أيها الكاتب انتبه!.. الأخ الأكبر يراقبك على كامل الكوكب.. ولا مفر لك

الخميس 2013/12/12
شخصية حقوقية ترفع رواية الأخ الأكبر لجورج أورويل وأمامها صورة تجمع سنودن وأوباما

لندن - "لا وجود لمائة في المائة أمن، وفي الوقت ذاته مائة في المائة حفظ لخصوصيات الأفراد،" هكذا صرح الرئيس الأميركي باراك أوباما يوماً في إحدى خطبه، إلا أن الموقف الصلب الذي اتخذه ما يربو على خمسمئة كاتب وكاتبة من أكثر من ثمانين دولة منذ يومين يعترض على ما هو أكثر إجحافاً من هذه الجملة المختزلة. فقد أصدروا عريضة دولية مفتوحة للتوقيع تحت عنوان "وقفة من أجل الديمقراطية في العالم الرقمي" يشجبون فيها أساليب مخابراتية تلجأ إليها الحكومات الغربية دون تمييز بغرض تعقب المواطنين والتجسس عليهم بدعوى حمايتهم ومحاربة الإرهاب.

كانت مجموعة مستقلة من الكتاب قد رتبت إصدار هذه العريضة اعتمادا على صلاتهم الخاصة وشبكة علاقاتهم الفردية، ومن بينهم الروائية الألمانية جولي زيه والمترجم البلغاري أيلجا تروجاناو والصحافية النمساوية إيفا ميناس. وفي يوم حقوق الإنسان العالمي أعلنوا العريضة مطالبين الأمم المتحدة بإصدار "قانون دولي للحقوق الرقمية" واحترام الحقوق الديمقراطية الأساسية مثل قرينة البراءة والحق في الخصوصية في العالم الرقمي، كما دعوا الحكومات إلى التوقيع على هذا الميثاق والالتزام به.

انتهاك الخصوصية


من ضمن الموقعين خمسة فائزين بجائزة نوبل للآداب: الروائي التركي أورهان باموق والروائي الجنوب أفريقي جي إم كويتزي والكاتبة المسرحية النمساوية الفريدا يلينك والكاتب المسرحي الألماني غونتر غراس والشاعر السويدي توماس ترانسترومر، ومعهم عدد من الكتاب الراسخين في عالم الأدب كالروائية الكندية مارجريت أتوود والروائي الأميركي دون ديليلو والروائية الهندية أرونداتي روي والروائي البريطاني مارتين آميس والروائي الأميركي ريتشارد فورد والناقد الإيطالي أمبرتو إيكو والروائي البريطاني إيان ماكوين والكاتب المسرحي البريطاني حنيف قريشي والروائي البريطاني كازو إيشيجورو.

في يوم حقوق الإنسان العالمي نشرت العريضة مطالبة الأمم المتحدة بإصدار "قانون دولي للحقوق الرقمية" واحترام الحقوق الديمقراطية الأساسية والحق في الخصوصية، ودعت الحكومات إلى التوقيع على الميثاق والالتزام به

ويكفي اتحاد هذه الأسماء السابقة كي يلتفت المجتمع الدولي ولا سيما المخابراتي إلى جدية المطالب وشراسة المطالبين وقلقهم على حرية الفكر وخصوصية الرأي، "إن الفرد الذي يتعرض للمراقبة لم يعد حراً؛ والمجتمع الذي يتعرض للمراقبة لم يعد ديمقراطياً. ومن أجل الحفاظ على أية شرعية، يجب تطبيق حقوقنا الديمقراطية في العالم الافتراضي مثلما نطبقها في العالم الواقعي".

الحق أن المخابرات الأميركية أو البريطانية لن تتكبد إلا بضعة نقرات من فأرة الكمبيوتر لكي تتنصت على هاتفك المحمول وتقتحم بريدك الإلكتروني وحسابك على الفيسبوك ومعرفة ما تبحث عنه في محركات البحث، بوسعها أن تراقب اتجاهاتك السياسية ونشاطاتك، وبالتعاون مع شركات الإنترنت، تجمع عنك المعلومات وتخزنها لحين الحاجة إليها، وهي أساليب أسمتها العريضة "بالسرقة"، "ليست هذه المعلومات ملكية عامة، إنها خاصة بنا". ولا ريب في أن الموقعين على العريضة يضعون في أذهانهم ما كشفه الخبير التقني العامل السابق في وكالة المخابرات المركزية الأميركية إدوارد سنودن في الشهور الماضية من عمليات تنصت هاتفية ورقمية جائرة النطاق على يد أميركا وحلفائها الغربيين.

24 في المئة لا يطرقون مواضيع معينة عبر الهاتف والبريد الإلكتروني

وعلى هذه العمليات علَّقت الروائية الدنمركية جان تيلر التي ساهمت في إخراج العريضة، "إننا مصعوقون لعدم احتجاج المزيد من الناس عليها". وفيما تشدد العريضة على أن "من حق كل البشر ألا يراقب مراقب أفكارهم وبيئاتهم الشخصية واتصالاتهم"، لا يوجد دليل على أن الكتاب يتعرضون لتهديد المراقبة أكثر من غيرهم من المواطنين، ولكن عملهم ذاته يجعلهم أكثر تأثراً بأخطارها وتمييزاً لها، فهم وفقاً لتيلر "يتعاطون دوماً مع الأسئلة الفلسفية الكبيرة في الحياة".


