أيها الموت تمهّل

الأربعاء 2015/11/11
جهاد هديب يختتم مخطوطة الحياة

بعد رحلة قمت بها إلى موقعين مهمين من آثار الحضارة الكُشية، عدت إلى بلدة “كريمة” في الولاية الشمالية بالسودان، وقررت قضاء ساعات الظهيرة عند شاطئ نهر النيل. فتحت الهاتف فظهر منشور الصديقة الأديبة جميلة عمايرة، كانت صرخات ألمي تحمل موج نهر النيل معها، إنه جهاد هديب إذن، الشاعر الذي تعرفت إليه في منتصف تسعينات عمّان، وكانت مجموعته الشعرية الأولى “تعاشيق” مدار حديث إيجابي دار حولها بيني وبين شاعر عراقي حينذاك.

قبل هجرتي إلى آخر بلد في العالم (نيوزلندا) أخبرني أنه قرأ لي في مجلة “مشارف” الفلسطينية، التي أصدرها الراحل الكبير أميل حبيبي (من سوء الحظ لم يصل العدد إلى الأردن)، وعدني أن يحاول الحصول على نسخة، لكن ليس بالأمر حيلة.

تقطعت السبل بيننا حتى التقينا في الشارقة، قضينا وقتنا ولا حديث لنا سوى الشعر. كان مشغولا بالصحافة وخشيت أن تسرقه من إبداعه، فلقد راح الآلاف ضحيتها، لكن الصحافة التي لم تتمكن من سرقته، جاء الخبيث (يا لعبقرية اللغة العربية !)، نعم الخبيث سرق منا هذه المرة جهاد هديب الشاعر والصحفي والإنسان، المبدع الذي تميزت تجربته الشعرية بخصوصية وانعتاق من هيمنة الخطاب الشعري السائد، نحو آفاق شعرية جديدة تمتثل لشروط الحداثة المبنية على التمرد والتجديد. رحل جهاد هديب مبكرا، لكن تراثه الإبداعي باق. إن أقسى المواقف هو أن تجد نفسك راثيا لأصدقاء وأحبة. قبل أيام ودعنا الشاعر الرائد والمجدد مؤيّد الراوي والآن شاعر متميز بإبداعه، أيّ أسى هذا.. أيها الموت تمهل ليكمل الشعراء أحلامهم.

15