أيَّ تغيير تطمح إليه الرواية؟

إن العمل الفني في جوهره يتمرد على الوضع القائم، ويعارض السلطات في شتى أشكالها، فهو يكشف لمن يقرؤه أنّ العالم لا يتوقف عند ما هو عليه، بل يَحوي أيضا ما ليس فيه، وما ينبغي أن يكون.
الخميس 2018/05/10
الروايات تقدّم المعرفة وتَحُضّ على التفكير والتساؤل

طرح الملتقى الأول للرواية العربية، الذي انتظم في تونس بمناسبة تدشين بيت الرواية، سؤالا هاما حول مدى قدرة هذا الجنس على التغيير، ما يوهم بأن الكتاب متماثلون في مقاربتها، والحال أنهم مختلفون، منهم من يتماهى مع الواقع يراه جميلا بما فيه الكفاية؛ ومنهم من يأتيها تماديًا مع تقاليد الحكي التي نشأ عليها؛ ومنهم من يحفِر في الذاكرة الفرديةِ والجمعية على ضوءِ مستجِدّاتِ الحاضر، يحاسب التاريخَ أو يُجلي صفحاتِه المضيئة؛ ومنهم أيضا من يتعقّب مظاهرَ التخلف طمعًا في الترجمة، وإرضاءً للقارئ الأجنبي… وكلّ إناء بما فيه يرشَح. فكيف يمكن لكلّ أولئك أن يساهموا بالقدر نفسه في التأثير في مجتمعاتهم وتشكيلِ وعيها؟

إذا تجاوزنا تلك الفُروقَ ونظرنا إلى الرواية كجنسٍ موحَّد، قلنا إنها في عمومها تنبَع من الواقع وتعود إليه، وإن في صيغ مستحدثة، ولكنها تُغيّر نظرة المرء إلى ذلك الواقع. فهل تملِك القدرةَ على تغيير العالم لمجرد أنها تُغيّر نظرتَنا إليه؟ ألا نخشى ألا يُنظَرَ إليها بوصفها عملاً فنّيًا، بل على ضوء علاقتها بالتغيير الذي تُحدِثُه، فيغدو التقويمُ عندئذ قائمًا على أسُسٍ من خارجِ الأدب، وليس على أسسٍ جمالية؟

صحيح أن بعض الأعمال كانت ثورية، متمردة على السائد، ولكنها كانت بالأساس ثورة جمالية. ومن ثَمّ فإن المقصود بالتغيير ليس الانتقال المباغت من حال إلى حال كما في التحولات السياسيةِ والاِنقلاباتِ العسكرية، وإنما هو تغييرٌ مرحليّ هادئ، ذلك أن الأدب الروائي هو عامل تكوين يرغّبُ الإنسانَ في الفضائل، ويمنحه مرآة نقدية تتيح له الغوص في أعماق ذاته والوعي بما تَكتَنِه.

 يقول مالرو “دور الكاتب هو محاولة توعية الناس بعظمتهم التي يَجهَلونها عن أنفسهم”. وهو إلى ذلك عامل معرفيّ، فالروايات تقدّم المعرفة وتَحُضّ على التفكير والتساؤل. وهو أيضا عامل بناء وتشييد، حين يلتحم بتطلعات الجماهير التائقة إلى استرداد حقوقِها وإعلاء أصواتها المطالبةِ بعيش كريم.

إن العمل الفني في جوهره يتمرد على الوضع القائم، ويعارض السلطات في شتى أشكالها، فهو يكشف لمن يقرؤه أنّ العالم لا يتوقف عند ما هو عليه، بل يَحوي أيضا ما ليس فيه، وما ينبغي أن يكون. ليس من غايته إحداثُ ثورةٍ في عالم البشر، ولكنه عندما يتأوّل بحريةٍ علاقتَنا بالواقع، يمكن أن يُغيّر نظرتنا إلى ذلك الواقع. وهو إذ يَجعلُنا نعي بوجودِ شيءٍ آخرَ غيرِ ما يتوافرُ الآن وهنا، يمكنُ أن يقترحَ علينا غايات نعمل على بلوغها، فيدفعنا إلى خلخلة النظام القائم.

15