أي دور لأنقرة في دعوة الجولاني لـ"رص الصفوف"

الخميس 2018/01/18
الانتقال إلى مرحلة جديدة من الحرب

لندن – تفتح التطورات الميدانية الأخيرة في سوريا ملف خارطة الفصائل المعارضة المسلحة التي تتحرك داخل الميادين السورية على نحو ضبابي غامض. وفيما تجتمع كافة هذه الفصائل على معاداة النظام السوري والميليشيات الرديفة التابعة لإيران، تُطرح أسئلة حول الأجندات التي تتحرك تلك الفصائل وفقها وعلاقة الدول الإقليمية بها.

وتكشف المعارك الدائرة حول إدلب ودمشق مدى التصاق أنشطة هذه الفصائل بالمداولات الإيجابية والسلبية الجارية بين العواصم الإقليمية والدولية المنخرطة داخل الأتون السوري.

ويهدف توجيه كافة الفصائل المسلحة باتجاه إدلب ونقل معظم من خضعوا لاتفاق التسويات في مناطق سوريا الأخرى ومناطق شرق لبنان إلى تلك المحافظة إلى إعداد بقية المناطق لتدابير تُسهّل التوصل إلى صيغة سياسية أيّا كانت مداخل الوصول إليها.

وكان التقاطع الروسي الإيراني التركي الذي أنتج مناطق خفض التوتر إطارا لهذا المنحى الذي تطلّب أيضا تنسيقا مع الأردن بصفته الدولة الحدودية جنوب سوريا والمرتبطة بعلاقات مع فصائل معارضة ومع السعودية بسبب علاقاتها مع التنظيمات المعارضة ورعايتها لاجتماعات هذه المعارضة للإعداد لمفاوضات جنيف.

وأعادت التطورات السورية منذ سقوط مدينة حلب في أواخر عام 2016 تموضع كافة الدول الإقليمية لصالح الشراكة الروسية التركية الإيرانية، كما أعادت المعارضة السورية بفصائلها السياسية والعسكرية تموضعها أيضا وفق تبدّل الأجندة الميدانية التركية، ووفق انخراط السعودية في تسهيل العملية السياسية التي تشرف عليها الأمم المتحدة في جنيف دون اتخاذ أي موقف سلبي من قبل الرياض حيال مقاربة أستانة أو حتى حيال المؤتمر الذي تنظمه روسيا في سوتشي.

التقدم السريع الذي حققته قوات النظام السوري لجهة سيطرتها على العشرات من القرى المحيطة أو التابعة لمحافظة إدلب، جرى في بادئ الأمر بالتواطؤ الكامل مع تركيا

وتلفت مراجع دبلوماسية عربية أن الهجوم الذي قام به النظام السوري على محافظة إدلب اخترق تفاهمات ضمنية جرت بين رعاة أستانة ولم تتواكب مع وعود قيل إن روسيا قطعتها للجانب التركي في مسألة عفرين. ويضيف هؤلاء أن الغضب الذي صدر عن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو والرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعد ذلك، كان يعبر عن حدّة الانقلاب الذي لاحظته أنقرة من خلال طبيعة هجمات دمشق العسكرية داخل المحافظة.

وتقول بعض المعلومات إن التقدم السريع الذي حققته قوات النظام السوري لجهة سيطرتها على العشرات من القرى المحيطة أو التابعة لمحافظة إدلب، جرى في بادئ الأمر بالتواطؤ الكامل مع تركيا، وأن قوات هيئة تحرير الشام أشرفت، للمفارقة، على تسهيل تقدم النظام ومنع أي تصدَ قد تقوم به القوات التابعة لفصائل الجيش الحر الأخرى.

وفسرت المراجع ذلك بأنه قد يكون من أعراض العلاقة التي تربط الأجهزة الأمنية التركية بجبهة النصرة والتي تعمل وفق الأجندة التركية رغم عدم امتلاك هذه المراجع إثباتات دامغة على تلك العلاقة.

وهيئة تحرير الشام هو تحالف من جبهة النصرة وتنظيمات إسلامية أخرى تنشد إقامة دولة إسلامية على أنقاض النظام الحالي في سوريا، وهو تحالف مدرج على لائحة الإرهاب بالنسبة إلى التحالف الدولي كما لرعاة عملية أستانة.

