أيها المبدعون لا تنسحبوا من الفن بدعوى التدين

الباحث هشام النجار يطرح في كتابه التصور الإسلامي الراقي للتعامل مع الواقع الفني ورموزه.
الجمعة 2018/05/25
لا تناقض بين الدين والمعرفة والفن

يسعى الباحث هشام النجار في كتابه “المصالحة بين الإسلام والفن” إلى مشروع فكري بديل برؤى منهجية ونقدية عميقة لعلاقة الإسلام بالفن، كاشفا عن بدائل موضوعية وضامنة لحماية المنهج الإسلامي المتوازن ممن يشوّهونه ويلصقون به ما ليس فيه من تصورات معادية أو مصادمة للقيم الفنية والإبداعية والجمالية، يطرح فيها التصور الإسلامي الراقي للتعامل مع الواقع الفني ورموزه.

تحالف فني

رأى النجار في كتابه، الصادر عن دار سما، أن الكلام عن الشهوات والملذات فيه تفصيل وتدقيق في الشريعة؛ فليست كل شهوة تصبح محرمة من دون دليل أو حجة أو برهان، وليست كل شهوة محرمة يحرم بالتبعية الحديث عنها أو تناولها ومعالجتها دراميا أو بالنقاش الفكري أو العمل الإبداعي بالضوابط اللازمة وبصورة تتناسق مع الرؤية الإسلامية.

وأكد أن الإسلام ليس ضد أصل الفن، لكنه يتعامل بندية في مواجهة الهبوط والانحراف والفساد والابتذال، بمعنى أنه لا يعارض أصل الأشياء ولا يسعى لنفيها وطمس ملامحها واجتثاثها بالكلية، إنما يواجه الجزئيات المنحرفة ويتعامل معها بروح المنافسة والنقد لردها للأصل الطيب، أو على الأقل لتقليل تأثيرها الجماهيري المجتمعي السيء وجذب جمهورها العريض نحو التوظيف الأمثل للفن ونحو إنتاج مبدعيه المخلصين لرسالته السامية؛ فالمواجهة في الأساس ليست مع الفنون كونها فنونا، إنما مع جزئيات عارضة وفروع وممارسات طارئة، أما الفن فساحاته وعطاءاته رحيبة فسيحة تسع الجميع.

 

بتنا نشهد الكثير من الظواهر في الساحة الثقافية العربية وخاصة الفنية اليوم، من أهمها انسحاب بعض الفنانين بدعوى “التوبة” أو التدين، ما خلق رؤية خاطئة عند العامة تقول بتعارض الدين والفن وكل ما هو ثقافي وإبداعي. وهذا ما ساهم لا في التراجع الإبداعي فحسب بل في التراجع العام

ولفت النجار إلى هناك الكثير من الرموز الفنية والثقافية من يحمل الخير والصدق والإخلاص والرغبة في خدمة قضايا وطنه وشعبه، ورسالته الأولى دعم تماسك المجتمع ونشر السلام والمحبة، وعلى امتداد تاريخ الفن المصري والعربي هناك جوانب مضيئة وزوايا يتاح من خلالها مدّ جسور التعاون والتواصل والتكامل، وأهمها ذلك النضال المشهود للمثقفين والفنانين الوطنيين ضد الاستعمار ودورهم في إنضاج وعي الشعب وإلهاب حماسته للرفض والغضب والكفاح ليسترد كرامته وحقوقه.

وأوضح أنه لا بد من أن نتعرف على الفن “الكادي” والأدب “الكادي”، يُعرفه قول الرسول صلى الله عليه وسلم “إن كاد ليسلم في شعره”، فالكاديون هم مسلمو الشعر والأدب والغناء والدراما والإبداع وإن لم يكونوا مسلمين عقيدة، وهي العبارة التي تنطبق بامتياز على كم هائل من عيون الأدب والفن العالمي الذي أنتجه مبدعون ومفكرون وفنانون عالميون وعرب غير مسلمين عقائديا، لكنهم التقوا حضاريا مع غايات الإسلام وروحه ومقاصده، أمثال تولستوي وبوشكين وجوتة وبرناردشو وأناتول فرانس وإدغار آلان بو ومارون عبود وغيرهم، فهم وإن لم يعتنقوا الإسلام صراحة فإن إنتاجهم الفني والإبداعي إنتاج إسلامي ويكاد ينطق بالشهادتين بحسب هذا التوصيف النقدي الدقيق من النبي البليغ البصير صلى الله عليه وسلم عندما قال “إن كاد ليسلم في شعره”.

