أيها الشعراء اكتبوا عن الحب

الجمعة 2013/11/08

لا أعرف إن كانت الحرب أقوى أم الحب.. ما يفعلان وما يتركان من آثار سوف تبقى خالدة إلى عصور مديدة.. ولكن من الذي سيخلد أطول؟ لدينا من قصص الحب بمقدار ما لدينا من قصص الحرب والدمار عبر التاريخ. قيس وليلى، وفرهاد وشيرين، ومعارك المغول الدامية، امتدادا إلى الحروب التي توالت في القرن المنصرم تسابق سرعة التقنيات والتواصل وارتفاع عدد البشر. ثم الأحداث والقتل والدماء التي أصبحت اليوم مشهدا مفاجئا وفي نفس الوقت اعتياديا عبر الشاشة الصغيرة والمواقع الالكترونية والصحف وحتى الأحاديث اليومية في العائلة وبين الأصدقاء.

بين كل هذا ما زلت أنتظر أن أقرأ قصيدة حب تشدني، وطالما كانت قصائد الحب أكثر ما أحب أن أقرأه من الشعراء. وما زال الأحب إلي هم أولئك الشعراء الذين كتبوا عن الحب وسط الحروب وفي المنافي والسجون وتحت ضغوط الظروف السياسية، وكأن الحب والكتابة عنه علامة لعدم استسلامهم لتلك الظروف.

كتبوا عما يعانون هم وشعبهم عنه، لكنهم تركوا تلك الفسحة المقدسة للحب في شعرهم، وبشجاعة بالغة أحبوا وعبروا عن حبهم ليشعر ببعض السعادة الآخرون الذين ضاق بهم الدهر ولم يعودوا يروا إلا الظلام والغربة والموت والدماء والدموع. إنهم خاضوا معركة أخرى عندما كتبوا عن الحب.

هو انتصار للحب في معركة ضارية أن يكتب مثلا ناظم حكمت من السجن:

ما أجمل أن أفكر بك/ أن أكتب عنك/ أن انام على ظهري وأتذكرك/ أتذكر ما قلتِهِ في ذلك اليوم/ ليس كلماتك/ بل عطر أيامك تلك… ما أجمل أن أفكر بك/ بين أخبار الموت والانتصار/ عندما أتجاوز الأربعين.

أو أن يكتب شاملو الشاعر الإيراني الذي عانى الكثير أيام الشاه بسبب انتماءاته اليسارية:

قبلاتك/ عصافير ثرثارة في الحديقة/ ونهداك خليّة الجبال/ وجسدك/ سرّ خالد/ يبحون لي به/ في خلوة عظيمة/ جسدك إيقاع/ وجسدي كلمة تجلس فيه/ لتولد نغمة فيك.

هذا ما يبقى.. قصيدة حب بهذه الرقة والعظمة، كأن الحب يرفع رأسه بكبرياء وهو تحت التعذيب ويصرخ في وجه الجلاد. وهذه البهجة هي التي تبقى خالدة كلما تكررت القراءات لهذه القصائد على مدى السنوات والعصور.

أعرف أن الشاعر يكتب عن كل ما يرى ويشعر به من حوله، فهو العين الحساسة في العالم التي ترى كل شيء بعمق جمالي وشعوري وحسي، وربما لا يمكن للشاعر الذي هدموا بيته وبيوت شعبه ألا يكتب عن هذا الخراب، وربما لا يحق لي أن أطلب كل ما أريد، لكني أرغب أحيانا أن أقرر بعض الأمور الصغيرة للعالم وأنتظر تنفيذها، وهذا من أجل الذين أحبهم فيه، ومن أجل أملي في أن يشعر الآخرون بفرح وإن كان خفيفا، لذلك أمنح لنفسي الحق أن أطلب وأرجو من كل الشعراء العرب الكبار الذين أحبهم جدا أن يكتبوا عن الحب.. أن يكفوا عن الصمت، أن يحبوا كلّ على طريقته، أن لا يخفوا ما يكتبون عن العشق، وأن يشهروا حبهم وغزلهم في وجه الحروب والسلطات القاتلة وأعداء الحب والسلام.. قصائد الحب سلام من نوع مختلف.. فاكتبوا عن الحب أيها الشعراء الذين نحبكم لنشعر ببعض الراحة والاطمئنان ولنلمس بعض الضوء في العالم.

___________

* شاعرة ومترجمة من إيران

14