أيوب الخزاني وذعر أوروبا من القادمين الجدد

السبت 2015/09/19
الخزاني شاب عاطل عن العمل صنع منه الإحباط والإهمال إرهابيا

مساء يوم الجمعة 21 أغسطس 2015،على الساعة الخامسة وخمسين دقيقة، حدث ما يشبه أفلام “الأكشن” الأميركية المثيرة، فقد كان قطار “تاليس” الذي انطلق من باريس باتجاه أمستردام قد غادر محطة بروكسيل، عندما أشهر شاب نحيل، قاتم السحنة كلاشينكوفا وأطلق النار ليصيب مسافرا فرنسيّا في الرقبة.

وكان من الطبيعي أن يدبّ الهلع في قلوب المسافرين، خصوصا بعد أن تأكد لهم أن الأمر يتعلق بعمليّة إرهابية، لكن كان بين المسافرين، جنديان أميركيان (إليك سكارلاتوس، ووسبنسر ستون)، وطالب أميركي (أنطوني سادلار)، ومواطن بريطاني يدعى كريس نورمان.

في رمشة عين، ومن دون أيّ ترددّ اتفق الأربعة على مهاجمة الشاب الذي كان في حالة من الهيجان المخيف. وفي بضع لحظات، تمكنوا من السيطرة على الشاب، وتجريده من أسلحته المتمثلة بكلاشينكوف ومسدس أوتوماتيكي وشفرة حادة.

ويوم الاثنين الموافق للرابع والعشرين من الشهر ذاته، استقبل الرئيس الفرنسي الرجال الأربعة ليقلدهم وسام الشرف الرفيع تقديرا لشجاعتهم التي أبطلت عملية إرهابية خطيرة كان يمكن أن تؤدي إلى مقتل عدد كبير من المسافرين.

أما الرئيس الأميركي باراك أوباما فقد نعت الرجال الأربعة بـ”الأبطال”، ممجدا العملية الجريئة التي قاموا بها في قطار “تاليس”، والتي منعت الشاب المغربي أيوب الخزاني من ارتكاب مجزرة، قد تكون أشنع من تلك التي ارتكبها الأخوان الجزائريان كواشي في مقر جريدة “شارلي إيبدو” في السابع من شهر يناير من هذا العام.

سلالات المهاجرين

ولا يختلف الشاب المغربي أيّوب الخزاني عن الكثيرين من الشبان العرب، من المشرق أو المغرب العربيين، الذين ينتمون إلى الجيل الثالث أو الرابع من المهاجرين، والذين انجذبوا إلى الحركات الجهادية المتطرفة، ليتحولوا بين عشيّة وضحاها الى إرهابيين خطرين، ومثلهم كان قد انقطع أيضاً عن الدراسة مبكرا، وثقافته الدينية محدودة للغاية. أما اللغة التي يتكلم بها فهي مزيج من لغته الأم، ومن لغة البلاد التي هاجرا إليها. لذا يمكن القول إنه “مسلوب الهوية” يبحث في العنف وفي التطرف عمّا يمكن أن يخفف عنه العقد النفسية التي يعاني منها.

وأمام المحققين الفرنسيين، تحصّن أيوب الخزاني في البداية بالصمت، رافضا الإجابة على جميع الأسئلة التي طرحت عليه. لكن بعد مرور يومين على اعتقاله، انطلق لسانه ليعلن أنه أمضى الأشهر التي سبقت عمليّة “تاليس” الفاشلة متنقلا بالقطار بين بلجيكا وألمانيا وهولندا والنمسا. وأثناء الاستنطاق عبّر عن إعجابه بعملية “شارلي إيبدو” التي اعتبرها عقابا لفرنسا، و”لحضارتها الإرهابية، ولماضيها الاستعماري”.

شهر واحد يمضيه الخزاني في العمل في فرنسا في شركة هواتف نقالة بريطانية، بعدها تبلغه الشركة بأنها لن تجدد العقد معه، من دون أن توضح أسباب ذلك، لتنسد الآفاق أمام أيوب، الذي بات يعيش حالة من الإحباط واليأس، وللتخلص منها قرر السفر سرا إلى سوريا

العمل والبطالة

ولد أيّوب الخزاني في الثالث من شهر سبتمبر 1989. وفي العام 2004، تمكن والده من الحصول على أوراق الإقامة في أسبانيا، لذا جلب جميع أفراد عائلته ليقيموا معه في حيّ المهاجرين المغاربة في مدينة “الخوزيراس” التي تقع مقابل المغرب بحيث يمكن أن نرى منها المدن والقرى المغربية الواقعة على الضفة الأخرى من مضيق جبل طارق.