وشدد النجار على أن المنهج الإسلامي ليس غريبا على الأرض والكون والمجتمع، فهو قبل مجيء رواده والمنافحين عنه ورموزه مرتبط بالحياة وبالتاريخ وبالوجود، ولذلك ففي المجتمعات وعند الناس وفي أعرافهم وثقافاتهم وتقاليدهم وقوانينهم، بل وعند حضارات وثقافات الخصوم أيضا الكثير مما يتفق معه ومما يفيده ويدعمه.

وأوضح أن السلوك الصحيح ليس المفاصلة التامة عن الوجود والمجتمع أو حتى عن الخصوم واختيار العزلة عنهم ومقاطعتهم شبه النهائية، وليس الانقطاع عن الواقع بزعم ضرورة هدم القائم ثم البناء من جديد، إنما البناء على ما هو قائم من خير وإيجابيات، والاستفادة مما عند الشركاء والفرقاء من مشتركات.

وطالب النجار أن يتسق ويتحالف ويتعاون الدين والفن معا لغايات واحدة لخدمة الإنسان وقضاياه وترقية مفاهيمه وأشواقه ومشاعره وثقافاته ومعارفه، ونتيجة هذا التكامل وثمراته هي المنتصرة والغالبة جماهيريا بطبيعة الحال؛ فغالبية الجماهير تميل بحكم الفطرة والانجذاب للجمال والإبداع الحقيقي إلى الأعمال الفنية الراقية الهادفة.

هشام النجار: على الدين والفن أن يتحالفا
هشام النجار: على الدين والفن أن يتحالفا

الانسحاب ليس حلا

وجه النجار رسالة للمنسحبين من مجال الفن بزعم التدين متسائلا: لماذا لا ينسحب أصحاب القيم والأهداف النبيلة وحملة الرسالة من مؤسسات بها فساد أو اختلاس أو رشوة غير مؤسسة الفن؟ وتلك هي طبيعة أي كيان وأي تجمّع بشري، فإذا حدث هذا الانسحاب الجماعي بزعم وجود انحرافات وفساد في هذه المؤسسة أو تلك لانزوى الخير ولانهارت الفضيلة وانهزم المعروف وضاعت القيم واختفى أصحاب الضمائر الحية والمبادئ النبيلة.

وأكد النجار أن شخصية المتديّن المصري والعربي لم تجد كيانا ثقافيا محترفا ومنظما ينهض بالتعبير عنها وإنصافها وطرح رؤاها ومعالجة قضاياها بشكل شفاف متجرّد، وحمايتها والدفاع عنها كما يجب. ورأى أن “الفنانين عادة ما يستخدمون الأكاذيب لإخبار الحقيقة، لكن هناك منهم أيضا من يستخدم الحقائق لترويج الأكاذيب وتضليل البشر، فأين جهود المبدعين العرب والمسلمين في استخدام الخدع السينمائية وهذا الأسلوب الفني الساحر الذي يقبل عليه الناس بشكل مذهل لكي يخبروهم عن الحقائق وعن الرواية الصحيحة للتاريخ والوجود، مع إيصال وجهات نظرهم السياسية وموقفهم من الأحداث والمستجدات”.

ورأى النجار أن موازين القوى السياسية في العالم اليوم تعكس بصورة واضحة كيف لعبت الفنون والفعل الثقافي الاستراتيجي المدروس الدور الأكبر والأهم في تشكيل خارطة موازين القوى السياسية، حتى يكاد يتوزع النفوذ الدولي والإقليمي اليوم بين من يمتلكون منافذ وأدوات مخاطبة العالم حضاريا وثقافيا وفنيا، لتصبح مقولة أفلاطون هي الأكثر صدقية وتحققا على الأرض عندما قال “رواة القصص هم من يحكمون العالم”.

وقال النجار “نحن لا نتحدث عن وحدة عربية إنما عن تنسيق مصالح يجعل العالم العربي سينمائيا وإعلاميا في حال من القوة، وهذا التنسيق لا يحتاج إلى ملايين، ولا إلى تكنولوجيا الفضاء ولا إلى خبراء أجانب، وإنما فقط يتطلب إعمال العقل في كل بلد عربي على حدة وبين كل الدول العربية مجتمعة”.

14