أيهما أنسب: ملكية برلمانية أم جمهورية

الخميس 2014/07/03

للصّدف في حياة المرء غرائبها وعجائبها، وهي ككلّ ما تحمله الأيّام ذات وجهين، هذا يسرّ والآخر يحزن، والمرء دوما لهما طعمة وضحيّة.

خالجتني هذه الأفكار “المتفلسفة” لأننّي قبل ثلاثة أسابيع، تابعت عن كثب رحلة ملك أسبانيا- المتنازل منذ يومين- إلى دول الخليج العربي خاصّة منها السّعوديّة والكويت، رحلة أبى إلاّ أن يقوم بها رغم تدهور صحّته، ملبّيا نداء ضميره، مستجيبا لواجبه الوطني، لأنّ رحلته تلك ستأتي لبلاده باتساع في الشهرة وتحسين للسّمعة، ونموّ للفائدة الماديّة، وتعريف بتقدّم التقنية فيها.

بيت القصيد، إنّما هو متابعتي آخر رحلة عمل أنجزها العاهل الأسباني، وما خالجتني من أفكار وأنا أشاهده متعبا مرهقا. تساءلت: لمَ يا ترى لا يخرج الملوك أو يحالوا على التقاعد؟ ألا يحقّ لهم أن يتمتّعوا بنهاية عمر في راحة، بعيدا عن المسؤوليّات كأيّ “خادم دولة “- حسب التعبير الإنكليزي-؟

لم تنمح تساؤلاتي بعد من ذاكرتي حتى جاء ما لم يكن متوقعا. فهل هي الصّدفة، كما أشرت في مستهلّ هذا الحديث؟ أم هو توارد خواطر؟ أيّا كان الجواب، فالواقع المفاجئ هو وصول خبر يقول إن الملك اتصل برئيس الحكومة يخبره بعزمه على التنازل أي يريد التقاعد، ويطلب منه إعداد الإجراءات الدّستوريّة لذلك، لأنّ الغريب في الأمر هو أنّ الدّستور جاء خاليا من احتمال كهذا فلزم سنّ قوانين لمجابهة الوضع.

المهمّ في كلّ هذا هو أنّ خوان كارلوس الذي ورث شرعيّا أو قانونيّا، أوسع وأشمل السّلطات عن الدكتاتور فرانكو، لم يشأ استغلالها بل تنازل عنها جميعها، وأشرف على عمليّة تحوّل مثاليّة من الدكتاتوريّة إلى الديمقراطيّة، منحت، بل أعادت السيادة لصاحبها، أي الشعب، عن طريق ملكيّة برلمانيّة دستوريّة، تميّزت بنظام ديمقراطي ضمن كلّ حقوق المواطن، حتّى أسماها بعضهم “الجمهوريّة المتوّجة”.

أذكر أنّي في واحد من اللّقاءات التي حظيت فيها بالتحدّث إليه، قلت له مازحا، مولاي، إنّي جمهوريّ حتّى النخاع، مولدا وتربية ونضالا، لكنّي أمام ما أشاهده في عهدك ونظامك، أراني متحوّلا لأصير ملكيّا. رفع سبّابته منذرة وأجابني: إيّاك ثمّ إيّاك أن تهفو فتأتي هذه الزلّة! فعملت بنصيحته، لكن دخل الشكّ نفسي، فتزعزع بعض إيمانها بالنظم الجمهوريّة، لما يُشاهد ويُرى ويُعاش من أمثلة، جعلت النظام الجمهوريّ كما قال الشاعر محمود غنيم في رواية شعريّة على لسان الصّحابي أبي هريرة: أصبحت والله قيصريّة * الحكم موقوف على الذرّيّة.