وتحاشت بقية فصائل المعارضة المسلحة العمل مع هيئة تحرير الشام داخل الميادين العسكرية تجنبا للخلط بينها وبين من يجمع العالم على اعتباره إرهابيا واستثنائه من التدابير والإجراءات المتعلقة بمناطق خفض التوتر، كما اعتباره هدفا “شرعيا” لعمليات التحالف الدولي كما للعمليات الروسية في سوريا.

ويرى متخصصون في شؤون الجماعات الجهادية أن النداء الذي وجهه أبومحمد الجولاني الداعي إلى “الوحدة والمصالحة” داخل المعسكر المعارض يقدم جديدا لافتا يستحق التوقف عنده. ومازال هؤلاء يحاولون فهم نداء زعيم جبهة النصرة ومحاولة استكشاف ما إذا كان في ذلك انسحاب يعلنه من “الجهادية” باتجاه الوسطية، بما يمثل ذلك من قطيعة مع المدارس الفكرية التي أنتجت القاعدة وداعش، أو يمثل حلقة جديدة تود “الجهادية” من خلالها توسيع ظلالها باتجاه فصائل المعارضة الأخرى.

التمويل الذي عُرف أن قطر كانت تقدمه لتنظيم النصرة كما العلاقات التي تربط الدوحة بتنظيم الجولاني جُيّر بأكمله لصالح تركيا إثر التحالف الذي تدعّم بين البلدين

غير أن مصادر في أنقرة قرأت نداء الجولاني بصفته تحوّلا تركيا في مقاربة الشأن السوري قد يكون هدفه إعادة تأهيل هيئة تحرير الشام وإدماجها داخل جبهة جديدة تضم كافة الفصائل الموالية لتركيا.

وقالت هذه المصادر إن أنقرة لم تتوقف يوما عن التعويل على قوة جبهة النصرة داخل تحالف هيئة تحرير الشام، وأن تسهيل قوات هذه التحالف دخول جيش النظام إلى قرى إدلب ثم تصديها لذلك يعكسان مدى التزام النصرة بالأجندة التركية بحذافيرها.

وعرض محمد الجولاني في تسجيل صوتي بث الثلاثاء على فصائل المعارضة “المصالحة الشاملة” ودعاها إلى “رص الصفوف” للتصدي للهجوم الواسع الذي تشنه قوات النظام على محافظة إدلب.

والتسجيل الذي بُثّ للجولاني هو الأول منذ إعلان روسيا في أكتوبر أنها تمكنت بواسطة غارة جوية من إصابته بجروح خطرة دخل على إثرها في غيبوبة وهو ما نفته هيئة تحرير الشام في حينه.

وفرضت محاولة تحالف روسيا وإيران ونظام دمشق أمرا عسكريا واقعا في إدلب من خارج التفاهمات مع تركيا، قد تضطر أنقرة على إثره إلى كشف أوراقها في سوريا كما التلويح بعملية تركية عسكرية في منبج، فيما يبدو أن إعلان واشنطن عن دعم قوة كردية من 30 ألف فرد لحماية الحدود الشمالية الشرقية في سوريا قد خلط الأوراق من جديد وحتّم على تركيا كشف كافة أوراقها بما في ذلك ورقة “النصرة” وهيئة تحرير الشام.

والتمويل الذي عُرف أن قطر كانت تقدمه لتنظيم النصرة كما العلاقات التي تربط الدوحة بتنظيم الجولاني جُيّر بأكمله لصالح تركيا إثر التحالف الذي تدعّم بين البلدين.

وإذ حمّل الجولاني في التسجيل اتفاق أستانة المسؤولية عن الهجوم الذي تشنه قوات النظام مدعومة بروسيا على إدلب، فإنه أكد أنه بإمكان الفصائل المعارضة “تجاوز هذه الأزمات إذا وحّدت الجهود وتراصت الصفوف”. وتأخذ هذه الدعوة للمصالحة مع بقية الفصائل بعين الاعتبار انخراط العالم داخل أستانة وجنيف وفق تفاهمات تعتبر تركيا أساسا فيها، كما تأخذ بعين الاعتبار علاقة فصائل الجيش الحر بأنقرة كما بعواصم المنطقة المناصرة للمعارضة السورية.

7