أيّهم أسعد.. أطفال الماضي أم أطفال الحاضر

حياة الأطفال تحسنت، إذ قلت معدلات الوفيات، وتناقص عدد المعرضين للجوع، وصاروا يلقون اهتماما أكبر.
السبت 2020/02/22
عندما كنا صغارا، كنا نلعب في كل وقت تقريبا

"وأنا في عمرك.. كانت الأيام حلوة” عبارة تتردد كثيرا مؤكدة أن الطفولة اليوم اختلفت كثيرا عما كانت عليه قبل 30 عاما. ولم تطرأ هذه التغيرات الجذرية في الطفولة فجأة إذ كانت نتيجة اتجاهات اجتماعية وديموغرافية متعددة.

لندن - “تستطيع ابنة ابني التي بالكاد بلغت العمر 3 سنوات استخدام هاتفي الذكي الذي اشتريته للتوّ حتى أتواصل مع ابنتي المقيمة في الخارج.. الأمر الذي جعلني مصدوما”. يقول سالم (74 عاما) الذي لا يعرف كيف يتعامل مع شاشة آيفون الجديدة التي تعمل باللمس وهو المتعود على هاتفه القديم الذي يعمل بالأزرار.

يضيف سالم “ما هذا الجيل؟” ويكاد يجزم بأن الطفلة الصغيرة تعرف كيف تتعامل مع الهاتف الذكي أفضل من ابنه (35 عاما) الذي قضى معظم طفولته يتسلق الأشجار لنصب فخاخ للعصافير على أغصانها. عقد سالم دون أن يدري مقارنة بين طفولة ابنه وطفولة ابنة ابنه اليوم.

جميع الناس اليوم خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي يتحدثون عن ذكريات الطفولة، ويصر أغلبهم على أن حياتهم كانت أجمل رغم بساطتها وتختلف كثيرا عن حياة أطفال اليوم.

وقد أثبت العلم أن الحنين إلى هذا الماضي له أصل علمي، إذ اكتشف العلماء هذا الشعور “النوستالجي” في الدماغ بعد استخدام التصوير بالرنين المغناطيسي. وأثبتوا أن الحنين إلى الماضي، من خلال استرجاع ذكريات وأوقات مميزة، أمر مهم جدا للصحة العقلية للإنسان. وقالت دراسة أنجزتها جامعة “ساري” البريطانية، إن الحنين إلى الماضي يعطي شحنة إيجابية لدماغ الإنسان على اعتبار أنه يحرك عواطفه.

عندما كنت صغيرا

المتعة قديما كانت حقيقية رغم أن الموارد التي توافرت لتلك الأجيال محدودة جدا
المتعة قديما كانت حقيقية رغم أن الموارد التي توافرت لتلك الأجيال محدودة جدا

“عندما كنت صغيرا، كنا نلعب في كل وقت تقريبا، نلعب مع أصدقائنا، داخل وخارج المنازل، نحمل في جيوبنا شطائر سريعة معدة منزليا، نصنع بأيدينا وسائل الترفيه الخاصة بنا. آباؤنا بالكاد نراهم من الصباح حتى الليل. نتجول ونذهب كما نحب، كان لدينا الكثير من المغامرات، ولنا مخزون كبير من السعادة”. يكون هذا توصيف أي شخص يزيد عمره عن 30 عاما لطفولته على الأغلب. يعتبر هؤلاء أنفسهم “الجيل الذهبي”.

كانت المتعة حقيقية رغم أن الموارد التي توافرت لهذه الأجيال كانت محدودة جدا.

أما أطفال اليوم فيقضون معظم أوقاتهم داخل المنازل مع البالغين، بدلا من قضاء الوقت مع أقرانهم في الحدائق، ولا ينزلون إلى الشارع لاكتشافه، ينقلهم آباؤهم بالسيارات عوضا عن السير أو ركوب الدراجات، ويشاركون في أنشطة معدة مسبقا لساعات طويلة في اليوم، كما أنهم يتعاملون بشكل مستمر مع شاشات الهواتف المحمولة أو الأجهزة اللوحية والتلفزيون. ويعتقد كثيرون أن أطفال اليوم يمجدون أنفسهم ولا يرضون بالقليل، ولا يتكيفون مع الظروف المحيطة، ويصرخون عاليا للشكوى وليس للضحك إذ باعتقادهم أن هذا الأسلوب يمهّد لتلبية رغباتهم.

لم تطرأ هذه التغيرات الجذرية في الطفولة فجأة إذ كانت نتيجة اتجاهات اجتماعية وديموغرافية متعددة، مثل التوسع الحضري، وتغير بناء الأسرة، وانخراط النساء في سوق العمل، وتحول نقاط التركيز في سياسات الدول، وتطور التكنولوجيا الرقمية.

