أي خطاب ديني يحتاجه السجناء

الاثنين 2015/08/17

إلى وقت قريب كان مثل هذا السّؤال يندرج ضمن نطاق المسكوت عنه، لا سيما وأنّ المؤسسة السجنية تبقى مؤسسة مدنية حديثة لا تخضع لضوابط الموروث الفقهي.

لكن، مع بدء تخرّج الدفعات الأولى للإرهابيين التكفيريين من سجون العواصم الغربية أولا، ثم الشرق أوسطية ثانيا، تبيّن أن هناك خطابا تكفيريا استطاع التسلل إلى داخل السجون التي تأوي سجناء مسلمين. وهو خطاب يراهن على الهشاشة الروحية لأشخاص نشأوا في الغالب وسط ثقافة لم تشجعهم على استعمال عقولهم والاحتكام لضمائرهم والإنصات لحدوسهم الداخلية ومعرفة قناعاتهم الخاصة.

لنقل إنهم أشخاص منزاحون عن مسار حضارة قامت على مقولة سقراط، “اعرف نفسك بنفسك”، متأخرون عن فلسفة الذات، متأخرون عن قيم الحرية والمسؤولية والإرادة والاعتراف، يسهل عليهم الإنكار والتقية والتستر والكتمان، كما يسهل عليهم في المقابل الوقوع في الشعور الوسواسي بالذنب، فيختلط عليهم الحقّ بالخطيئة، ويشعر الواحد منهم كأنه ملعون في الدنيا، “ضيع” دينه، “أسخط” أمه، “زنا” مرارا بإحدى يديه في مراهقته، “ترك” آلاف الصلوات، سقط أحيانا في نزوات “لوطية”، تهور ذات مرة ثم تورط في إجهاض “حرام”، بعد حمل “حرام”، بعد فعل “حرام”، بعد اختلاط “حرام”، ليجد نفسه في الأخير منهكا بثقل معاص يختلط فيها الواقعي بالوسواسي، والطبيعي بالعصابي، وهنا المعضلة، لا سيما إذا سبق للسجين أن فشل في أولى محاولاته لاغتناء غير المشروع بعد أن نسج وهما كبيرا، من قبيل تهريب المخدرات، كما جرى للكثير من الشباب المغاربي في بلاد الغرب، قبل أن يتحول التأثيم الديني المقرون بالشعور بالفشل إلى رغبة في التكفير والتطهير، سواء بواسطة الصلاة أحيانا أو بالحزام الناسف في الأخير.

في هذا الإطار ظهرت بعض الدّعاوى إلى الحاجة لاستعمال الخطاب الديني بنحو مغاير قصد إعادة تأهيل السجناء عموماً، والسجناء من الديانة الإسلامية على وجه الخصوص. فإلى أي حد يستطيع الخطاب الديني أن يساهم في إعادة إدماج سجناء الحق العام في المجتمع؟

لا ننكر بأنّ الأديان بمعناها الرّوحي، وحين يتم النأي بها عن كافة أشكال التوظيف الأيديولوجي في معارك السلطة والثروة، وحين تتم إعادة صياغة مضامينها على أساس يحترم العقل والحرية، فإنها قد تضطلع بأدوار إيجابية لغاية المساهمة في ترسيخ قيم التّضامن والإحسان والغفران والرّجاء الوجودي أو العزاء الأنطولوجي في لحظات اليأس، وهي بذلك قد تملأ بعض الفراغات التي لا تملأها سائر الخطابات الأخرى. لكن في هذا الباب كل شيء متعلق بالتفاصيل. لسنا ننكر إمكانية استعمال الدين بمنظور إيجابي، بل نقر بهذه الإمكانية وندرك أهميتها، لكن المسألة تحتاج أوّلا إلى تحديد دقيق للأهداف، وهذا ما لا نجده في معظم الحالات، وثانيا إلى إعداد للوسائل الملائمة، وهذا ما يغيب في الكثير من الأحيان.

أوّلا، الأهداف الواضحة:

تعدّ صياغة أهداف الخطاب الديني مسألة إستراتيجية بالغة الأهمية والتعقيد، وتتقاطع فيها الكثير من الحقول المعرفية، من الفلسفة السياسية إلى مختلف دوائر العلوم الإنسانية. وعلى سبيل الاستدلال، لنتصور صياغة هدف الخطاب الديني داخل المؤسسات السجنية على النحو التالي: إعادة تأهيل السجين بحيث يصبح أكثر قدرة على التحكم في انفعالاته العنيفة. بهذا المعنى يصبح الهدف أكثر دقة ومعقولية. لكن، من خلال هذا الهدف سنكتشف أيضا حدود الخطاب الديني السائد المفعم بأجواء تجييش الانفعالات على حساب العقل والحكمة. ما يعني أننا نحتاج إلى إصلاح الدين، قبل أن يصبح الدين جزءا من عملية الإصلاح.