كان أيّوب الخزاني في الثامنة عشرة من عمره لما قرّر السفر إلى مدريد ليختلط هناك بالشبان المغاربة العاطلين عن العمل، والذين تجبرهم الظروف المعيشية القاسية والصعبة على السرقة، وعلى ارتكاب جرائم صغيرة تضمن لهم كسب القوت، وكان عليه أن يبيع الحشيش في العاصمة الأسبانية لكي يتجنب متاعب البطالة. لذا تم القبض عليه ليمضي عدة أشهر في السجن، وحدث ذلك عام 2009.

وفي العام 2012 تمّ القبض على الخزاني ثانية في مدينة سبتة بسبب ترويج المخدرات. ويبدو أنه التقى في السجن، في هذه الفترة بمن حمّسه لـ”الجهاد في سبيل الله”، وأقنعه أن الاستشهاد هو الضمان الوحيد للجنة التي ستنهي جميع عذاباته، وتجعله من الأخيار. لذا حال خروجه من السجن، أطلق لحيته، ولبس القميص الأفغاني، وبات يرتاد المساجد التي يشرف عليها المتشددون ليستمع الى خطبهم وإلى فتاواهم المحرضة على العنف والتكفير والكراهية.

وبين وقت وآخر كان يجلس إلى هؤلاء في خلواتهم ليزداد تعلقا بهم وبأفكارهم، لذلك شرعت الشرطة الأسبانيّة في مراقبة حركاته وسكناته. وفي تقاريرها لم تتردد في وصفه بـ”الخطير”، وربما يعود ذلك إلى أنه أصبح يتباهى بتطرفه في الأماكن العامة. أما والده فقد صرح لصحيفة “ذا تلغراف” البريطانية بأنه -أي أيّوب – لم يكن يتحدث أمامه حول السياسية بل حول الصيد البحري وحول كرة القدم.

الشرطة الأسبانية تعرف الخزاني من قبل، وكانت تراقب حركاته وسكناته، وفي تقاريرها لم تتردد في وصفه بـ"الخطير"، وربما يعود ذلك إلى أنه أصبح يتباهى بتطرفه في الأماكن العامة. أما والده فقد صرح لصحيفة "ذا تلغراف" البريطانية بأنه -أي أيوب – لم يكن يتحدث أمامه حول السياسية بل حول الصيد البحري وحول كرة القدم

الحي المغلق الخطر

وفي عام 2013 استقرت عائلة الخزاني في حيّ “آل ساليديلو” بالخوزيرواس، حيث تعيش حوالي 3000 عائلة مغربية مهاجرة أغلب أفرادها من العاطلين عن العمل. وفي هذا الحيّ الفقير و”الوسخ” كما يسمونه في أسبانيا، تكثر النزاعات والمشاجرات ويباع الحشيش والمخدرات، وتمارس بعض الفتيات البغاء السري. والجميلات بينهن تذهبن إلى الفنادق الفخمة في ماربيا وفي ملقة وفي مرسية وفي جبل طارق لتأمين العيش لعائلتهن.

كان على والد أيوب أن يقوم بأعمال صغيرة هنا وهناك، أما الابن فقد دأب على ارتياد المساجد الستة التي توجد في المدينة ليزداد تشبثا بالفتاوي المتطرفة، وانجذابا إلى أصحابها. وقد وجد ضالته في مسجد “التقوى” حيث يتجمع فيه المتطرفون، وفيه يخطب أخوه عمران الذي يحظى بتقدير كبير لدى المصلين. لكن بسبب رفض السلطات الأسبانية منحه الإقامة اضطر للعودة إلى المغرب.

من سوريا إلى بلجيكا

انتقل الخزاني إلى فرنسا للعمل في شركة بريطانية للهواتف، ليختلط مرة أخرى بالمهاجرين المغاربة. وقد سارع أفراد الشرطة الأسبانية إلى إبلاغ زملائهم الفرنسيين بوجوده محذرة من “خطره”، غير أن هؤلاء لم يعيروه الكثير من الاهتمام، لذا كان يتنقل بحرية.