أطلت ولا شكّ الحديث عن هذا الملك، لأنّي أمام تجربته والتجربة الدّيمقراطيّة الأسبانية التي صدرت بشأنها المؤلفات وأمام الأمثلة التي تحياها بلداننا من العراق إلى جبال الأطلس، ليس ثمّة ما يبعث على الثقة في أنظمة مُسخت فتحوّلت إلى أضدادها، وبما أنّ بلداننا تعيش مخاضا نريده أن يسفر عن مولود يتمتّع بكامل الصحّة والعافية، لا بدّ لنا أن نحاول الإجابة عن سؤال: أيّ النظامين، الملكي والجمهوري، أنسب لبلداننا العربيّة؟

سؤال جدير بأن يؤخذ مأخذ الجدّ والتّبصّر، حتّى تأتي الإجابة عنه موضوعيّة، بريئة من ذنوب أيّة عاطفة، أو تقليد، أو تزمّت وتحجّر. يليق بالمجيب أن يضع الملكيّة البرلمانيّة الدّستوريّة والجمهوريّة بالتّساوي على كفّتي الميزان، فيزن محاسن ومساوئ النّظامين، السّياسيّ، والماديّ، والإجتماعيّ، والأخلاقيّ، وغيرها ممّا يميّز كليهما.

إن الأمثلة من النّظامين أمام المجيب كثيرة، فلا يصعب عليه استنتاج العبر منها، إذا هو تخلّص من مشاعر الكراهيّة أو البغضاء أو الخوف، تجاه هذه أو تلك، نتيجة ما تحمّله أو قاساه، أو اعتمادا على ما شاهده وعرفه.

أمّا صاحب هذا القلم، فقد مرّ منذ فترة غير قصيرة من هذا الامتحان العصيب دون أن يستقرّ على رأي حاسم، أو حكم فاصل، غير اعتبار كليهما حسنا ورديئا، ضارّا ونافعا، كلاهما يحمل في طيّاته الخير والشرّ، الحرّيّة والعبوديّة، الإنصاف والظلم، وكلّ الأضداد والمتناقضات التي يمكن أن يحملها أو يتّصف بها أيّ نظام. أين يكمن الفرق إذن؟

في عنصرين هما أساس كلّ نظام وكلّ حكم أو إدارة، أعني الحاكم والمحكوم. فالحاكم ليكون كذلك لابدّ له من التحلّي بخصال كثيرة لم يغفلها ديننا الحنيف، فجعل العدل أوّلها بقول الله عزّ شأنه: “وإن حكمتم بين النّاس أن تحكموا بالعدل”. لكن هناك خصالا أخرى لابدّ أن تتوفر لدى الحاكم، كالحياد وعدم التحزّب، وقبل هذا يجب أن يكون متعدّد التكوين والمعارف، وأن يكون من كلّ المواطنين وإليهم.

كذلك المحكوم لابدّ أن يسلك سلوكا يؤكّد به شخصيّته وفاعليّته، ليصبح بحقّ أحد العنصرين الفاعلين. يجب أوّلا أن يؤمن بنفسه، بعد إيمانه بالله، فيكون مواطنا لا رعيّة، وأن يعرف واجباته التي تنتج عنها حقوقه، فيتعامل مع الجميع انطلاقا من أنّ الوطن للجميع، وأنّ لا فرق بين مواطن وآخر إلاّ بالعمل والإنجاز، وأنّ الحقّ يعلو ولا يُعلى عليه، فلا بدّ من احترامه والإصداع به، بلا خوف ولا نفاق، لكن بالكلمة الطيّبة، والحوار الصّريح، بعيدا عن كلّ عنف أو إكراه.

هذه الشروط، إذا ما اعتُبرت، تفرض الإجابة عن سؤال جديد قبل اختيار أحد النظامين وهو: هل يتمتّع العنصران في بلداننا بالأوصاف المشترطة؟ سأترك الإجابة لحصافة القارئ الكريم. أمّا خلاصة القول التي توصّلت إليها فهي: كيفما تكونوا يولّى عليكم.


كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

8