لقد تحسنت حياة الطفولة بالفعل في الوقت الحالي. إذ قلت معدلات الوفيات، وتناقص عدد الأطفال المعرضين للجوع أو الإهمال، وصاروا يلقون اهتماما أكبر من الآباء، حتى أن الحكومات تعتني بالأطفال الذين ينشأون في أسر محدودة الدخل. وأصبح المراهقون أقل جموحا، وينهي أغلبهم دراستهم في الثانوية ويلتحقون بالتعليم العالي. وكانت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية قد أجرت استفتاء عام 2015 طلبت فيه من الأطفال البالغين 15 عاما أن يُقيِّموا درجة رضاهم عن حياتهم على مقياس من صفر إلى عشرة، وكان متوسط النتيجة 7.3 تقريبا. كان الأولاد أكثر سعادة في الاستفتاء من البنات. واختار الأطفال المنحدرون من عائلات ثرية درجات أعلى من الباقين.

رضا الأطفال المنحدرين من عائلات ثرية عن حياتهم ليس مفاجئا. لأنَّ العائلات الثرية، تستثمر الوقت والجهد والمال لتتأكد أنَّ الأطفال سيحققون نجاحا أفضل مما حققه الآباء.

أما الآباء في الطبقة العاملة، فهم يفتقرون إلى المقومات اللازمة لتوفير حياة مماثلة لأبنائهم. ونتيجة لهذا، تتوقع مجلة إيكونوميست الأميركية اتساع الفارق الاجتماعي بمرور الأجيال.

يعيش أطفال اليوم في مدن متحضرة حيث تتوافر فرص العمل والتعليم والثقافة والرفاهية. لكنَّهم في المقابل يعيشون في زحام مستمر، بلا مساحات خضراء، وسط معدل تلوث مرتفع، وشعور متواصل بالعيش مع مجموعة من الغرباء.

أما داخل المنازل، فقد تغير كل شيء إلى حد كبير. أصبحت العائلات أصغر، وتنجب النساء في عمر أكبر من الجيل الذي سبقهن، وتنتشر الأسر التي لا تنجب عددا كبيرا من الأطفال في دول متعددة.

كما أن الأسر نفسها أصبحت غير مستقرة. إذ قل معدل الزواج، وانتشر الطلاق إلى حد كبير.

ويرى خبراء أنَّ خروج النساء للعمل كان أحد العوامل المؤثرة في تغير الطفولة خلال العقود الأخيرة. إذ ارتفعت نسبة النساء العاملات في البلدان العربية إلى 40 في المئة. وترجح إحصاءات أن النسبة أعلى بكثير لأن النساء يعملن أكثر في القطاعات غير المهيكلة وتصل نسبتهن إلى 70 في المئة من العاملين في تلك القطاعات.

وعليه، تضطر أغلب النساء إلى العودة إلى أعمالهن بعد الوضع وترك الطفل في سن مبكرة، ملقيات مهمة الاعتناء بالطفل أثناء عملهن إلى شخص خارج المنزل.

ألعاب الماضي والحاضر

جيل رقمي
جيل رقمي

“كانت ترتسم علامات الفرح على وجوهنا، حينما كنا نشاهد كيف تثبت الكرة التي صنعناها من الخيطان.‏ ثم نروح نركلها بحيوية محاولين تسديد الأهداف وكأننا في مباراة لكرة القدم.. كانت أياما جميلة”‏ يقول أحمد (35 عاما).

يذكر دليل أصدرته إحدى الحكومات لمساعدة الوالدين على اختيار اللُّعَب الملائمة، إن “اللَّعِب هو نشاط طبيعي يقوم به كل طفل.‏ فهو يساعد الأطفال على التعلّم والنمو من الناحية الجسدية،‏ الفكرية،‏ والاجتماعية”.‏

وطبعا،‏ تعود شعبية اللُّعَب في المقام الأول إلى كونها مسلية جدا.‏ ولكن الجدير بالملاحظة أن هذه اللُّعَب لها دور مهم في نمو الأطفال.‏ فعندما يدفع الولد عربة يلهو بها،‏ يقوّي عضلات جسمه.‏ وحين ينط فوق الحبل،‏ يحسّن الانسجام الوظيفي لعضلاته.‏ وعندما يركب الدراجة أو يقف على قدم واحدة ليركل الكرة،‏ يتعلم المحافظة على توازنه.‏ وحين يرسم الصور أو يبني القطع الخشبية أو البلاستيكية،‏ يتعلم كيف يتحكم في حركاته بدقة.‏

كما تتطور مهارات الولد اللغوية حين يغني خلال اللَّعِب.‏ فقد يقوم بذلك أثناء النط فوق الحبل أو أثناء لعبة المطاردة.‏ وحين يلهو الولد بالقطع الخشبية أو البلاستيكية،‏ يتبع قوانين وإرشادات لعبة ما،‏ يركِّب أجزاء أحجية الصور المربكة،‏ يمثّل القصص،‏ أو يرتدي أزياء معيّنة مدعيا أنه شخص ما،‏ فإن ذلك كله يحفّز أيضا إمكانياته التفكيرية وقدراته على الإبداع.‏ وينطبق الأمر عينه على عزف آلة موسيقية أو القيام ببعض الأعمال الفنية أو اليدوية.‏

