أيها الشاعر أنت في الميدان

الأربعاء 2014/01/29
سالم يجسد شعب مصر بكل صفاته وأنماطه

الدار البيضاء- حلمي سالم شاعر قطب من أقطاب الشعرية العربية وجيل السبعينات في مصر، أسهم في تطوّر قصيدة الحداثة العربية منذ السبعينات وحتى اللحظة الراهنة، إن سالم يدفع بقصيدته إلى الجنوح، واختراق حواجز القيم الفنية داخل النص الشعري، شاعر غزير الإنتاج، فالحالة الشعرية لديه تتميز بالتدفق اللانهائي ممتلكا قريحة منتجة غنية بالتفاصيل الحياتية الكثيرة المتغيرة ممتزجة بالخيالات والمجازات اللانهائية.

حلمي سالم الذي أثار حوله الكثير من الجدال بسبب غزارة إنتاجه، وعدم قدرة النقد على ملاحقة تطوره الإبداعي، وتجريبه السرمدي داخل الحياة الشعرية المصرية وعمله الخالص للشعر داخل هذه الحياة المملوءة بالجراح والتمرّد والخروج على السائد والمألوف. في معرض القاهرة الدولي للكتاب- يناير 2012، منحته الهيئة المصرية العامة للكتاب جائزة الشعر، وكان ديوانه الفائز بعنوان “ارفع رأسك عالية” جاء هذا الديوان في ثماني قصائد، اتكأ سالم بشكل كبير في كتابة هذه القصائد على استدعاء “ثورة 25 يناير"، مستدعيا شعب مصر بكل صفاته وأنماطه وحركاته وتقلباته على الحياة رغم كل المآسي والفساد الذي خلّفَته الأنظمة السابقة حتى وقتنا الراهن.


صورة الوطن


يجسّد حلمي سالم صورة الوطن في ميدان التحرير، هذا الميدان الذي شَهِدَ الكثير من الآلام العظيمة، والأفراح والأحزان والدموع والصراخ والموت والسكون، كل شيء إذن كان في الميدان، وكانت الحياة هي الميدان، وكان المصريون يرددون جملة بالعامية المصرية “ارفع راسك فوق أنت مصري” فالتقطها سالم لتكون عنوانا لديوانه “ارفع رأسك عالية”، إن فتنة الدلالة في هذا العنوان لا تحتاج إلى تأويل مبالغ فيه، إنه دال مختلط بالرجاء والأمر والمحبة والقوة، وكأن الذات تعلن قيامتها من جديد بعد موت واحتراق دام أكثر من خمسين سنة أو تزيد، والرأس هي أشرف مكان في الإنسان تدل على القوة والعظمة والعزة والحرية ففي ارتفاعها نصر، وفي تنكيسها ذل وعار وقهر، وكأن المصريين جميعا انطلقوا كالرياح البعيدة لإسقاط المخلوع، كل هذه الأحداث التي بلغت ثمانية عشر يوما حتى تمّ إسقاطه وبقيت أذنابه وأتباعه في كل مؤسسات الدولة المصرية، وقد تجلّى ذلك في القصيدة الأولى التي جاءت بعنوان أغنية الميدان.

ديوان حلمي يحمل مجموعة صور من ثورة ميدان التحرير

يستدعي حلمي سالم في المقطع الفائت صورة المصري عبر التاريخ القديم منذ الفراعنة حتى العصر الراهن، المصري الذي صنع التاريخ وخلق الحضارات وأنشأ الأديان في كل مكان، إن استدعاء صورة الفلاح المصري الفصيح في نص سالم يشي بالكثير من الصور الدلالية المتنوعة، منها السياسي والثقافي والاجتماعي والتاريخي، ويقول في مقطع آخر: “ارفع رأسك عالية أنت المصري/ الصامت صبرا لا إذعانا/ بل تطويل للحبل الشانق كل بغي/ لاجُرْتَ على جار لا لوّثت/ مياه النيل ولا أنكرت نبي/ أنتَ موحّد شطرين/ وواصل شطين/ وجامع أشلاء فتاك/ على دلتا النهرين/ ونساج الظلمة بالضيّ”.

يتكئ حلمي سالم في المقطع الفائت على استدعاء تفاصيل تاريخية مهمة غيّرت مجري الأحداث في التاريخ القديم والحديث، فيستدعي من خلال مفردات إشارية بعينها تلك الأحداث المهمة مثل المصري الصامت صبرا، موحد القطرين بين الشمال والجنوب على الملك مينا نارمر قبل الميلاد، المصري نفسه الذي نسج الموت بالحياة والظلمة بالضي، تومئ كل هذه الإشارات الدلالية السابقة علي مدى فتنة حلمي سالم بابتكار المجازات التوليدية أو فيما عرف بالمجاز التوليدي، أعني أن كل المجازات تصب في مصب بعينه وتهدف إلي أهداف متنوعة داخل العالم الشعري الذي نسجه سالم من خلال الاتكاء علي ذلك المجاز التوليدي لأنّ الإبداع الشعري المتميز يقوم علي المجاز التوليدي الذي يشمل أبعادا متكاملة، يترأسها بعدان هنا: البعد الأسطوري والبعد الترميزي، وهذا المجاز يجعل اللسان الشعري، يقول أكثر مما كان يقوله عادة، ويمنح الشاعر طاقات عن الجوانب المستترة والجوانب الأكثر خفاء في التجربة الإنسانية.


سالي زهران


لاشك أن سالي زهران هذه البنت المصرية الشهيدة صاحبة المكياج البسيط والروح القوية التي راحت فداء لوطن أكثر روعة، فصارت سالي زهران رمزا للفتاة العربية المثقفة التي خرجت من أجل أسمي هدف في التاريخ، وهو تحرير وطنها المصري من جبروت الفساد والظلم، يُخاطب سالم في نصه الشعري مجموعة من الأرواح الخالة عبر الزمن، وتجلت هذه الأرواح من خلال استدعاء صورة المصري في ميدان التحرير على مر التاريخ، وصورة شهداء الثورة من شباب مصر الذي لا يملك أيديولوجية بعينها سوى حب مصر ذلك الحب الخالص من أجل الخلود، وتضمن النص أيضا تخليدا لروح الذات الشاعرة التي أسهمت في تغيير كبير طالما حلم به المصريون جميعا.

14