أي الشخصيات الدوستويفسكية يشبه بوتين

لفهم السياسة الروسية الراهنة يقول الخبراء إنه يجب الرجوع إلى الأدب الروسي. ويعتبر الأدب الروسي أفضل مرجع لتفسير الأحداث في أوكرانيا وسياسة الرئيس فلاديمير بوتين الإقليمية والدولية. وذهب وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر إلى حد اعتبار بوتين “أحد شخصيات دوستويفسكي”، هذا الروائي الذي يقول تقرير نشرته مؤخرا نشرية سياسية تصدر عن جامعة هارفارد إن الرئيس الروسي متأثر برؤيته حول الكبرياء الروسي العظيم.
الأحد 2017/02/12
بطل دراما "الروح الروسية"

لندن - كتبت نينا خروتشيفا، حفيدة الزعيم السوفييتي الأسبق نيكيتا خروتشوف، تقول “روسيا ثقافة افتراضية. فنظرا لأننا عشنا تحت حكم مستبدين طيلة معظم تاريخنا فقد تعودنا على العيش في الخيال عوضا عن الواقع”.

لكن إذا كانت روسيا تعيش في عالم خيالي مشدود بشخصيات أكبر من الواقع وبحبكات مسرحية، ماذا عسانا نقول عن رئيسها فلاديمير بوتين؟ كيف يمكن للرواية الروسية الكلاسيكية أن تسلط الضوء على الرئيس وسياساته؟

خذ الدراما السياسية الواقعية جدا في القرم على سبيل المثال. لقد تطورت الأزمة الأوكرانية إلى صراع على السلطة يعدّ الأكثر دموية في شرق أوروبا منذ كانت يوغسلافيا بلدا موحدا.

بدأت الأزمة في شكل تعليق للمحادثات التجارية بين الكرملين والرئيس الأوكراني فيكتور ينوكوفيتش، ثم تصاعدت إلى عنف مسلح بين المحتجين الموالين للغرب وقوات الأمن المحلية، مما فتح المجال للروس لاختراق القرم.

يقول أندرو د. كوفمان، أستاذ الأدب الروسي في جامعة فرجينيا، إن الصراع في أوكرانيا “ليس مجرد صراع جيوسياسي، بل هو دراما مترسّخة في الروح الروسية منذ قرون”.

بالنسبة إلى كوفمان، هذه الدراما تحيلنا إلى ما قال عنه كتّاب روس من القرن التاسع عشر، وخاصة فيودور دوستويفسكي، إنه الروح الروسية. وهذه الروح هي من النوع الذي يصلح للاستبداد الامبريالي.

إذن لم تكن أفعال الرئيس في القرم حدثا معزولا، ولا كانت خاصة به. ناهيك عن أن بوتين يحظى بمساندة شعبية تقارب الـ70 بالمئة مما يجعله يقف على قاعدة ثابتة من الدعم. لكن لماذا؟ ما الذي يوجد في المجتمع الروسي يجعل هذا المستبد العدواني يحظى بشعبية؟ لفهم فلاديمير بوتين جيدا يجب الرجوع إلى كتابات فيودور دوستويفسكي التي شخّصت بشكل بارع الروح الروسية.

عندما التقى جورج بوش الابن في بداية فترته الرئاسية بفلاديمير بوتين للمرة الأولى سارع بمدح شخصيته، حيث قال بوش في مؤتمر صحافي بعد اللقاء “نظرت في عيني الرجل، وتمكنت من فهم شيء من روحه”. كان الهدف من اللقاء، الذي سمّي لاحقا “قمة سلوفينيا”، إقامة علاقة دبلوماسية بين روسيا والولايات المتحدة وإقامة ركيزة للمفاوضات المستقبلية.

أثناء تقلده السلطة كان الرئيس الروسي شخصية غير قابلة للنفاذ وغامضة ومتجهمة. يتصور روسيا قوية تُحكم قبضتها على المواطنين والبلدان في الجوار تحت اسم الوطنية.

في ردة فعل تجاه حادثة قرصنة معلوماتية روسية أضرّت بالانتخابات الرئاسية الأميركية لسنة 2016، نعت جو بايدن بوتين بالدكتاتور، قائلا إنه “رجل يخلط بين الصخب المتبجح والقوة”.

