"أي تهديدات" ضد عين الحلوة

كشفت عملية الاغتيال التي استهدفت القيادي في حركة فتح في لبنان العميد فتحي زيدان واقعا خطيرا يعيشه مخيم عين الحلوة الذي تمت فيه العملية. فاختراق الجهاديين للمخيم القريب من مناطق نفوذ حزب الله، وتطويقه من قبل الجيش اللبناني، يعكسان مدى ضعف قدرة الفصائل الفلسطينية على التحكم في الأوضاع داخل المخيمات نتيجة الخلافات العميقة بين الفرقاء. والأخطر أن كل ذلك يمكن أن يؤثّر في لبنان المتأزم.
الخميس 2016/04/14
نيران ترفع من حرارة الوضع في لبنان والإقليم

بيروت- يرفع مقتل المسؤول العسكري في حركة فتح العميد فتحي زيدان، في مخيم “المية ومية”، الثلاثاء الماضي، من منسوب القلق المحيط بيوميات المخيمات الفلسطينية المحيطة بمدينة صيدا في جنوب لبنان، لا سيما مخيم عين الحلوة، أكبر المخيمات الفلسطينية في لبنان.

ارتكبت عملية الاغتيال بواسطة عبوة ناسفة وضعت تحت مقعد سيارة الضحية، بما يعكس عملا متأنيا هدفه التأكد من استهداف القائد الفتحاوي وإحداث بلبلة وفتنة بسبب هذا الاغتيال. واللافت أنه، وبعد ساعات من العملية، راجت أنباء مجهولة المصدر تحدثت عن أن الأمر تصفية حسابات بين أنصار الله، بقيادة الفتحاوي السابق جمال سليمان، وحركة فتح، على الرغم من تأكيد مصادر داخل المخيم أن علاقة ودّية كانت تربط القتيل بسليمان.

و تعكس سرعة ترويج أنباء عن تورّط سليمان وتنظيمه في عملية الاغتيال عملا دؤوبا لتوتير أوضاع المخيمات الفلسطينية، لا سيما في عين الحلوة، خصوصا أن مخيم المية ومية الصغير القريب يعتبر ملحقا يؤثر ويتأثر بتفاصيل الوضع الداخلي لمخيم عين الحلوة.

مسؤولية رام الله

الحدث الأخير يمثّل نموذجا جديدا لحالة الفوضى الأمنية التي باتت تقلق أهالي تلك المخيمات وقياداتها، وأضحت أيضا تقلق المناطق المحيطة بالمخيمين والقيادات السياسية والأمنية اللبنانية في منطقة صيدا.

سرعة ترويج أنباء عن تورط سليمان وتنظيمه في عملية الاغتيال تعكس عملا دؤوبا لتوتير أوضاع المخيمات

في هذا الصدد، تتهم أوساط من داخل مخيم عين الحلوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس بأنه يتحمل جزءا كبيرا من مسؤولية ما آلت إليه أحوال المخيم الراهنة، ذلك أنه فشل في اتخاذ القرارات الضرورية للملمة الوضع الفتحاوي في لبنان، ما أدى إلى تشتت قوى حركة فتح بين ولاءات متعددة.

وعند الخوض في تفاصيل الصراع المحلي داخل مخيم عين الحلوة يبدو أنه غرق في فسيفساء معقدة تختلط داخلها الفصائل والتيارات والجماعات؛ فإضافة إلى التيارات الفلسطينية التقليدية المتمثلة في فتح وحماس والجهاد وبقية فصائل منظمة التحرير الفلسطينية المعروفة، نمت جماعات إسلامية تأثرت بالمدّ الجهادي الإسلامي في كل المنطقة، ما جعل فروعا تروج داخل المخيم لأصول تروج في العالم العربي. فلتنظيمي داعش والقاعدة مريدوهما ومبايعوهما داخل عين الحلوة، كما أن للمخيم إسلامييه المحليين الذين لا امتدادات لهم خارجه.

في الجسم الفتحاوي يجري الحديث عن الفتحاوي القديم جمال سليمان المعروف بقربه التاريخي من حزب الله، على الرغم من أن الاحتقان السني الشيعي أربك علاقة سليمان السني بحزب الله الشيعي، بيد أن تلك الأثقال لم تنسف علاقته بالحزب من منطلق “مقاوم”، ومع ذلك يعتقد مراقبون أن حزب الله قد يكون وراء زجّ اسم جمال سليمان وتنظيمه في حادث اغتيال زيدان الأخير ويرجعون ذلك إلى خلافات بين الحزب وقائد أنصار الله.

