أي حضور للطيور المُهاجرة في دراما رمضان التونسية؟

ياسمين بوعبيد تتألق وفارس الأندلسي يخفق في بطولته الأولى.
الاثنين 2021/05/31
"أولاد الغول" يستأثر بالنصيب الأوفر من الوجوه التمثيلية المهاجرة

شهد الموسم الرمضاني التونسي الأخير استقطاب المخرجين لعدد من الوجوه التمثيلية المهاجرة بالشرق والغرب لبطولة أعمالهم المحلية، على غرار عائشة بن أحمد ودارين حداد وياسمين بوعبيد وحلمي الدريدي وفارس الأندلسي وربيعة بن عبدالله وبلال البريكي وأميرة الشبلي، فأي إضافة قدّمتها هذه الأسماء إلى المشهد؟ أم أن حضورها أتى لأغراض ترويجية لا أكثر؟

تونس - عرفت الدراما التونسية في العشرية الأخيرة، ومع التنامي التسونامي في عدد القنوات التلفزيونية التي جاوزت الخمس عشرة فضائية، غالبيتها خاصة، وسط الانفتاح الإعلامي الذي تحقّق في تونس ما بعد ثورة الـ14 من يناير 2011، طفرة كمية غير مسبوقة في عدد المسلسلات والسيتكومات، ممّا فتح المجال فسيحا لاستقطاب وجوه فنية مكرّسة وأخرى مخضرمة وثالثة جديدة ورابعة مهاجرة أثرت المشهد السمعي البصري في بلد يتطلّع للخروج بمنتجه الدرامي من محليته الضيقة إلى آفاق أرحب، وهو أمر محمود ستظهر ثماره بالتراكم في قادم الأيام.

لكن الظاهرة الأكثر بروزا في دراما رمضان هذا العام تمثلت في ذاك الحضور البارز لأسماء فنية مهاجرة تم استقطابها من منتجي بعض المسلسلات التونسية ومخرجيها لتحل إما ضيوف شرف أو أبطالا على أعمالهم، فلمعت أسماء ومرّت أخرى مرور الكرام دون عميق أثر.

خماسي "آل الغول"

ظاهرة استقطاب الفنانين المُهاجرين في الدراما التونسية ليست بجديدة، فقد أرساها منذ عشر سنوات المخرج سامي الفهري
ظاهرة استقطاب الفنانين المُهاجرين في الدراما التونسية ليست بجديدة، فقد أرساها منذ عشر سنوات المخرج سامي الفهري

من الوجوه التي حقّقت النجاح في الموسم الرمضاني الأخير تبرز بقوة الفنانة التونسية المقيمة في إيطاليا ياسمين بوعبيد التي تميزت بأداء سلسل في مسلسل “حرقة” للمخرج الأسعد الوسلاتي مجسّدة دور وعد، الفتاة التونسية/الإيطالية التي تعمل على مساعدة المهاجرين غير النظاميين في بلد العبور، وتألقت بوعبيد في أدائها للدور بإتقانها الحديث بأربع لغات هي الإيطالية والفرنسية والإنجليزية وطبعا العربية، تحديدا الدارجة التونسية.

وسبق لبوعبيد أن شاركت في أدوار صغيرة في مسلسل “القضية 460” للمخرج مجدي السميري وفيلم “زهرة حلب” لرضا الباهي، إضافة إلى العديد من الأدوار الثانوية في بعض الأعمال الإيطالية.

وهي ذاتها التي تميّزت في تجسيد شخصية مريم الزوجة المخدوعة في مسلسل “أولاد الغول” للمخرج مراد بن الشيخ لتكون إلى جانب فارس الأندلسي الذي جسّد دور زوجها يوسف من أهم اكتشافات المسلسل، ولو بنسب متفاوتة!

والأندلسي الذي جسّد في “أولاد الغول” دور الفنان العاشق للتأليف الموسيقي والمتمرّد على سطوة أبيه إسماعيل الغول قبل أن يتّهم ظلما بقتله، خاض دروسا مكثّفة في العزف على آلة العود قبل اشتغاله على الدور في محاولة جادة منه ليكون أداؤه صادقا ومتسقا مع طبيعة الشخصية التي ترى في التلحين ملاذا وسلوى عن الصراعات المرضية لعائلته من أجل الميراث.