ما تفضيل بوتين لدوستويفسكي على تولستوي إلا دليل على تعطشه لكتلة موحدة من البلدان السلافية بقيادة روسية. فعندما يتكلم بوتين عن "إخوانه في السلاح" أو إعادة الوحدة بين أوكرانيا وروسيا فقد تصرف حسب مفهوم "الروح الروسية"

بالطبع، الاستبداد والعدوانية ليسا جديدين على روسيا فالبلاد على مدى قرون تتصارع مع هويتها القومية. لم يكن بوش في حاجة إلى النظر في عين بوتين ليفهم ذلك، بل كان بإمكانه أن يلجأ إلى الكتّاب الروس الذين حددوا تلك الطبيعة بشكل واضح.

اعتقد دوستويفسكي أن لروسيا مهمة ربانية لقيادة إمبراطورية مسيحية سلافية، حيث كتب في “يوميات كاتب” يقول “وبذلك ستغزو روسيا السلاف وفي النهاية تجذبهم نحوها. في البداية سيلجأون إليها في زمن الكوارث لكن بعد ذلك سيعودون إليها في يوم ما وسيلتصقون بها كلهم بثقة طفولية تامة. سيعودون كلهم لعشّهم الأصلي”.

في نظر دوستويفسكي، روسيا هي البلد الأكثر تطورا من الناحية الروحية من كل البلدان السلافية. وبصفتها البلد الأم لعائلة من الدول ستمتص حتما هذه البلدان والشعوب القريبة وتضمّها في بوتقة واحدة، وعلى زعمائها العمل في اتجاه تنفيذ هذه المهمة.

في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي وما تبع ذلك من اضطراب روحي، تمسك الروس بهذا التفكير التنبؤي الانتصاري. ويقول كوفمان “بعد كل مآسي التاريخ الروسي في القرن العشرين وإهانات العشرين سنة الماضية خاصة، يبحث الكثير من الروس العاديين عن دليل قاطع على جدارتهم الوطنية -أو التفوق- بين الأمم”.

وخلافا لتولستوي، الذي كان وطنيا لكنه أقرّ بتفرد كل بلد وقيمته وإنسانيته، ادعى دوستويفسكي أن مهمة روسيا هي “التوحيد العام لكل الناس من كل القبائل التابعة للعرق الآري العظيم”. عندما بدأ غبار الحرب الباردة يستقر تبنى الروس فكرته القائلة بأمة مقدّر عليها توحيد الخارج القريب وحكمه. وقد استخدم بوتين هذه الفكرة.

يعلق ويليام ميلز تود، أستاذ الآداب في جامعة هارفارد، في مقابلة مع المجلة السياسية لجامعة هرفارد، بقوله “من المعروف جيدا أن بوتين وزّع بعض كتابات دوستويفسكي على حكام الأقاليم في روسيا”.

وما تفضيل بوتين لدوستويفسكي على تولستوي إلا دليل على تعطشه لكتلة موحدة من البلدان السلافية بقيادة روسية. عندما يتكلم بوتين عن “إخوانه في السلاح” أو إعادة الوحدة بين أوكرانيا وروسيا فهو رجع لصدى دوستويفسكي. وعندما قام بتحركه العدواني للاستيلاء على القرم وضمها إلى الفيدرالية الروسية فقد تصرف حسب مفهوم “الروح الروسية”.

في المدينة الفاضلة الدوستويفسكية يتولى الزعماء الروس حكم الإمبراطورية السلافية بنوايا خالصة وتواضع وحب. وهكذا تكون روسيا المبنية على المبادئ المسيحية والأعمال الخيرية القائمة على نكران الذات غير عدائية ومرحبة بجيرانها في القرم.

ونظرا لكونه كان ضحية لقمع الدولة كان دوستويفسكي معارضا بشدة لقمع الصحافة والتلاعب السياسي والحكومة مفرطة السلطات غير المسؤولة، وهي كلها أشياء يمارسها بوتين اليوم.

عمد بوتين إلى تجريد وسائل الإعلام الكبرى من استقلاليتها وحوّلها إلى قنوات لدعاية الكرملين، إلى جانب استهداف واغتيال الصحافيين المؤثرين المنتقدين لإدارته مثل أنّا بوليتكوفسكايا.

ولإثارة الاضطراب الداخلي ومنح الشرعية لأعماله التسلطية ينشر الحديث عن الجواسيس الأجانب والتدخل الغربي في الشؤون الروسية. ومن ثم قام بوتين بتشويه وتحريف فكر دوستويفسكي ليتناسب مع مصالحه.

يؤكد كوفمان أنه “مثلما هو الحال عادة مع الافتراضات الثقافية، اقتصر بوتين على الجوانب التي يجدها متجانسة مع أهدافه من رسالة دوستويفسكي”. وسيبني بوتين إمبراطوريته مهما كانت التكاليف، حتى وإن كان ذلك يعني إثارة ضغينة الغرب.

5