في الجسم الفتحاوي أيضا ذلك الانقسام ما بين قيادة فتح التابعة لمركزية رام الله بقيادة الرئيس محمود عباس، وقيادة أخرى يتولاها العميد محمود عيسى، الملقب باللينو، القريب من القيادي الفتحاوي محمد دحلان. يتصلّب جراء الانقسام جسمان بالشخوص والعدّة والعديد، ينقلُ الخلاف بين عباس ودحلان إلى داخل الساحة اللبنانية، لا سيما في مخيم عين الحلوة.

في غابة الأسماء الفتحاوية تبرز أسماء وتتعدد المناصب والصفات. فتحي أبو عردات، أمين سرّ حركة فتح في لبنان، اللواء منير المقدح، قائد القوة الأمنية في المخيمات، الذي كانت له في الماضي علاقات مع السلطات السورية ومع قيادات في الحرس الثوري الإيراني، صبحي أبو عرب، قائد الأمن الوطني الفلسطيني، ورغم أن هذه الأسماء تدين بالولاء لرام الله، فإن علاقاتها البينية تتسم بالصراع الخفي والعلني على النحو الذي يضعف الأداء الفتحاوي العام.

المخيم يمثل ديمغرافية سنّية على أبواب الجنوب اللبناني

ورغم جسامة الخلاف بين دحلان وعباس وتعطّل مساعي التخفيف من احتقانه، إلا أن انقسام التيارين لم يصل إلى حدّ الصدام، على الرغم من أن بعض المؤشرات قد لا تنفي هذه الفرضية مستقبلا.

التواصل مقطوع بين الجسمين، إلا من اتصالات يجريها أحيانا السفير الفلسطيني في بيروت أشرف دبور مع العميد اللينو أو مع خالد غزال (السفير الفلسطيني السابق في بولندا والمقرب حاليا من دحلان)، والتي لا تخرج عن إطار المجاملات السطحية.

بالمقابل تُجمع كافة التيارات الفتحاوية على نسج علاقات جيدة مع كافة الفرقاء اللبنانيين، كما مع كافة الأجهزة الأمنية اللبنانية. وتتولى قيادات المخيم عامة الحفاظ على علاقة متساوية مع فريقي 8 آذار و14 آذار، لا سيما لجهة العلاقة مع تيار المستقبل الذي تمثّله في منطقة صيدا النائب بهية الحريري كما مع الفريق المنافس المتمثّل في التنظيم الشعبي الناصري وعلى رأسه النائب السابق أسامة سعد، ناهيك عن أن عدوى الانقسام اللبناني داخل المعسكرين السياسيين المعروفين منذ عام 2005، قد انتقلت إلى داخل مخيم عين الحلوة، بحيث تنقسم المشاعر الفلسطينية بين 8 آذار و14 آذار.

المخيم والأجهزة الأمنية اللبنانية

تنسج كافة التيارات الفلسطينية علاقات مع السلطات اللبنانية. ويروي مصدر في مخيم عين الحلوة أن الرئيس محمود عباس كان قد عيّن عزام الأحمد، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، مشرفا على الساحة اللبنانية، وأن هذا الأخير لم يستطع تحقيق شيء ملموس لحلّ مشاكل التواجد الفلسطيني وتصدّعه، وكل ما أنجزه هو التأكيد على التنسيق الكامل مع السلطات اللبنانية.

ويرى آخرون أن عباس اختار التنسيق الأمني مع السلطات الأمنية اللبنانية بديلا عن خيارات أخرى لبنانية كانت تطالب بأن تتولى الأجهزة الأمنية الدخول إلى المخيم وتولي الأمن فيه، وهو أمر قوبل برفض فلسطيني. لكن هذا التنسيق الأمني تُرجم إلى علاقات تربط كل جهاز بطرف فلسطيني أو أكثر، وقد أدى تنافس تلك الأجهزة في ما بينها (الأمن العام، مخابرات الجيش، الأمن القومي… إلخ) إلى تسعير حالة الفوضى بين الفصائل والجماعات الفلسطينية وارتباطاتها مع الأمن اللبناني.

لا تغيب الحالة الدحلانية بقيادة عيسى اللينو عن التنسيق مع الأجهزة الأمنية اللبنانية. ويتولى اللواء عباس إبراهيم، المدير العام للأمن العام، الإشراف على الخصوصية الأمنية لعين الحلوة من خلال معرفته وخبرته ودرايته بالمسائل الفلسطينية في لبنان. وقد قاد إبراهيم مبادرة لإصلاح ذات البين بين عباس ودحلان لما للمصالحة من تداعيات إيجابية على أمن المخيمات؛ إلا أن خلاف الرجلين، الذي فشلت القاهرة في إنهائه، بدا أكبر من إمكانيات إبراهيم وكفاءاته.

