أي أوروبا بعد سبعين سنة على إنزال النورماندي

السبت 2014/06/07

بعد فشل محاولة سابقة في أبريل 1944، تقول إحدى الروايات التاريخية إن تحديد ليل 5- 6 يونيو لبدء إنزال الحلفاء في النورماندي الفرنسية، يعود إلى معلومات عن انهماك الفوهرر هتلر ليلتها بسهرة طويلة مع عشيقته إيفا براون. لكن مجرى التاريخ الذي أخذ يتغير منذ بدء مظليي الحلفاء إنزالهم، كان نتاج قرارات شجاعة من رئيس أميركي يدعى تيودور روزفلت صاحب القول: “افعل ما تستطيع، مستخدما كل ما تملك أينما كنت” وكذلك من جانب ونستون تشرشل البريطاني المبشر بالجهد المتواصل كمفتاح لإطلاق القدرات الكامنة، ومن شارل ديغول الفرنسي الذي أبى هوان غالبية مواطنيه واختار خط المقاومة. لكن الإنجاز على الجبهة الغربية ضد الألمان لم يكن يضمن النصر لولا انخراط الجيش السوفييتي على الجبهة الشرقية بقيادة جوزيف ستالين. هكذا ارتبط تحرير القارة القديمة بالالتزامين الأميركي والسوفييتي، وانعكس ذلك انقساما داخلها بين القطبين خلال الحرب الباردة التي كانت أوروبا مسرحها المركزي.

في السادس من يونيو 2014 أحيا حلفاء الأمس على شواطئ النورماندي الذكرى السبعين للإنزال واحترموا تاريخهم وفوارقهم، ولذا تواجد باراك أوباما وفلاديمير بوتين في نفس المكان رغم مخاطر تجدد الحرب الباردة من أوكرانيا إلى سوريا، والأبرز كان حضور المستشارة انجيلا ميركل ممثلة لأمة ألمانية تنكرت للحقبة النازية لتصبح قوة اقتصادية قائدة في أوروبا ومرموقة في العالم، مما يدعو الآخرين خاصة في الشرق إلى تخطي الذكريات التاريخية والأساطير من أجل صنع المستقبل.

وفي الإجمال بدت أوروبا اليوم وكأنها مدينة لصانعي نصر 1945 لأن السلام والازدهار اللذين تنعم بهما لم يكونا ممكنين لولا تخطيها لعثرات التاريخ المتداخل والحروب الدينية والقومية الدامية عبر منطقي العقلانية والمصالح المشتركة.

بيد أن هذا الجانب البراق يخفي أزمة عميقة للفكرة الأوروبية والهوية الأوروبية حسبما أظهرت نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي التي جرت الشهر الماضي، وأفرزت تقدما مقلقا لليمين الشعبوي والقومي المتشدد والمعادي للوحدة الأوروبية. يمكن ربط هذه النكسة في بلدان مثل اليونان وإيطاليا وفرنسا بآثار الأزمة الاقتصادية، ولكن ذلك لا ينطبق على أسباب خيارات البريطانيين أو ناخبي شمال أوروبا. وهذا يؤشر إلى “خطر عودة الشياطين القديمة” حسب المثل الفرنسي، إذ أن كوابيس الشوفينية وأزمة الهوية ما هما إلا التعبير عن عدم قدرة عديد الدول الأوروبية على التأقلم مع العولمة التنافسية، وكذلك عن عدم ارتقاء الاتحاد الأوروبي ليكون لاعبا سياسيا واقتصاديا له وزنه في المشهد الدولي السائر فوضويا نحو عالم متعدد الأقطاب دون بوصلة أو زعامة.

لقد تلاقت هذا العام الذكرى المئوية الأولى للحرب الكبرى في 1914، والذكرى السبعين للحرب العالمية الثانية، والعبرة اليوم تكمن في عدم تكرار الوقوع في شرك الحروب التدميرية إقليميا وعالميا لأنها ستعني نهاية “العولة الثانية” (العولمة الأولى سقطت إثر الحرب العالمية الأولى) ونتائجها كارثية بكل المقاييس، فإذا أخذنا عدد ضحايا الحرب العالمية الثانية الستين مليونا كمعيار، نلاحظ أنهم كانوا حوالي أربعة بالمئة من مجموع سكان العالم وغالبيتهم كانوا أوروبيين.