وسبق للممثل التونسي الشاب أن شارك في المسلسل العالمي “المسيح” للمخرج الأميركي جيمس ماكتيغي الذي عرض على شبكة نتفليكس، وجسّد فيه دور سمير اللاجئ المنحدر من مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين الذي يفقد عائلته نتيجة الحرب السورية.

وخسر الأندلسي 18 كيلوغراما من وزنه للقيام بدور اللاجئ كما استعان بمدربة لهجة فلسطينية لأجل إتقان اللكنة، إضافة إلى مشاهدته للكثير من الأفلام الوثائقية عن مخيمات اللاجئين، ما ساعده على أداء دوره بكل اقتدار. إلاّ أن أداءه في “أولاد الغول” أتى شاحبا هذه المرة رغم اجتهاده، فبدت انفعالاته مكرّرة سواء في مشاهد الغضب أو الصفح، كما بدا صوته الأجشّ الغليظ مزعجا في بعض المشاهد، خاصة تلك التي تُجسّد صراعاته مع والده إسماعيل، وزوجة أبيه الكاملة وأخيه غير الشقيق هارون.

"أولاد الغول" قدم خمسة أسماء تونسية مهاجرة تميزت في تجسيد أدوارها، في حين أتى أداء فارس الأندلسي دون المأمول

في المقابل بدا حلمي الدريدي في دور هارون وفيا لطبيعة الشخصية القيادية والسلطوية القاسية بانفعالات مدروسة سواء بالنظرات أوالحركات ونبرات الصوت، وخاصة بملامحه الثابتة أثناء التشنّج والسكينة على السواء.

والدريدي ممثل مسرحي وسينمائي بالأساس، انطلقت مسيرته الدرامية في تونس من خلال دور حمزة في مسلسل “الليالي البيض” للمخرج الحبيب المسلماني (2007)، وفي السنة الموالية اختاره المخرج سامي الفهري للمشاركة في مسلسل “مكتوب” في جزئه الأول بدور منتصر وشهرته “مُنْتا” وقد رسخ هذا الدور في عقل المُشاهد التونسي لسنوات.

إلاّ أنه اتجه في العشرية الأخيرة، بعد استقراره بفرنسا، للمشاركة في العديد من الأفلام الأوروبية والأميركية على غرار “صعود الرجل” و”تارنتا على الطريق” و”كارمن” و”قفص واحد وعصفوران” و”جاك ريان” وغيرها من الأفلام العالمية.

وفي المسلسل ذاته حضرت النجمة السينمائية والأستاذة الجامعية لمادة التمثيل في جامعة لوميير بمدينة ليون الفرنسية ربيعة بن عبدالله في أولى تجاربها التلفزيونية في الدراما التونسية من خلال دور أم يوسف وعشيقة إسماعيل الغول السرية، ورغم حضورها الشرفي في العمل، إلاّ أنها كانت أحد العناصر المحرّكة للأحداث، وتميّز أداؤها بسلاسة التعبير بالوجه أكثر من الكلام، خاصة في تجسيدها لمشهدي المريضة بداء السرطان، بنظرات عين غائرة وعاجزة عن لملمة جراحها في مشهد أول، وبتطاير الفرح من حدقتيها ودويّ ضحكاتها الصاخبة حين علمت بانتصارها على المرض الخبيث في مشهد ثان.

ويظل “أولاد الغول” من أكثر المسلسلات التونسية استقطابا للوجوه التمثيلية المهاجرة هذا العام، وهو الذي شارك فيه الممثل التونسي المُقيم بفرنسا أيضا بلال البريكي في دور التوهامي الطالب الجامعي المتسلّق والوصولي بلكنته الريفية “السمجة”، وشخصيته المرضية القذرة والمستفزة والتي تعاني من كبت جنسي لا شفاء منه. وقد تميّز البريكي في تجسيد شخصيته بإتقان عال جعلت المُشاهدين يقرفون منه ويغالون في انتقاده، وذاك عين النجاح.