وتقول المعلومات إن دحلان كان كلّف خالد غزال بالتواصل مع جماعات إسلامية للتفاوض في موضوع الجنود اللبنانيين الرهائن، لكن جهده توقف بعد أن تمّ الوصول إلى صفقة الإفراج عن الرهائن بواسطة قناة اتصال أخرى. والثابت أن الطرفين الفتحاويين ينسقّان بشدة مع الطرف اللبناني، ذلك لقناعة أنه في حال تحوّل الخلاف إلى صدام، فإنه لا تفضيل للأمن اللبناني بين الخصمين، وأنه سيقف مع من باستطاعته فرض الأمن داخل المخيم.

خلاف عباس ودحلان يقسم الفتحاويين في مخيم عين الحلوة واتهام لدمشق بالسعي لتفجير الوضع للتخفيف عن النظام

الجهاديون في المخيم

لا تغيب القوى الإسلامية عن حالات التنسيق مع أجهزة الأمن اللبنانية، وإن من خلال القيادة الرسمية الفلسطينية واللجنة الأمنية المشتركة، إذ يجري الحديث عن جهد لتعظيم شأن الإسلاميين في مخيم عين الحلوة من خلال جهد توحيدي يقوده جمال سليمان مع حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي. وتتحدث الأنباء عن أن حركة حماس دأبت في الأشهر الأخيرة على دعم بعض المجموعات الإسلامية (مجموعة بلال بدر مثلا) ومدّهم بالإمكانيات المالية والتسليحية. وتتحدث بعض الأوساط عن خطط للجماعات الإسلامية للتوحّد والتنسيق بغية إضعاف حركة فتح داخل المخيم والسيطرة على أغلب المناطق داخله. ومن المجموعات الإسلامية من هو مرتبط بداعش ومن هو مرتبط بجبهة النصرة، إضافة إلى مجموعة فتح الإسلام التابعة لدمشق، والتي سبق واتُّهم النظام السوري بإرسال مجموعات منها إلى مخيم نهر البارد شمال لبنان عام 2007.

ونقلت الأنباء عن توحيد عدد من المجموعات الإسلامية ضمن “تحالف الشباب المسلم” في حي الصفصاف الواقع عند أطراف المخيم، وهو على تماس مع حارة صيدا، بعدما كانت هذه المجموعات تعتبر شللا صغيرة تتبع هيثم الشعبي أو أسامة الشهابي أو بقايا “جند الشام”، تدور بالإطار الإسلامي دون تنسيق في ما بينها. على أن تعدد الولاءات المرتبطة بتعدد الأجندات يضاف إلى كثافة سكانية عالية وإلى تدهور في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية على نحو حوّل مخيّم عين الحلوة إلى بؤر لجوء من خارج المخيم طالما استضافت أسماء مطلوبة شهيرة كالشيخ أحمد الأسير والمطرب اللبناني “التائب” فضل شاكر، ناهيك عن أسماء غير معروفة إلا من قبل أجهزة الأمن اللبنانية، والدولية أحيانا.

من يريد إزالة المخيم

فتح منقسمة والإسلاميون يتحدون والجيش اللبناني يحاصر المخيم

يمثّل المخيم بالحسابات اللبنانية الطائفية ديمغرافية سنّية على أبواب الجنوب اللبناني ذي الغالبية الشيعية. قيل إنه في أحداث 7 مايو أرسل المخيم، أو فصائل داخله، إنذارا بوقف ما تتعرض لها مدينة صيدا تحت طائلة التدخل لحماية المدينة، لكن ذلك بقي كلاما ضمنيا غير رسمي، لكنه يعبّر عما يمكن أن يهدده المخيم من سطوة حزب الله في الجنوب، ناهيك عن الأخطار التي يمكن أن يمثّلها من خلال نمو المجموعات الإسلامية التي ذهب حزب الله للقتال في سوريا متذرعا بوجودها هناك، فما بالك بتواجدها على مشارف حدائقه. ثم إن حزب الله يروّج أن علاقة عضوية تربط المخيم بالسيدة بهية الحريري، رغم أن العارفين ينفون ويؤكدون أن دورها لا يعدو عن كونه توفيقيا تنسيقيا بصفتها نائبا عن منطقة صيدا.

تتحدث بعض المصادر عن قلق جدي من خطط تحضّر ضد مخيم عين الحلوة. وحول أسباب هذا القلق تأتي أجوبة عديدة متشعبة تشعب الحال اللبناني كما حال الراهن في سوريا؛ هناك من يتحدث عن أن الأمر مطلب لحزب الله بدأه منذ أن “دفع″ الجيش اللبناني، مدعّما بسرايا الدفاع التابعة له، لإزالة ظاهرة الشيخ أحمد الأسير، وأن الهدف هو إزالة هذا الخطر أو نقله نحو منطقة البقاع، بالقرب من مدينة بعلبك، حيث تسهل السيطرة عليه من قبل حزب الله أو من قبل دمشق.

