أي جدوى للمهرجانات الثقافية؟

المهرجانات الشعرية خاصة فقدت جمهورها وجدواها وأهميتها، وباتت كئيبة وخالية من المعنى والإثارة بسبب سوء إدارتها.
الثلاثاء 2019/11/05
شعراء يبحثون عن مظلة المهرجانات

شاعر مغربي دُعي مؤخرا لحضور فعاليات مهرجان الشعر العالمي الذي ينتظم في خريف كل سنة في مدينة توزر جنوب تونس، مسقط رأس الشاعر الكبير أبي القاسم الشابي. وعند عودته، التقيت به في مقهى “لونيفير” بتونس العاصمة، فإذا بي أجده منفعلا وحزينا لأن المهرجان الشعري كان خاليا تماما من أي شيء يمتّ للشعر بصلة.

 فقد دلّت الأمسيات الشعرية على أن جلّ الشعراء المدعوين من تونس، ومن بلدان عربية أخرى قرؤوا قصائد هزيلة عكست خواءهم المخجل على جميع المستويات.

وكان هناك شعراء من إيطاليا لكن لجنة المهرجان لم تكلّف نفسها ترجمة قصائدهم للتعريف بهم بشكل يليق بمهرجان له صفة “عالمية”.

وكان هناك ثلاثة شبان قدموا من مالي لكن اتضح أنهم ينتمون إلى فرقة دينية في بلادهم. وأما البحوث التي قدمت فقد افتقرت إلى أبسط مبادئ النقد. لذا جاءت شبيهة بمواضيع إنشائية مملة وسطحية.

 وضيّق النفس بما حدث له في توزر، أضاف الشاعر المغربي قائلا إن المهرجان كان “مهزلة بأتم معنى الكلمة… وكان إهانة للشاعر أبي القاسم الشابي ابن توزر”.

أصبح المستفيدون من فوضى فترة “الانتقال الديمقراطي” هم المتحكمون في كل شيء بما في ذلك المهرجانات الثقافية والفنية من دون أن تكون لهم دراية بها

ولعله كان على حق إذ كيف يمكن أن يحمل مهرجان توزر صفة العالمية إذا ما كان أعضاء اللجنة المشرفة عليه لا يمتلكون أدنى معرفة لا بالشعر العربي، ولا بالشعر العالمي. وربما يكون هدفهم الوحيد من تنظيم هذا المهرجان هو إرضاء الوهم الذي يجعلهم يعتقدون أنهم شعراء في حين أن الشعر منهم براء.

 ثم إن المهرجان مرّ في صمت إذ أن وسائل الإعلام التونسية لم تهتم به، ولم تتابع فعاليته بما يليق بصفته العالمية. وأنا على يقين أن لجنة المهرجان لم تكن ترغب في ذلك حفظا لماء الوجه، وتسترا على السلبيات والأخطاء الكثيرة التي ارتكبتها، وإخفاء لجهل أعضائها بمفهوم الشعر.

وأظن أن جلّ المهرجانات الشعرية التي تنتظم في تونس لا تختلف كثيرا عن مهرجان توزر.

صحيح أن وزارة الثقافة رصدت مبالغ هامة لمثل هذه المهرجانات، إلاّ أن اللجان المشرفة عليها تفسدها، وتحوّلها إلى وسيلة لتذكية أوهام أعضائها لكي تزداد أناهم المريضة انتفاخا وتورما.

وغالبا ما يعزف الجمهور عن حضور مثل هذه المهرجانات لأن الشعراء المدعوين لها لا يملّون من تكرار نفس القصائد التي كانوا قد ألقوها قبل سنة أو قبل سنتين، بل أن شاعرا ظل يعيد قراءة نفس القصيدة على مدى عقدين من الزمن. ولم يكف عن ذلك حتى عندما كان يجد نفسه وحيدا أمام الكراسي الفارغة.

وقد يتردد شاعر آخر في مهرجانين في يوم واحد، ولا هدف له غير الحصول على المكافأة المادية. أما الشعر في مفهومه العميق فلا يعنيه لا من قريب ولا من بعيد.

وقد ازدادت أوضاع المهرجانات على مستوى التنظيم سوءا خلال السنوات الماضية. فلرعاية التنشيط الثقافي في المناطق الداخلية التي تعاني من “التصحر الثقافي”، وجدت وزارة الثقافة نفسها أحيانا مرغمة على تسليم إدارتها لمن لا دراية لهم بالتنشيط الثقافي. وغالبا ما يكون هؤلاء منتمين إلى واحد من هذه الأحزاب الكثيرة التي برزت في فترة ما يسمّى بـ”الانتقال الديمقراطي”، أو من المتعاطفين معها بطريقة انتهازية.

دلّت الأمسيات الشعرية على أن جلّ الشعراء المدعوين من تونس، ومن بلدان عربية أخرى قرؤوا قصائد هزيلة عكست خواءهم المخجل على جميع المستويات

 ومعنى ذلك أن إدارة المهرجانات أصبحت توكل إلى من يفتقرون إلى الخبرة، وإلى المعرفة بأدنى قواعد التنظيم والتنشيط الثقافي والفني.

وصحيح أن المهرجانات كانت في زمن بورقيبة، كما في زمن بن علي، تدار من قبل رموز الثقافة الرسمية المساندين للنظام القائم بحيث لا يجرؤون على الخروج عن أساليبه وقواعده. غير أن هؤلاء كانوا قادرين على جعل المهرجانات مناسبات احتفالية هامة يدعى إليها شعراء وفنانون كبار من تونس، ومن البلدان العربية، ومن جميع أنحاء العالم.

وكان مهرجان توزر للشعر يستقبل في خريف كل عام عندما تكون الواحات تعيش أجمل أوقاتها بعد نضج التمور، شعراء ونقادا مرموقين.

وعلى وقعه يعيش أهالي الجنوب الغربي، أياما وليالي سعيدة تنسيهم رتابة وفراغ بقية أيام السنة. أما اليوم، فقد أصبح المستفيدون من فوضى فترة “الانتقال الديمقراطي” هم المتحكمون في كل شيء بما في ذلك المهرجانات الثقافية والفنية من دون أن تكون لهم دراية بها. لذلك فقدت هذه المهرجانات جمهورها وجدواها وأهميتها، وباتت كئيبة وخالية من المعنى ومن الإثارة.

14