أيّ صورة منتظرة للعالم ما بعد حرب عالمية ثالثة

فيلم "إطلاقات العدالة".. مشروع سري لإنتاج جيش هجين يتزاوج فيه الإنساني بالحيواني.
الاثنين 2020/10/26
قبل حدوث الكارثة

كثيرا ما انشغلت سينما الخيال العلمي بقضية العالم الديستوبي الذي تظهر فيه الأرض وقد عمّها الخراب إما بسبب الحروب من خلال استخدام أسلحة الدمار الشامل، أو بسبب الأوبئة والعوامل الطبيعة.

تنوّعت المعالجات وأساليب المخرجين والقصص الدرامية المعروضة وطريقة السرد الفيلمي التي تعالج ثيمة فناء الأرض، وها قد أضيف هنا فيلم “إطلاقات العدالة” إلى هذه السلسلة التي لا تكاد تنتهي منذ بواكير السينما للمخرج فاليري ميليف وهو من إنتاج بلغاري – كازاخستاني.

ويعدّ هذا الفيلم مفاجأة نظرا لضآلة ما يصلنا من أفلام من إنتاج هذين البلدين، فكيف وهما يخوضان في ميدان دقيق وهو سينما الخيال العلمي، وأيضا لأن الفيلم في بنائه الدرامي وأسلوب السرد واستخدام عوامل الحركة والشكل والغرافيك يطرح نفسه منافسا للعديد من الأفلام السينمائية التي تخوض في الإشكاليات نفسها.

ها هي الكرة الأرضية في كسوف بشري عظيم بعد أن تقاتلت البشرية في ما بينها في الحرب العالمية الثالثة وخلفت وراءها دمارا هائلا.

المكان هو الولايات المتحدة وبعد بضعة عقود من الحرب العالمية الثالثة، حيث تقرّر أميركا إنشاء جيش هجين من خلال مشروع سري لإنتاج واستنساخ كائنات تجمع بين خواص الإنسان والخنزير.

اللقطات الأولى تذكّرك بصورة مدينة عربية وقد تهدّمت بناياتها بسبب الحرب، وكذلك الحال مع الولايات المتحدة وهي تتجرّع سموم الدمار.

ثم لننتقل إلى ما تبقى من بشر ومن سوء حظهم أن ليست الحروب في حد ذاتها هي التي ابتلعتهم، بل وجود عامل آخر مضاف هو الإشكال الرئيسي في هذا الفيلم.

وهنا سوف تتبادل كل من الولايات المتحدة وروسيا الاتهامات بأن إحداهما قد أجرت تجارب لتحسين النسل البشري وتهجينه لكي تكون عنده القابلية على العيش والمطاولة، ويتم تصنيع كائن مستنسخ، لكن لم يكن متوقعا أن يكون ذلك الهجين خليطا من الإنسان والخنزير، وأن هذا الكائن الذي طوّره البشر أصبح خارجا عن السيطرة، بل إن وظيفته هي التهام ما تطاله كلتا يديه من بقايا البشر المتحصنين تحت طبقات الأرض.

في وسط هذا سوف يظهر من بين بقايا الناجين والمدافعين عن البشر روب (الممثل تيمور توريزبيكوف) هو ووالده (الممثل داني تريجو) وشقيقته راكشا (الممثلة دوروتيا تيلوفا)، والأب هنا نموذج مميّز في الأداء والسخرية من كل شيء، فضلا عن الشجاعة في المواجهة.

مواجهات لا تخلو من مواقف طريفة
مواجهات لا تخلو من مواقف طريفة

ورغم حضوره القصير في بضعة مشاهد، إلاّ أن بصمته بقيت في المسار الفيلمي، فضلا عن أن بعض مشاهد العودة إلى الماضي كانت في محلها، فيما الأب يلقي بحكمه الساخرة على روب.

وأما إذا انتقلنا إلى شخصية روب، فهو هنا البطل الشجاع ولن نقول الخارق الذي استطاع بشجاعته ومرونة حركته أن يستحوذ على مساحة الأحداث بجدارة، وحيث تكون له في كل رحلة من رحلاته ومغامراته في قتال الكائنات الهجينة مساعدة، لكن أولئك المساعدات سوف يفقدن حياتهنّ تباعا، وها هو قد صنع ما يشبه المعرض الاستعادي لصورهنّ في داخل سيارته.

يقوم روب بمهمات في كل مكان يطلب منه أن يتوجّه إليه، وصولا إلى أن رأس المأساة هي ما تسمى أم الخنازير التي تروي الحكايات أنها تلتهم يوميا نصف طن من اللحوم البشرية، فضلا عن أن تلك اللحوم البشرية سوف تكون هي الطعام المفضل للخنازير المهجنين، والذين كل مهمتهم تنصّب على اصطياد المزيد من البشر.

يحفل الفيلم بالمغامرات وبالتحوّلات الدرامية حتى التحاق راكشا بالمواجهة الدامية الأخيرة، وخلال ذلك نشهد مواقف طريفة ومواجهات لا تكاد تنتهي، ثم ولتكتمل تلك الصنعة السينمائية القائمة على فكرة المجتمع الديستوبي بذهاب روب إلى المستقبل ولقائه مع شخصه وهو طفل والحوار معه.

هذه المشاهد تكون قد أكملت مواصفات فيلم خيال علمي ناجح ومتميز، إذ حتى المشاهد الحميمية كان يراد منها إنقاذ الجنس البشري بسبب أن المبيد الذي استهدفت به كائنات المازلس كان قد تسبّب في إصابة البشر بالعقم، ولهذا ييقى سعي الجميع هو محاولة الإنجاب خوفا من انقراض البشر.

استخدم الفيلم الانتقالات المكانية ببراعة، فضلا عن الاختيار الدقيق لمواقع التصوير وقد تم دعم كل ذلك ومعالجته بصريا من خلال الغرافيك والاشتغال على كل مشاهد الفيلم مع مسحة لونية بنية أو رمادية وخليط من تلك الألوان الكابية، ممّا أعطى إحساسا عميقا بمجريات الأحداث وكأنها تقع في أزمنة بعيدة.

وأما إذا عدنا إلى الشخصيات، فهناك من دون شك إسقاطات مبعثرة لم يكن لها من فائدة تذكر، وإنما هي حوارات وأفعال لم تضف للفيلم شيئا بل بدت طارئة عليه ومشوّهة له كمثل السخرية بين الحين والآخر من الذات الإلهية والإلحاد ومعاشرة روب لشقيقته التي يفترض أنها كذلك، والكثير من تلك السخرية التي تصدر عن الأب في حياته.

ومن جانب آخر لا يبدو واضحا تماما لماذا وقع اختيار الولايات المتحدة تحديدا مكانا للأحداث؟ بينما الكثير من الوقائع وملامح الشخصيات توحي بمكان آخر للأحداث، فضلا عن ملامح أغلب الشخصيات الآسيوية أو التي من القوقاز.

16