وهناك من يرى أن مطلب تفجير الوضع في المخيم على نطاق كبير هو هدف من قبل النظام السوري في سعي لإطلاق مناطق نزاع كبرى تخفف الضغط الدولي عليه، ربما من خلال تكرار تجربة “فتح الإسلام” من جديد. وتذهب سيناريوهات أخرى إلى الحديث عن علاقة تربط عملية التنقيب المؤجلة عن الغاز في المياه الجنوبية بمشروع إزالة المخيم.

وعلى الرغم من غرائبية تلك السيناريوهات تتحدث بعض أوساط المخيّم عن أن الأمر ليس متخيّلا وأن مؤشرات حسيّة ظهرت في الفترة الأخيرة تثير القلق. تذكر تلك الأوساط أنه في الأشهر الأخيرة انتشرت تحصينات جديدة للجيش اللبناني حول المخيم، كما نشرت بطارية مدفعية في الجهات المطلّة على المخيم، كما جرى حصر الدخول إلى المخيم من خلال مدخل أساسي واحد وتحويل المداخل الأخرى إلى مداخل ثانوية، كما جرت إقامة تحصينات وجدران من الباطون المسلح حول المخيم.

رغم جسامة الخلاف بين دحلان وعباس وتعطّل مساعي التخفيف من احتقانه، إلا أن انقسام التيارين لم يصل إلى حدّ الصدام

وتذهب بعض المعلومات إلى أن أمورا كثيرة كانت قيد التحضير قبل أشهر وأن الجيش اللبناني كان بصدد التحضير لمعركة ما من ضمن ترتيبات تتسق مع رؤى طهران ودمشق، كان من بينها إطلاق سراح ميشال سماحة والصدام مع مخيم عين الحلوة. وأن العمل كان يجري على تأمين غطاء سني لمعركة عين الحلوة مثيلة لتلك التي باركها تيار المستقبل لمعركة نهر البارد تحت عناوين الدفاع عن الجيش ضد الإرهاب والتكفيريين، بيد أن أمورا كثيرة تغيّرت وقلبت التوازنات الإقليمية، وعلى رأسها عودة سعد الحريري إلى لبنان وظهور الموقف السعودي الحاد ضد حزب الله في لبنان.

وعلى الرغم من خطورة الضجيج في الكواليس المعنية بشؤون المخيم، إلا أن أوساطا لبنانية قريبة من شؤون المخيمات تستبعد خططا في المرحلة الراهنة لاستهداف المخيّم، إلا إذا كان هناك قرار دولي إقليمي في هذا الشأن. تضيف هذه الأوساط أن قرارا كهذا سيرتبط بترتيبات كبرى تخص الفلسطينيين في لبنان، وسيعني ترتيبا لإلغاء حقّ العودة. وترى هذه الأوساط أن الوضع الإقليمي غير جاهز لترتيبات كبرى، مع العلم أن موسم الترتيبات الكبرى على مستوى المنطقة قد يفتح شهية المقررين الدوليين لفتح ملفات كبرى مثل ملف عين الحلوة.

وتستبعد نفس الأوساط أن تكون هناك علاقة ما بين التنقيب عن الغاز ومخيم عين الحلوة، ذلك أنه بعيد عن حقول الغاز القريبة في الناقورة على الحدود مع إسرائيل، وأنه إذا ما كان هناك من استهداف للمخيمات فمخيما البصّ والرشيدية القريبان من صور سيطولهما هذا الاستهداف قبل عين الحلوة.

لكن أيا كان الضجيج داخل مخيّم عين الحلوة وحوله، فإن الأوساط الفلسطينية واللبنانية تعبّر عن قلق إزاء تفاقم الأوضاع الداخلية للمخيّم وتحذّر من إمكانية انفجار كبير، سواء نتيجة لحال التعفّن المتراكم أو نتيجة لأجندات إقليمية كبرى. والمقلق أيضا أن السلطات اللبنانية والفلسطينية ما فتئت تتعامل مع هذا الوضع بالمسكنات دون أن تتجرأ على علاجات حقيقية، ذلك أن كافة الأطراف لا تريد أي تغيير في حالة الستاتيكو الراهنة، كما أن هذه الأطراف غير جاهزة، في السياق الحالي للمنطقة، لتوفير أي حلول جذرية لاجتثاث العلل وإبعاد الأخطار وسحب فتائل التفجير.

6