كارهو الحرية


الواقع أننا في حاجة ماسة إلى الضغط المعنوي العالمي من أجل ضمان أن يحد السياسيون من "الغزو الجماعي لخصوصيتنا" – كما أسمته جو جلانفيل مديرة مؤسسة بين الإنجليزية – من قِبل جهازي المخابرات في بريطانيا وأميركا – رائديّ التجسس في العالم أجمع. ولم يغب عن موقعي العريضة تسديد سهام الإدانة الضمنية إلى برنامج التجسس التابع لوكالة الأمن القومي الأميركية، والمقابل البريطاني لها المتمثل في مقر الاتصالات الحكومي، واصفين هذا النوع من الأنشطة بأنه "إساءة استغلال منهجية للسلطة وهجوم على أحد الدعامات الأساسية للديمقراطية…. ألا وهي سلامة الفرد المنيعة".

أيها العابر في العالم انتبه الأخ الأكبر يراقب!

كان أحد الاستطلاعات التي أجرتها جماعة بين لحقوق الكُتاب قد وجد أن 85 في المئة من الكتاب الأميركيين يخشون المراقبة الحكومية. وبينما قلَّص 28 في المئة من أعضاء الجماعة تواجدهم في الشبكات الاجتماعية من جراء هذا التحفظ، يتجنب 24 في المئة منهم طرق مواضيع معيَّنة عبر الهاتف والبريد الإلكتروني.

الأسوأ هو أن 16 في المئة منهم طفقوا يفرضون رقابة ذاتية على كتاباتهم متحاشين تناول مواضيع بعينها، منها الشؤون العسكرية ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والسجن الجماعي كما هو الحال في جوانتانامو وحركة الاحتجاجات العالمية 'احتلوا'، بل وانتقاد الحكومة الأميركية.

وبالرغم من أن العريضة أدانت تورط شركات الإنترنت في عمليات المراقبة، فقد أتت بعد يوم واحد من توجيه ثمانية من عمالقة التكنولوجيا في العالم – من بينهم فيسبوك وغوغل وأبل وميكروسوفت – خطاباً مفتوحاً إلى الرئيس الأميركي وقادة الدول الغربية، مطالبين بإجراء تغييرات شاملة في قوانين المراقبة من أجل الحفاظ على ثقة الجمهور في الإنترنت. لكن ما يتسرب من وكالة الاستخبارات الأميركية بين الحين والحين يؤكد أن المراقبة أسهمت – ولو على أنقاض الحريات الشخصية – في الحد من تحركات الإرهابيين و"كارهي الحرية" مثلما تطلق عليهم أجهزة المخابرات.

من بين الموقعين على البيان:
- التركي أورهان باموق

- الجنوب أفريقي جي إم كويتزي

- النمساوية الفريدا يلينك

- الألماني غونتر غراس

- السويدي توماس ترانسترومر

الأخ الأكبر


عله صحيح حقاً، فلو عرَّضت ملايين الأشخاص – مجموعة كاسحة غير منتقاة من الأقليات وأصحاب البشرة غير البيضاء كأولوية ثم مجموعة أيضاً كاسحة من المعارضين والمشاغبين من أصحاب البشرة البيضاء – إلى المراقبة المنهجية، قد يَسهل عليك جمع المعلومات والحد من انتقال الموارد المالية المشتبه فيها، وربما القبض على بعض المجرمين. حسناً، لم إذن لا تطالب المخابرات بالتجسس على العالم بأسره؟! إن من واجب الدول القيام بدورها في حفظ هذا التوازن الدقيق، فالاشتباه المدعَم بالأدلة لا بد أن يَسبق المراقبة، لا العكس. ولو أنها تعتمد كل هذا الاعتماد على التنصت على المكالمات والتجسس على البريد الإلكتروني وانتهاك المجال الشخصي وتقويض الحريات العامة وإساءة استخدام التطورات التكنولوجية، فلنقم إذن بإلغائها وتسريح أفرادها والاستعاضة عنهم ببرنامج تجسس هائل يشمل الكرة الأرضية بأسرها، ولنسمه في هذه الحالة 'الأخ الأكبر'!

85 في المئة من الكتاب الأميركيين يخشون المراقبة الحكومية

كان الروائي البريطاني إيان ماكوين قد صرح لصحيفة الغارديان البريطانية، "حيثما تستطيع الدول ممارسة الديكتاتورية، سوف تفعلها. إن الدولة تُفضل دائماً الأمن على الحرية. وقد أتاحت لها التكنولوجيا مؤخراً وسائل لا تسعنا مقاومتها، وسائل للمراقبة الجماعية سوف تبث الذهول في جورج أورويل -كاتب رواية "1948" التي تدين رقابة الدولة-. إنها عملية بلا هوادة – ما لم نقاومها. لا شك أننا في حاجة إلى الحماية من الإرهاب، ولكن ليس بأي ثمن".

15