أي خطاب ديني نريد تجديده

الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني أسالت حبرا أكثر من القيام بعملية رصد هناته وإيجاد حلول معاصرة لما اعترى كتب التراث والتاريخ الإسلاميين من جمود وأحكام عفا عليها الزمن لكن سلطتها لا تزال قائمة في المخيال الجمعي، ما جعل هذا الخطاب حمّال أوجه، في التعامل معه قصد تجديده والخروج به من سيطرة الماضي وقدسيته، ما بين الداعي لهدم الماضي والبناء عليه من جديد وما بين المتخوف على الثوابت الدينية من أن يلحقها هذا التجديد المرجوّ.
الأربعاء 2015/08/19
تجديد الخطاب الديني لا بد أن يراعي متطلبات حياة المسلمين وحداثتهم

حقل الخطاب الديني وضرورة تجديده شهد دعوات لم تجد آذانا تسمع ولا قلوبا تعقل أهمية هذا المبحث ودوره في تخليص مرجعيات هذا الخطاب وما علق بها من تفسيرات وتأويلات ساهمت في ظهور أنواع عديدة من التشدد الفكري والعقائدي.

المؤتمرات التي تعقد تباعا شرقا وغربا حول الحاجة الأكيدة لتجديد هذا الخطاب وإن حاولت إيجاد سبل لهذا التجديد لم تجعل من أفكارها مسايرة للواقع ولا محتكّة به، ما يجعلها ذات فاعلية في مواجهة موجات الإرهاب والتطرف العنيف التي تستند إلى مرجعية دينية الدين منها براء.

في كتاب “نقد الخطاب الديني” نجد نصر حامد أبوزيد يقول “الخطاب الديني حين يزعم امتلاكه وحده للحقيقة المطلقة لا يقبل الخلاف في الرأي إلا ما كان في الجزئيات والتفاصيل، وهنا يبدو تسامحه واتساع صدره واضحاً ومثيرا للإعجاب، يتسع للتشدد والتنطع، بل وللتطرف، ولكن الخلاف إذا تجاوز السطح إلى الأعماق والجذور احتمى الخطاب الديني بدعوى الحقيقة المطلقة الشاملة التي يمثلها، ولجأ إلى لغة الحسم واليقين والقطع، وهنا يذوب الغشاء الوهمي الذي يتصور البعض أنه يفصل بين الاعتدال والتطرف”، وهذا ما يجعل مسألة الخطاب الديني وتجديده تقع خارج مقصديتها ذلك أن المتصدين لهذا الأمر لا يرون في عملية التجديد هذه إلا شبه مراجعة للحواشي والتفسيرات والتأويلات، وليس المهم نقدها ومحاولة تبيان تهافتها، إذ أن الموروث الفقهي لا يزال يلقي بسلطته التاريخية على كل اجتهاد ولا يجب الخروج عن نسقه ودائرته، فإغفال العناية بفقه المقاصد هو ما جعل الاتكاء على هذا الموروث الفقهي يحول دون مسايرة مستجدات الواقع وحداثة مشكلاته.

الدعوات المتلاحقة لتجديد الخطاب لا بد لها من أن توضح مقصودها من هذا التجديد وحدوده ومآلاته، فما يسميه أبوزيد “العقل الغيبي” هو الأحق بالتجديد ليصل إلى مفهوم “العقل الديني” ذلك أن العقل الغيبي لا بد له أن يتخطى مرحلة التسليم الإيمانية ليدخل منطقة العقل الديني بنقد الظواهر وتحليلها، وهذا ما يدعو إليه نصر حامد أبوزيد كمنهج للخروج بالخطاب الديني من دائرة الركون إلى الماضوية والفتاوى القروسطية التي كانت سببا في ظهور الجماعات الدينية العنفية من خلال اتكائها عليها في تبرير أفعالها ونشاطاتها، وجعلها الدين وسيلة الوصول إلى السلطة.

