أيها المأزومون استيقظوا

الأحد 2015/05/31

أيها المأزومون استيقظوا من السبات الذي فيه تنعمون، العالم يثور شرقا وغربا بالعلم والمعرفة وأنتم لا تزالون في أعماق الجهل تقبعون. متى تثورون على عقولكم المتخلفة، متى تثورون على رغباتكم المكبوتة، ومتى تثورون على أخلاقكم النتنة؟ متى تستيقظون وتدركون أن العالم لم يعد كما رباكم آباؤكم الرجعيون، متى تستيقظون من أحقادكم التي تصبحون وتمسون عليها؟ متى تستيقظون لتتعرفوا على أنفسكم وأرواحكم التائهة، متى تستيقظون وتتوقفون عن اللحاق بالقطيع التائه، متى تستيقظون من الخديعة التي تعيشون وتتغذون عليها، متى تستيقظون لحقيقة أن رضا الناس لن يزيدكم احتراما، ومتى تستيقظون لتنقذوا ما تبقى من احترام لأنفسكم؟

أعلم أن ما أكتب لن يقرأه من أوجّه الحديث له، فالمأزوم بكل الصفات التي ذكرت لا يقرأ حتى وإن كان متعلما ولا يفقه حتى وإن كان يمتلك مخا. هذه الفئة من المأزومين أصبحت عارا على وجه الأرض لكنها للأسف في تزايد ولا تتوقف عند عمر معين ولا جنس ففيهم الطفل والشاب والبالغ والذكر والأنثى. كل يوم أستيقظ لأتعرف على نماذج كنت أعتقد أنها سوف تندثر مع نور العلم والمعرفة. أنا وغيري نكتب وننادي ولكن لا حياة لمن تُنادي، فأصبحت أشفق على من كان منهم ومن سيأتي بعدهم في المستقبل.

المأزوم هو من اشتد قحطه وقل خيره علما وأخلاقا وسلوكا، نراه في كل مكان في الشارع وفي العمل ولكنه أكثر انتشارا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي الذي من خلاله يتفنن في التعبير عن أحقاده وغلّه على من هو مختلف عنه. هناك فئة من المأزومين من يظهرون بأسمائهم الحقيقية من تجار الدين لينشروا الضلالة بين الشباب في محاولات أغلبها ناجحة للأسف لغسل أدمغة هؤلاء الشباب. تُجار الدين هم الذين يُحرّفون بتفسيراتهم للقرآن كل ما قدمه لنا الله من جمال في خلقة للبشر ويُشوّهون الإسلام قدر استطاعتهم. وهناك فئة تنتشر من خلال التواصل الاجتماعي تحت أسماء مستعارة وظيفتها فقط الاعتداء على الآخرين بشتى الطرق يتباهى الفرد منهم في كل ما يعمل، والكارثة أنه يورّث تلك الصفات البذيئة لأولاده في المستقبل تماما كما ورث هو وهي من والديه.

في الماضي الجميل لم يكن التعليم ولا المعرفة متوفران لدى الكثير لكن الأخلاق هي التي كانت رأس مال الجميع، والغريب أن الآباء من كانوا بلا علم ومعرفة أنتجوا أجيالا تتمتع بأخلاق نادرا ما نراها في هذا الوقت. تلك الأجيال الرائعة تفكر ألف مرة قبل أن تسيء لغيرها، يُفكر الفرد منهم ماذا سيكون حال والديه إذا علما أن ابنهم أو ابنتهم تنازلت عن أخلاقها ومبادئها في التعامل مع الغير. وما بين المرحلتين شيء ما حدث أنتج فئات ضالة من كل المستويات لا خير فيها لأحد ولا حتى لأبنائها. فاليوم كثيرون هم المتعلمون الذين يخرجون لنا شباب بلا أخلاق ولا هوية ولا ضمير. أستغرب مما يحدث وأتساءل هل كلما تقدمنا تركنا مبادئنا وقيمنا أم أن مبادئنا وقيمنا لم تعد صالحة لهذا الزمان وهذا المكان!

في الماضي الجميل كانت هناك أسر مضطربة لكنها ليست كما هي اليوم، جيل الماضي تمسك بضميره الذي كان ينهاه عن الفحشاء والمنكر ولم يكن الدين هو فقط الذي يسيره إنما الأخلاق قبل الدين. أما اليوم عندما أتصفح حسابات المأزومين أرى أن معظمهم يستشهد بالقرآن والحديث بل ويطلب من الله حسن الخاتمة ولسانه ملوث بكل ما هو خبيث، يعيش ويتغلغل في تناقضات هو نفسه لا يعيها، إنسان مغيب بكل معنى الكلمة. الكثير منهم يرى وجوده ويثمنه من خلال رضا الآخرين من أشكاله ولا يعرف ما هو رضا الذات بل هو مأزوم يمر بأزمة هوية واضحة بلا شخصية ولا عقل يوجهه.

التفسيرات النفسية الأكلينيكية تُشير إلى أن الذكر الذي يتسلط بلسانه على أيّ امرأة هو يُعاني من اضطراب في علاقته بوالديه وبالأخص علاقته بأمّه كأن يكون شخصا لا يحترم أمّه لأنه رأى فيها منكرا فأصبح يعمم ذلك على سائر النساء الأخريات. أو أنه ذلك المأزوم المكبوت برغباته الجنسية لحد العجز فيشتطّ غيظا عندما يرى امرأة جميلة تختلف عمن تعود عليهن في طفولته فينهال عليها بالشتم والقذف ليشعر بارتياح ينسيه العجز والكبت الذي يعيشه. أما تلك المأزومة المكبوته التي تعتدي على النساء والرجال تسقط عليهم معاناتها التي مرت بها في طفولتها وتشعر بارتياح عندما تُشبّه غيرها بها. والدراسات النفسية تشير إلى أن حظ الإناث في اضطرابات الشخصية بكل أشكالها أكثر من الرجال فهي تمثّل ما يُقارب الثمانين بالمئة وربما أكثر.

المأزوم لا يخجل من نفسه ولا يخجل من أن تشير أصابع الاتهام إلى من رباه لأنه لا يكترث. المأزومون تائهون وهم لا يعون ذلك فلا يعرف الواحد منهم مكنونات نفسه لأنه مشغول بالغير منذ أن يصبح إلى أن ينام، لا هو يعرف ما يريد ولا يعرف السكينة والاطمئنان، روحه سجينة تريد الخلاص وهو يزيد في قيد روحه بالإصرار على التخلف والرجعية والتأزم. العالم بما فيه من مأزومين يتزايد ولا يسعني هنا إلا أن أنادي بأن يا أيها المأزومون استيقظوا.

استشارية نفسية وكاتبة من الإمارات

4