أيها المثقف يريدونك أن تستسلم

الأحد 2014/11/16
السياسة تؤدي دوماً مهمتها اليومية كالتاجر الفطن

يمثل الاهتمام بما هو جماعي ويشكّل وحدة جغرافية وثقافية جوهر النشاط السياسي، فالسياسة تهتم دائماً بمعالجة شؤون العامة بغض النظر عن النزعات الذاتية والفردية. ولذا فهي تعتمد أحياناً على النظريات الشمولية لإخضاع الجمهور العام، مثلما يحدثنا تاريخ الأنظمة الدينية والاشتراكية والرأسمالية. وتقف السياسة بهذا المنحى على النقيض تماماً من الثقافة التي تنشأ ذاتياً في الأصل وتعتني كذلك بما هو فرديّ محضّ. فالسياسة تلجأ إلى التعبئة والنشاط الوظيفي المجرّد للدولة، وتقتصر مهمتها على الأداء البيروقراطي، وتتفادى قدر المستطاع التحديات والقضايا الكبرى. ويستخدم السياسيّ في ذلك وسائل ليست نزيهة، ويكون مستعداً لارتكاب أشدّ الأعمال وحشيةً بغية تحقيق الغرض الوظيفي للدولة، ولكي يتبوأ مركزاً مؤثراً في المجتمع. وهذا هو سبب الشعور الجمعي العام بأنّ السياسيّ أهم من المثقف بما لا يقاس. ولا يتردد السياسي في اتخاذ قرارات ارتجالية لتحقيق أغراض قصيرة الأجل، لكنها تضمن له وحده البقاء.


الملجأ الأخير


غير أنّ الثقافة تتّبع، على العكس من ذلك، وسائل تعبير فردية في المقام الأوّل، وتشدد على إبراز الأنا مقابل الجماعة. وفي الحقيقة أنّ السياسة والثقافة تعارضان بعضهما البعض من ناحية مبدئية، فهما طرفا نقيض لا يلتقيان إلا في الجانب المادي، ولا يلتقيان أبداً في الجانب الروحي أو النفسي أو العقلي. فالسياسي، ديمقراطياً كان أم مستبداً، ينطلق من الاعتقاد بأن في مقدوره التحكم بمصائر الآخرين، بمن فيهم المثقفون الذين يعيشون، عادةً، تحت رحمته ومن الصدقات التي يغدقها عليهم. ويتمنى السياسيّ الذي يعتبر المثقف شخصاً رومانسياً حالماً ألاّ يتدخل أبداً في الشأن السياسي العام، وسيكون العالم حينئذ على ما يرام؛ وذلك على الرغم من أن الثقافة هي آخر مكان يلجأ إليه الكاتب خشيةً من سطوة السياسي وبطشه، اعتقاداً منه بأنّ الكاتب المثقّف مرتبط به مادياً قبل كلّ شيء.

ويحاول السياسيّ إغراء الكاتب واستمالته أحياناً وإسكات صوته عبر الوظائف والمنح والجوائز، إنْ لم يكن قادراً على إسكاته بأساليب الترغيب وحدها. وهو يعلم بأنّ تدخله هذا يطلق رصاصة الرحمة على الكاتب والكتابة معاً، وهذا هو هدفه النهائي الذي لا يحيد عنه قيد أنملة. وقد حاول أفلاطون، أوّل منظّر للدولة السياسية، أن يضع ضوابط صارمة للشاعر، فنزع عنه حتى هذا اللقب، فقال: “إذا ما أراد رجل ما دخول دولتنا بفضل فطنته التي تتيح له محاكاة كلّ شيء، فيعرض نفسه وقصائده علناً، فإننا سنبجله، حينئذ، باعتباره قديساً وإنساناً طيّباً يستحق الاحترام. لكننا سنقول له إنّ رجلاً كهذا لا وجود له في دولتنا، ولا يحقّ له أن يدخلها، وسنبعده إلى دولة أخرى بعد أن نعطر جسده بزيت المُرّ ونكسوه بالصوف. فنحن نكتفي بالشاعر أو الراوي الصارم، وذلك من أجل المصلحة العامة فحسب”.

المثقف ليس باحثا تجريبيا ولا عالما فيزيائيا أو اقتصاديا، بل رائيا ومتكهنا وملتزما بما يمليه عليه ضميره قبل كل شيء

أفلاطون يسعى، هنا، إلى نزع البعد الخيالي الفنطازي عن الكتّاب والشعراء ليصبحوا أعضاء نافعين في المجتمع، أو جمهوريته. فهو لا يرى فائدة مباشرة في نشاط المثقفين الإبداعي. وقد وجدت هذه الفكرة السياسية الجذرية مكاناً لها في الفكر الإسلامي أيضاً الذي وضع الشعر والشعراء في خدمة الدولة السياسية الدينية. وعبّر القرآن أبلغ تعبير عن الوظيفة المنشودة للأديب بالقول “والشعراءُ يتّبعهم الغاوون، ألم ترَ أنّهم في كلّ واد يهيمون، وأنّهم يقولون ما لا يفعلون”. وتكفي قصّة الشاعر المخضرم حسّان بن ثابت مثلاً في هذا السياق بعدما أصبح شعره بعد اعتناقه الإسلام يؤدي وظيفة نفعية سياسية بالمفهوم الأفلاطوني، ومنزهةً عن الغرض التربوي والجمالي.