بيد أن الأدهى بالنسبة لصانعي القرار في الاتحاد الأوروبي ودوله النافذة نسيانهم دروس التاريخ، إذ أن الدفاع الأوروبي المستقل (بعيدا عن المظلة الأمنية الأميركية) غير متوفر لأن الميزانيات الدفاعية وميزانيات الأبحاث الدفاعية لا تزال دون الحد المطلوب، وباستثناء الجهدين الفرنسي والبريطاني تبدو أوروبا قاصرة، وتظهر ألمانيا قوة اقتصادية تعطي الأولوية للدفاع عن مصالحها دون تطلع لبناء قدرة دفاعية أوروبية تحمي الإنجاز الاقتصادي. وإذا كان الاتحاد الأوروبي على الصعيد الدفاعي مرتبط حكما بواشنطن وبرز ذلك إثر تداعيات الأزمة الأوكرانية، وعادت القوات الأميركية إلى بولندا ودول البلطيق فيما بدت ألمانيا قاصرة عن لعب هذا الدور في مجالها الحيوي. ومن الدروس الأخرى للنزاع الأوكراني اتضاح عدم وجود استراتيجية أوروبية مشتركة حيال روسيا، وعدم بلورة خطط لتأمين الطاقة لأوروبا، وعدم تبعية البعض فيها للغاز الآتي من موسكو.

تبين هذه الثغرات الداخلية والخارجية وجود أزمة في البناء الأوروبي والمؤسسات الأوروبية، ووصل الأمر عند البعض بعد الانتخابات الأخيرة إلى إبداء الخوف من احتمال انحدار للنفوذ السياسي لأوروبا، وانتقالها إلى متحف التاريخ بعدما كانت محوره طويلا.

إن عدم النجاح الكبير على صعيد السياسة الخارجية أو الدفاع المشترك، يعزز من قناعة الكثيرين بأن أوروبا الموحدة هي قبل كل شيء سوق اقتصادية مشتركة وعامل استقرار لأنه مع البيت الأوروبي المشترك أصبحت أوروبا عنواناً للسلام بعد قرون من الحروب. لكن الاتحاد الأوروبي الذي وصل إلى أوج عزه مع توسعه إلى 27 دولة في 2004، بعد اعتماد اليورو كأول عملة مشتركة في العصر الحديث شاعت حوله مقولة صحيحة إلى حد كبير: “أوروبا عملاق اقتصادي وقزم سياسي” إذ أن الاتحاد بسكانه الـ500 مليون نسمة ما زال أكبر قطب تجاري في العالم، ولا يمكن إنكار الدور الريادي لأوروبا كقطب دولي وسيط وقادر في أكثر من أزمة ونزاع.

بيد أنه في مواجهة الإعصار المالي العالمي عقب انهيار وول ستريت في أيلول 2008، وبعد عبور العاصفة المالية المحيط الأطلسي بشكل متصاعد منذ خريف 2009، تخوف الحريصون على البناء الأوروبي من أجوبة مستقلة ترمز إلى الأنانية الوطنية، حصل ذلك بالفعل وسقطت منطقة اليورو في امتحان إنقاذ اليونان مما كان له فعل الدومينو نحو بلدان جنوب المتوسط (البرتغال وإيطاليا وأسبانيا) وهذه العثرة الاقتصادية تقلل من جاذبية أوروبا لدى شعوبها وعند الآخرين، وتعمق أزمة تموضعها بعد صعود مؤثر للدور الأوروبي في تركيز أسس نظام عالمي متعدد الأقطاب سياسيا واقتصاديا.

إزاء ذلك نؤكد مع جون مونيه، أحد أباء الوحدة الأوروبية: “لا شيء ممكن دون الإنسان، لا شيء دائم دون المؤسسات”، كان هذا ما يتوجب أن يثبته الاتحاد الأوروبي حتى لا يكون خارج صناعة التاريخ المعاصر. يرد البعض الحجة ويعتبر أن تراكم أفعال الأمم الأوروبية الكبرى وأبرزها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وأسبانيا وحديثا بولندا، تصب في صالح الإسهام الأوروبي في مواجهة التحديات.

تهب المخاطر على أوروبا ويعود شبح الانقسام على وقع الأزمة الأوكرانية واندفاع القيصر الجديد فلاديمير بوتين لتطبيق نظرية النفوذ في الجوار الروسي. ومع الأزمة الاقتصادية التي تنتاب أجزاء واسعة منها منذ 2009، يبدو أن الاتحاد الأوروبي يعيش أزمة وجودية إذا لم يتم تداركها وإعادة تعريف الأولويات في عالم مضطرب وتنافسية لا ترحم.


استاذ العلوم السياسية المركز الدولي للجيوبوليتيك- باريس

9