ثانيا، الوسائل الملائمة:

كيف نستعمل الدين داخل المؤسسات السجنية وبأي معنى؟ هل نستعمله لكي نقتل الطموح ونشل الإبداع ونغلق النقاش، أم نستعمله لكي نبعث الطاقة الحيوية ونثير روح التفوق والإبداع؟ هل نستعمله للوصاية على العقل وتعطيل الوجدان، أم نستعمله لتحرير العقل والإرادة؟ هل نستعمله لإعلاء قيمة الحياة والنماء، أم لإعلاء قيمة الموت والفناء؟ هل نستعمله لتكريس الأخوّة القائمة على الدين ومن ثم المذهب، أم لتكريس الأخوة القائمة على المواطنة ومن ثم الإنسانية؟

إذا ابتغينا مساهمة الخطاب الديني في إعادة إدماج السجناء، فيمكننا التساؤل بأي معنى سيتم توظيف هذا الخطاب؟ بأي المضامين؟ بأي المفاهيم؟ بأي الوسائل؟

المشكلة ليست في المصحف الذي يمكن حفظه وقراءته وترتيله والتعبد به، ليست المشكلة في الخطاب القرآني الذي هو أقرب إلى العقل والحكمة والطبيعة البشرية والفطرة السليمة والقيم النبيلة، مما نجده واضحا في قيم سلوكية إنسانية بليغة من قبيل: (والكاظمين الغيظ – والعافين عن الناس – لا إكراه في الدين…)، قيم إنسانية سامية لم يتطرق إليها الموروث الفقهي إلا قليلا، لكن تكمن المعضلة في التفاسير والمتن الحديثي والمتن الصحابي والمتن التابعي وتابع التابعي، ضمن ما يمكننا أن نسميه بالنص الديني الموسع، وهو “نص” يطرح صعوبات أمام “الوظائف الإيجابية” للدين.

بكل تأكيد، يبقى استعمال الدين لغاية إعادة إدماج بعض السجناء هدفا نبيلا وجليلا، لا سيما حين يتعلق الأمر بسجناء ذوي حساسية دينية، وربما لديهم أزمة هوية أيضا، وربما تختلط عندهم أزمة “الهوية” بأزمة الشعور بالذنب، أو أولئك الذين يعانون من حالة وجودية بالغة الهشاشة، لكن هنا لا تكفي النوايا الطيبة، وكما يقال فإن الطريق إلى الجحيم نفسه مفروش بالنوايا الحسنة.

يحتاج الفعل الديني الإصلاحي إلى انفتاح على حقول معرفية كثيرة، يحتاج إلى استعانة بأصحاب تلك الحقول. إذ يجب الانتباه إلى أن الخطاب الديني لا يجوز أن يلغي سائر الخطابات الأخرى، ومن بينها الخطاب العلمي والخطاب الأدبي والخطاب الفني. بمعنى أن الخطاب الديني يحضر كفعل مكمل يعرف قوته لأنه يعرف حدوده.

هنا تكمن معضلة أخرى من معضلات الخطاب الديني عندنا، والذي لا يقبل بأقل من موقع المهيمن على سائر الخطابات الأخرى. وهذا خطأ فاضح. لابد لعالم الدين ولحافظ القرآن وللشيخ الداعية وللمفتي، أن يقتنعوا بأنهم قد يقدمون حلولا جيدة في بعض الأحيان، لكنها تبقى حلولا جزئية تغطي مجالات محددة ومحدودة، ولا تلغي الحاجة إلى متدخلين من مجالات أخرى غير دينية، ومثلا فإنها لا تلغي دور الطبيب النفساني، ودور المربي، ودور مراكز العلاج من الإدمان، لا تلغي دور معلم الموسيقى ومدرب الرياضة. بل لا تلغي نمطا جديدا من الفلسفة بدأ ينتشر في عدد من المجتمعات الغربية، ويقوم على أساس أن للفلسفة بمعناها الأبيقوري ما تعلمه للناس حتى في الوضعيات الأشد استعصاء داخل السجون والمستشفيات وحتى في لحظات الاحتضار.

أن يصبح الخطاب الديني شريكاً في الإصلاح يعني أن نعيد صياغته من جهة أولى، وأن ندرك حدوده من جهة ثانية. وأما حين نصرّ على تقديم الموروث الديني كحل لكل مشاكل البلاد والعباد، فإننا ندمر الدين، وننتج نمطا من التديّن يوحي ظاهره بالانضباط، ويحبل باطنه بمشاريع مدمرة.

كاتب مغربي

9