ظاهرة تتكرّر

 في المقابل، قدّم مسلسل “حرقة” للأسعد الوسلاتي النجمة التونسية المقيمة في مصر عائشة بن أحمد في دور مركّب ومُربك معا، مجسّدة دور هالة الأم العزباء التي لا تجد مفرا للهرب من سياط مجتمعها الذكوري، سوى الإبحار خلسة على مراكب الموت إلى الضفة الأخرى من المتوسّط، لتجد في المعتقلات الإيطالية عالما أكثر سوداوية من وطنها الأم، عالم تحكمه مافيات الاتجار بالبشر وأحلامهم وآمالهم المسحوقة على عتبات العنصرية والازدراء لكل عربي وأفريقي دخيل عليهم.

وهذا الحضور للمواهب التمثيلية المُهاجرة ليس بغريب على مخرج العمل الأسعد الوسلاتي الذي سبق له أن أعاد النجمة العربية درة زروق إلى الدراما التونسية بعد طول غياب من بوابة مسلسله الحدث في العام 2019 “المايسترو”، لتجسّد شخصية رقية الأخصائية النفسية في سجن الأحداث (دون سن الـ18).

وهو نفسه، أي الوسلاتي، الذي أسند دور البطولة في “المايسترو” لطاقة تمثيلية أخرى مُهاجرة ونعني هنا الممثل أحمد الحفيان الذي يُقيم ويعمل منذ سنوات في إيطاليا، محقّقا بذلك رميتين بحجر واحد، أوّلهما تغيير جلديهما بتخليهما عن أداء الشخصيات المصرية بالنسبة إلى الأولى، وأخرى إيطالية أو دور العربي المُهاجر بالنسبة إلى الثاني، ليقدّمهما في شخصيات تونسية لحما ودما.

كما تمكن من خلال درة، خاصة، التي تحدّثت مطوّلا عن العمل في جلّ حواراتها الإعلامية العربية، حينها، من تسويق مُنتجه الدرامي عربيا وفكّ عزلته المحلية، ولمَ لا الترويج لنفسه كمخرج عربي واعد في قادم التجارب.

عائشة بن أحمد دون مساحيق ولا تجميل تقدّم أداء مميزا في "حرقة"
عائشة بن أحمد دون مساحيق ولا تجميل تقدّم أداء مميزا في "حرقة"

وهو ما حصل مثلا مع مجدي السميري في العام 2015 بعد استقطابه للممثلة ذاتها، درة، في مسلسل “ليلة الشك” الذي فتح له أبواب النجومية العربية على مصراعيه، ليغدو اليوم الحصان الرابح في أكثر من مسلسل عربي وخليجي.

وبالعودة إلى دراما رمضان تونس هذا العام نجد أيضا ذاك الحضور المتميّز للممثلة والراقصة الكوريغرافية المقيمة في فرنسا أميرة الشبلي التي تألّقت في أداء دور درة أخت يحيى المتهم ظلما في قتل الصبية مريم في مسلسل “الفوندو” للمخرجة سوسن الجمني، مجسّدة دورا مُركّبا يجمع بين القسوة واللين والحب والكره والتشتّت والسعادة. وهي التي تألّقت أيضا على مدار موسمين متعاقبين ( 2019 و2020) في مسلسل “نوبة” لعبدالحميد بوشناق بتجسيدها لدور حبيبة معشوقة ماهر الذي جسّد دوره أيضا بلال البريكي في أول ظهور درامي له بتونس.

في المقابل بدا حضور الفنانة التونسية المقيمة في مصر دارين حداد في السلسلة الكوميدية “الجاسوس” عاديا، ودون عميق أثر، حيث كان بالإمكان أن تجسّد دورها أيّ فنانة محلية أخرى، لكن لمخرج العمل ربيع التكالي رأي آخر طبعا!

وتظل ظاهرة استقطاب الفنانين المُهاجرين في الدراما التونسية ليست بالجديدة، وهي التي أرساها منذ أكثر من عقد المخرج والإعلامي التونسي سامي الفهري الذي سبق له أن تعاون مع هند صبري في “مكتوب 2” في العام 2009، وساندي في “مكتوب 4” (2014) وسامية الطرابلسي في سيتكوم “دنيا أخرى” بأجزائه الأربعة، وعارضتي الأزياء العالميتين ليلى بن خليفة ومريم بوقديدة في أكثر من عمل درامي من إنجازه كـ”مكتوب” و”أولاد مفيدة” و”تاج الحاضرة”.

17