يقول الدكتور بروس دنْكن بيري “يتفهم الطفل الآخرين من حوله ويصبح أكثر تعاطفا وأقل أنانية.‏ فعندما يلعب الأطفال مع رفاقهم،‏ يتعلمون مجموعة من القواعد الاجتماعية،‏ فيصبح في مقدورهم مثلا التحكم في تصرفاتهم وضبط مشاعر الاستياء التي تنتابهم في محيط اجتماعي”.‏

أما ألعاب اليوم فهي تروّج اللُّعَب بطريقة تفكير مجتمع عنيف متحرر من كل القوانين والقيود.‏ صحيح أن هذا الوصف لا ينطبق على كل اللُّعَب،‏ ولكن بات شائعا اليوم أن نجد في الأسواق عددا اقل من اللُّعَب التقليدية وكمّا كبيرا من “اللُّعَب الغريبة المفتولة العضلات العدائية”،‏ على حدّ تعبير صحيفة لا هورنادا المكسيكية. وقد اقتبست هذه الصحيفة كلمات باتريسيا إيرليخ،‏ مدرّسة وباحثة في جامعة سوشيميلكو المستقلة.‏ قالت باتريسيا إن العديد من اللُّعَب في الأسواق تروّج طريقة تفكير طامحة إلى السيطرة وتقوم على العنف والعدائية والقوة والإخضاع والتخويف.‏

ويؤكد أيضا الاتحاد الوطني للاختصاصيين في علم النفس بالولايات المتحدة أن اللهو بلُعَب تشجع على العنف “يمكن أن يكون له أثر سلبي في تعلّم الأولاد ونموهم،‏ كما قد تنتج عنه عواقب وخيمة”.‏

وتفيد إحصاءات أن معظم الأطفال في سن 15 عاما أو أقل يمتلكون هواتف محمولة، ويقضون عدة ساعات يوميا على الإنترنت.

وينتاب العائلات قلقٌ من أن يؤدي إفراطهم في استخدام التكنولوجيا إلى الإدمان والأمراض العقلية، وأن يمنعهم قضاء الوقت ثابتين أمام الشاشات من ممارسة الرياضة ويتسبب في بدانتهم. هذا بالإضافة إلى أنَّ العالم الرقمي يحمل معه مخاطر جديدة، منها التنمر عبر الإنترنت، وتبادل الرسائل الجنسية.

عندما يلعب الأطفال مع رفاقهم،‏ يتعلمون مجموعة من القواعد الاجتماعية
عندما يلعب الأطفال مع رفاقهم،‏ يتعلمون مجموعة من القواعد الاجتماعية

وتذكر الدراسات أن ألعاب الفيديو والكمبيوتر العنيفة يمكن أن تدفع الأولاد إلى التصرف بعدائية وقد تودي بهم إلى الجنوح.‏ لذلك يجب على كل شخص مسؤول عن طفل أن يفكر مليّا عند شراء اللُّعَب ليختار ما هو مناسب.‏

وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الأطفال الشغوفين بلعبة البلاي ستيشن يصابون بتشنجات عصبية تدل على توغل سمة العنف والتوتر الشديد في أوصالهم ودمائهم، وقد يصل الأمر إلى أمراض الصرع الدماغي، فماذا يتوقع من طفل قابع في إحدى زوايا الغرفة وعيناه متعلقتان بشاشة صغيرة، تمضي ببريق متنوع من الألوان البراقة والمتحركة، ويداه تمسكان بإحكام على جهاز صغير ترتجف أصابعهما إثر كل رجفة من رجفاته، وتتحرك بعصبية على أزرار بألوان وأحجام مختلفة كلما سكن، وأذناه صاغيتان لأصوات وصرخات وفرقعات إلكترونية تخفت حينا وتعلو أحيانا أخرى ليستولي على من أمامه، فلا يرى ولا يسمع ولا يعي ممّا حوله إلا هي.

ورغم ذلك تلفت بعض الدراسات إلى أن أطفال اليوم يبدون أكثر نضجا وذكاء من الأطفال قديما، فالطفل الذي عمره اليوم أربع سنوات، يساوي في نضجه الذهني طفلا عمره 8 سنوات من الجيل السابق. وهو ما ينفيه علماء حيث يؤكدون أن البيئة التي تحيط بالطفل هي التي تشكِّل ذكاءه، ولا مجال للمقارنة بين طفل الزمن السابق، وطفل اليوم، لأنّ البيئات تختلف.

ويجمع خبراء أن المواد المقدمة للطفل العربي اليوم تعاني ترهلا وحشوا غير مبرر بما يقدم للكبار من إنتاج فائض بما لا يجدي نفعا و بما يضر الذوق العام و يتسبب في تدني الإخلاقيات والسلوك والآداب العامة.

ويقارن بعضهم حول الرسومات المتحركة بين الماضي والحاضر مثلا، فقد كانت الرسوم المتحركة مفيدة وهادفة لغرس الصفات الإيجابية التي حفرت ووضعت بصمتها في نحت شخصية جيل التسعينات.

ويتهمون برامج الكرتون اليوم بتعليم الطفل الكسل والخمول، إضافة إلى أنها تنفره من الدراسة.

العالم الرقمي يحمل معه مخاطر جديدة للطفل
العالم الرقمي يحمل معه مخاطر جديدة للطفل

 

20