من جهة لو تمعنا في كلام عبدالله النجار عميد كلية دراسات الدعوة السابق في مصر الذي دعا إلى تجديد الخطاب الديني بما يلائم الواقع، لأنه حسب رأيه مقصد شرعي، وكذلك أن يتم تجديد التناول في مجال الخطاب الديني لأن هناك حسب قوله حاجتين يقوم عليهما هذا التجديد هما دلالة الحال ودلالة المقال، يفتح لنا بابا للبحث عن هذه الثنائية (الحال والمقال).

إغفال العناية بفقه المقاصد جعل الاتكاء على الموروث الفقهي يحول دون مسايرة مستجدات الواقع وحداثة مشكلاته

ما بين الحال والمقال هل بإمكان القائمين على تجديد الخطاب الديني والمحتكرين له، ذلك أنه لا بد من شروط حسب هؤلاء للتصدي لهذا المبحث، إيجاد صيغة تفي بما هو منتظر من هذا التجديد.

التجديد باعتبار أنه ليس هدما للقديم بل البناء عليه وتجاوزه سيجعل من مسألة تنقية كتب التراث أمرا عسيرا من ناحية ما اكتسبته هذه الكتب من قداسة تصل حدود التسليم الأعمى بما فيها سواء تماشى مع صريح النصوص الدينية أو كان تفسيرا وتأويلا مجانبا لحقيقتها.

هذه الكتب وما حوته في متونها من ضروري النظر إليها للقطع مع مسلماتها وما تركته في العقل الجمعي من تأثيرات، ذلك أن غربلتها ستمكن من تحديد أطر التحرك في مجال التجديد المرتقب لخطابها وسد باب التذرع بها في مسائل الفقه والحوادث التاريخية التي عليها يقاس مجال الفتوى الحديث بالعودة إليها كمرجعية لا تقبل التفنيد.

تجديد الخطاب الديني لا بد أن يكون لصيقا بحياة الناس وتطورها لا قياسات وتفسيرات تنتزع من كتب لا صلة لها بالواقع المعيش، ونجد المفكر المصري حسن حنفي يقول في هذا الصدد “تجديد الخطاب الديني يبدأ بحياة الناس والواقع الاجتماعي، ما يقبله وما يرفضه وهو منهج الاستقراء القديم الذي يحصي العلل المتحكمة في السلوك لمعرفة الأسباب”.

لذلك لا بد من جعل تطور الحياة عند المسلمين وآلياتها الحداثية مرجعا في عملية التجديد لهذا الخطاب الذي كان سببا في بروز ما نعيشه اليوم من أطروحات تكفيرية وعنفية وإرهابية تجلببت بعباءة الدين من أجل مصالح سياسية ضيقة لا تقيم اعتبارا لخصوصية المجال الديني وفصله عن الأيديولوجي والسياسي، ذلك أن تسييس الدين وتديين السياسة هو الباب الذي لا بد من ولوجه لتجديد هذا الخطاب الديني الذي اعتبرته حركات الإسلام السياسي مرجعيتها الأساس في خطابها.

لكن رغم ذلك نبقى ندور في فلك رأيين إثنين يتجاذبان مسألة تجديد الخطاب الديني ما بين من يريد تقويض كل الأسس والبناء من جديد وما بين المتخوف من أن يطال هذا التجديد الثوابت الدينية.

وما بين الأمرين يبقى الخطاب يراوح مكانه، لا يجد مستقرا فكريا ولا دعامة واقعية يرسو عليها فإما أن يرتكس من جديد نحو الماضي حين اصطدامه بالحداثة ويعود إلى عجلة القداسة التي أحيط بها ومنها ستخرج أطروحات التكفير والتطرف من جديد،أو أن يكون انقلابا كليا على تاريخية النصوص ومرجعياتها بدعوى هدم القديم وتحديثه وفقا لمتطلبات الحداثة المعاصرة.

وربما لهذا السبب نجد حسن حنفي يقول “تجديد الخطاب الديني هو إحدى وسائل تطوير الخطاب الإصلاحي الذي حاول من قبل الجمع بين القديم والجديد قبل أن يصطدم بالحداثة فينكمش على نفسه ويعود إلى القديم مرة أخرى ويكفّر الحـداثة والحداثيين”.

13