وبعد شهر واحد من العمل في فرنسا، أبلغته الشركة البريطانية أنها لن تجدد العقد معه من دون أن توضح أسباب ذلك، ومرة أخرى انسدت الآفاق أمام أيوب، فبات يعيش حالة من الإحباط واليأس، وربما للتخلص منها، قرر السفر سرّا إلى سوريا، ليمضي أشهرا هناك بين المقاتلين الجهاديين القادمين من بلدان عربية وإسلامية عديدة، والشيء المؤكد أنه تدرب على استعمال الأسلحة هناك، وبات أكثر انشدادا من ذي قبل الى العنف والتطرف.

البطالة وقلة التعليم، تتمكنان من تحويل الشاب المهاجر إلى بائع مخدرات. لكنه سيلتقي في السجن، بمن يحمسه على "الجهاد في سبيل الله"، ويقنعه بأن الاستشهاد هو الضمان الوحيد للجنة التي ستنهي جميع عذاباته، وتجعله من الأخيار. وعند خروجه من سجنه، أخذ يطلق لحيته، ويلبس القميص الأفغاني

عند عودته من سوريا، استقر في بلجيكا، حيث وجد لدى الجهاديين فيها المعونة المادية التي ضمنت له العيش والتنقل ببن المدن، غير أن الشرطة البلجيكية لم تتمكن إلى حدّ هذه الساعة من تحديد الأماكن التي أقام فيها وتردد عليها، ولا التعرف على الأشخاص الذين أقام عندهم، مع ذلك، يبدو أن الخلايا الجهادية التي ترسل أنصارها إلى سوريا هي التي احتضنته حال عودته من هناك، وقد تكون هي التي كلفته بتنفيذ عملية قطار “تاليس” الإرهابية، والدليل على ذلك أن الشرطة البلجيكية تلقت يوم الخميس 20 أغسطس، تحذيرا من عملية إرهابية وشيكة الوقوع. كما أن الشرطة البلجيكية باتت متأكدة بحسب الأبحاث التي أجرتها إلى حد الآن من أن أيوب الخزاني حصل على الأسلحة في بلجيكا، لذا أصدرت برقية تطالب الحكومة باتخاذ إجراءات سريعة لمنع بيع الأسلحة مستقبلا، وقال أحد الضباط الكبار “منذ سقوط جدار برلين، أصبحت بلجيكا سوقا للأسلحة القادمة من أوروبا الشرقية بالخصوص. وعلينا ألا ننسى أن الأخوين كواشي مرتكبي مجزرة شارلي إيبدو اقتنيا الأسلحة هنا في بلجيكا. لذلك علينا أن نسارع إلى اتخاذ إجراءات تضع حدّا لهذه الظاهرة الخطيرة”.

جريدة “ستاندارد” البلجيكية أوضحت أن أيّوب الخزاني كان يحظى بإقامة مريحة في بروكسيل، وأنه حصل بسهولة قبل تنفيذ العملية بوقت قصير، على كلاشينكوف من صنع ألمانيا الشرقية سابقا، وعلى هاتف نقال جديد. وهذا دليل بحسب الجريدة المذكورة على أن هناك خلايا ساعدته على إعداد عمليته الارهابية الفاشلة، وبالتالي فعلى أجهزة الأمن البلجيكية أن تعمل على كشفها قبل أن تتوفر لها الفرصة لارتكاب مجزرة جديدة. وأما أيوب الخزاني فقد أصرّ في أبحاثه تأكيده على أنه لم يسافر إلى سوريا، وأن ظروفه المادية الصعبة أجبرته في غالب الأوقات على النوم في الحدائق العامة، وأنه عثر على الأسلحة المذكورة، وأيضا على الهاتف النقال الجديد في حقيبة كانت موضوعة على كرسي في حديقة. وأما العملية التي قام بها فلم تكن إرهابية بحسب رأيه، وإنما كان الهدف منها الحصول على المال من المسافرين، ولكن هل ينقذه خياله الجامح من الورطة الخطيرة التي أوقع نفسه فيها؟

هذا مسار حياة شاب مسلم من أبناء المهاجرين إلى أوروبا، الذين تتدفق موجات جديدة منهم اليوم، على البلدان الأوروبية عامة، والذين، بالإضافة إلى إدراك فوارق الحضارة والقوانين عن البلدان التي أتوا منها، عليهم أن يراعوا نمط الحياة التي يجب أن يضعوا فيها أبناءهم، ومستوى التعليم الذي يستحسن أن يتلقوه، والأفكار التي تتسلل إلى عقول أطفالهم من خلال المتعصبين، وكما يصرون على حماية أسرهم من ذوبان الهوية، عليهم حماية تلك الأسر من ذوبان في هوية بغيضة يمثلها “الإرهاب”.

12