود ما يؤيد ذلك في الشريعة ما دام لم يخالفها.

وفي هذا السياق أعجبني كلام الدكتور أحمد الريسوني في كتابه “قضية الأغلبية من الوجهة الشرعية” حيث أكد على أنه لابد من التسليم بأن مسألة الأغلبية ليست من المسائل المنصوصة، بمعنى أنه ليس هناك نص يأمر صراحة بإتباع الأغلبية ولزوم حكمها، كما أنه ليس هناك نص ينهى أو يحذّر من ذلك، وإنما هي مسألة اجتهادية استنباطية، والنصوص التي تتصل بالموضوع ويمكن اعتمادها في الاستنباط كثيرة، وخصوصاً في السيرة النبوية، ولكنها جميعاً تحتاج إلى تدبر واستنطاق، لكي تفصح عن دلالتها في الموضوع، ولهذا اختلفت أنظار العلماء والباحثين فيها، واختلفت استنباطاتهم منها واستدلالاتهم بها.

أصحاب الأجندات الحركية الإسلامية تراهم مرة يستدلون بالأغلبية حينما يحصلون عليها، وحينما تكون الأغلبية ضدهم فإنهم ينقلبون على استدلالاتهم

وهذه المسألة تعد أصولية فقهية، وتعالج موضوع الحكم الشرعي للأغلبية أو الأكثرية من ناحية الحكم الشرعي للأغلبية من الناس، والأغلبية من أفراد الأمة، والأغلبية من العلماء، والأغلبية من ممثلي الأمة والمقدمين عندها، ومن ناحية الحكم الذي يصدر بالأغلبية أو الرأي وهل يعتبر صواباً لكونه كذلك.


تناقضات "الحركية الإسلامية"

وأؤكد على أهمية العمل برأي الأغلبية في شأن الدنيا ما لم يخالف الدين لأن فيه خروجاً من الخلاف والفتنة في شؤون الحياة مع الأخذ في الاعتبار احترام وتقدير رأي المخالف ما لم يتحكم فيه ويصادر رأي الأغلبية أو يسعى للإلزام برأيه فضلاً عن التأليب على الأغلبية، وأما في شأن الدين وأحكام الشريعة فإن الإجماع هو الحجة لأن العصمة فيه، وأما ما سواه فلا عصمة له ومُعرَّض للخطأ، والعبرة بقوة التعليل والتدليل من الأدلة الشرعية الكتاب والسنة والقياس وبقية الأدلة المعروفة عند علماء أصول الفقه وقواعده ومقاصده، بخلاف التشريع الاجتهادي للحياة لأنه مناط بالأغلبية، وكذلك التأمير والتقديم بالانتخاب عند التساوي واستيفاء الشروط وانتفاء الموانع، وتدبير المصالح والشؤون المشتركة، وتبقى مسائل العلم والاجتهاد تراعي الجمهور من العلماء، ولكن لا تعني منع رأي الأقلية من العلماء ولو كان واحداً وحسبنا إمامنا شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيّم وأخذنا بأقوالهما لقوة الأدلة ولو خالفت الجمهور، مع احترامنا للآخرين وأخذنا بقولهم في كثير من الأحيان، فالحق لا يعرف بالرجال وإنما يعرف الرجال بالحق، والحق هنا فيما فيه صالح الدين والدنيا.

وبعد هذا التأصيل العلمي الشرعي في مسألة الاحتجاج بالأغلبية، فإنني أنزله على واقع نعايشه كل يوم في بلادنا العربية والإسلامية، لاسيما من أصحاب الأجندات الحركية الحزبية الإسلامية وخصوصاً ما يسمى بـ”الإسلام السياسي”، حيث تراهم مرة يستدلون بالأغلبية حينما يحصلون عليها، وحينما تكون الأغلبية ضدهم فإنهم ينقلبون على استدلالاتهم ويتناقضون ليوردون مثل أدلتنا في بداية هذا المقال، وهذا دليل على تلونهم وظلمهم، وتأتي على رأسهم التنظيمات الراديكالية الإسلامية “الإخوان المسلمون” و”السروريون”، و”القاعدة” التي نراها اليوم في اليمن وسوريا والعراق تسرح وتمرح بتأييد وتعزيز مباشر وغير مباشر من مشايخ في الخليج والبلاد العربية ينكرون دعمهم للقاعدة، ولكنهم في نفس الوقت يجمعون التبرعات لها ويصدرون الفتاوى بالنفير إليها ويرسلون كوادرهم الشبابية المغرر بها للانخراط فيها، وما “داعش” في سوريا والعراق إلا من أدلة ما نقوله، لاسيما حينما ندرك أنهم يخدمون الأجندة الصفوية في المنطقة العربية عبر تكفيرهم لإخوانهم واستباحتهم لأعراضهم ودمائهم وأموالهم وإثارتهم للفتنة وإشغالهم للمجاهدين الحقيقيين، بل ومحاربتهم حيث اصطفوا مع الأنظمة الحاكمة في دمشق وبغداد لمحاربة عدو مشترك هم السنة.

نفير السرورية


ومن الغريب في الأمر أنني شاهدت في اليوم السابع من شهر ربيع الأولالجاري الموافق للثامن من يناير لهذا العام الجديد 2014 بياناً من 47 شيخاً سعودياً يدَّعون استنكارهم للتطرف والغلو والتكفير واستباحة الدماء من القاعدة “داعش” في سوريا، في حين أن الراصدين لواقع “الإسلام السياسي” في السعودية يرون أن التنظيم السروري هو الذي أصدر هذا البيان- حسب تحليلهم- وهو أكبر التنظيمات الداعمة للقاعدة مالياً عبر التبرعات العينية والنقدية وبشرياً عبر الكوادر الشبابية المنخرطة في الميدان، وفكرياً عبر الفتاوى والبيانات الموسمية التي أصبح موقّعوها معروفين سلفاً، في حين لم نجد أحداً منهم أو حتى من أولادهم قد انخرط في صف القاعدة لئلا يموت، وأما بقية شباب المجتمع فيجب عليهم النفير دون أولاد الموقعين، ولا يعقل ممن يتحملون مسؤولية دعم القاعدة وفكرها والمطالبة بتحرير ما يسمونه “الأسرى” من كوادرهم الموقوفة ممن تلطخت أيديهم بالدماء وألسنتهم بالتكفير وخططهم بالتفجير، وهم أنفسهم مصدر ومنشأ ومبعث المشكلة أن يتظاهروا اليوم بالتبرؤ منها واستنكارهم لها ما لم يتبرؤوا من تصرفات وتصريحات وتغريدات كل كوادر تنظيمهم التي أيدت منهج القاعدة التكفيري حينما أيدت كلام “وليد السناني” وعمليات القاعدة الدنيئة في السعودية سابقاً، ثم مؤخراً في مستشفى العرضي باليمن ومجازر الرؤوس في سوريا وعمليات الأنبار والفلوجة الأخيرة، فلسنا أغبياء بدرجة كافية حتى نقبل الدواء ممن نشر الداء، “والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون”.

13