إقصاء المثقف


وغالباً ما يساء فهم أيّ محاولة يبذلها المثقّف ترمي إلى الابتعاد عن السياسة، بل ويعاقب عادةً بالحرمان والعزلة والتهميش مثلما نرى في العديد من دول العالم وخاصة في المنطقة العربية. وقد خاض الشاعر الألماني “غوتفريد بن” على سبيل المثال تجربة التهميش والإقصاء إبّان الحقبة النازية في ألمانيا، مع أنه كان في البدء من أنصار الأيديولوجيا النازية، بحجة أنّه كان يدعو إلى العدمية واليأس، فكتبت عنه الجريدة الرسمية للحزب النازي، "شفارتسر كوربز"، بلهجة آمرة: “أعلن استسلامك أيها الشاعر بن. فقد انتهى إلى الأبد زمن مماحكاتك القذرة الرامية إلى نقل الغباء الفكري إلى صفوف الشعب”. فمنع بن رسمياً من النشر في الصحافة الألمانية بعد عام 1938.

صراع بين المثقف والسياسي


طبيعتان متعارضتان


فالسياسة تؤدي دوماً مهمتها اليومية كالتاجر الفطن، بالمعنى الأفلاطوني الوضعيّ-البراغماتيّ، الذي يراجع بضاعته وحساباته بشكل منتظم، لأنّ أيّ غفلة منه ستؤدي إلى كساد تجارته. والسياسة تجهد نفسها لتحظى بتأييد “المواطنين”، ومن ضمنهم المثقفون، لكي تتفادى التنافر وعدم الانسجام الاجتماعيين، في الوقت الذي يدافع فيه المثقّف بضراوة عن جزيرته الروحية أمام الطغيان السياسيّ الشامل. والمثقّف ليس باحثاً تجريبياً ولا عالماً فيزيائياً أو اقتصادياً، بل رائياً ومتكهناً وملتزماً بما يمليه عليه ضميره قبل كلّ شيء، فيصغي إلى إيقاع قلبه دون مراءاة أو خوف حتى من صاحب السلطة المتنفّذ. ويتسع خزين المثقّف المبدع فيشمل العديد من الحقول المعرفية، فيكون معاصراً ويعالج التاريخ الموغل في القدم. فهو معنيّ بنفسه وبعملية النضج الاجتماعي، وليس بالقرارات والخطوات السياسية المتطرفة، ولا يصارع من أجل التوصل إلى حلول وسطية أو اتخاذ قرارات عاجلة. وينتمي السياسيّ صانع القرارات والكاتب صانع الثقافة إلى طبيعتين مختلفين متصارعتين أبداً، إلى درجة أنّ السياسي لا يتورع عن استخدام العنف لإزالة الطرف الآخر الذي يرى فيه منافساً يومياً خطيراً. فكلّ سياسيّ هو دكتاتور مستبد بالضرورة ومستعد للانقضاض على خصومه السياسيين ورفاقه أيضاً متى ما رأى في نفسه القدرة على ذلك. وكثيراً ما يضيق السياسي ذرعاً بالكاتب المثقف وجموحه واستقلاليته ونرجسيّته أحياناً التي تمليها عليه نزعته الوجودية على العموم، فيستخدم السياسيّ جميع الوسائل المتاحة أمامه لإزالة المثقف وتصفيته جسدياً إذا ما اقتضى الأمر. ولم يحدث في التاريخ أن قام المثقف بتصفية خصمه السياسي، بل العكس هو ما كان يحدث دائماً. ولأن الكاتب أو الأديب أو المثقف عموماً، لا يمتلك سوى الكلمة سلاحاً، فإن السياسي يرى في ذلك ضعفاً يستغله للإيقاع بهذا المثقف فيطيح به ويزيله عن طريقه. والحلّ الوحيد المتاح أمام الأديب لتصفية حسابه مع رجل السلطة، والانتقام منه هو اتّباع الأساليب ذاتها التي يوظفها السياسي لتثبيت سلطته وهو تشكيل حزب أو تنظيم سياسي. وهذا هو الفرق الجوهري الذي كان يفصل بين كارل ماركس السياسيّ وهاينريش هاينه الشاعر، وموسليني الديكتاتور وعزرا باوند الأديب المتعاطف مع الفاشية، ولينين القائد البروليتاري وماياكوفسكي الرومانسي الثوري، وقد خاطب لينين الروائي مكسيم غوركي ذات مرّة بالقول: “إنني لا أفهم كثيراً في الأدب، لكن روايتك “الأمّ” جلبت لحزبنا الكثير من الأعضاء الجدد”.

وعلى الرغم من جميع الجسور التي أقيمت لردم الهوة بين السياسيّ والمثقّف، فإنّ الشكّ وانعدام الثقة بين الطرفين كانا يغلبان دائماً على العلاقة الملتبسة بينهما. وكثيراً ما كان صنّاع الثقافة يعانون من الاستراتيجية المجحفة للساسة التي تقضي بتهميشهم وإقصائهم، بحجة أنهم فائضون عن الحاجة الأساسية للمجتمع، بل إنّ الساسة يحمّلون المثقفين أحياناً مسؤولية الأخطاء التي ترتكبها السياسة نفسها. والشيء الأكثر سوءاً من ذلك كلّه هو المنافسة المباشرة من طرف السياسيّ في ميدان الكتابة. وقد رأينا العديد من الساسة الذين نظروا إلى العملية الإبداعية باعتبارها نشاطاً روتينياً بديهياً، لا يتطلب سوى تسجيل المواقف والخبرات الذاتية، فأجهز هذا التفكير العقيم على المثقّفين والثقافة برمتها.

11