أي مستقبل لأبناء يؤمن لهم المال فقط

الثلاثاء 2016/08/30

أسأل صديقتي في كل لقاء يجمعنا هل اقتربت عودة زوجك، تجيبني والألم باد على ملامحها: لم يأت. هو سيأتي حتما، لكن متى وهل سيعود نهائيا إلى أرض الوطن أو يتخذ قرارا لا بد منه بلم شمل هذه العائلة المشتتة؟ ما جدوى وجوده في حياة أبنائه بعد مرور كل هذه السنوات الخالية من العواطف والأحاسيس التي تربط الأب بأبنائه، مشاعر لا تتوفر إلا بالتقارب وتقاسم تفاصيل الحياة.

تعاني الآلاف من الأسر العربية من غياب الأزواج بسبب السفر للعمل بغرض تأمين دخل أفضل لتحسين ظروف العيش تاركين وراءهم زوجات وأطفالا رضعا ومراهقين وكأن دورهم الوحيد يتمثل في تأمين لقمة العيش.

تعيش الأسرة مشتتة تطوقها الفرقة والتضحيات والحرمان؛ فالزوج أو الأب يضحي براحته واستقراره واستقرار عائلته في سبيل بلوغ الهدف الذي غادر لأجله، أما الزوجة أو الأم فمسؤوليتها مضاعفة ومرهقة، وكلما طالت فترة الغياب والفرقة بين الزوجين تفاقمت المعاناة وتفاقمت معها الآلام النفسية والجسدية. أي دور سيكون للأب في حياة أبنائه وأسرته وحضوره في حياتهم لا يتجاوز معدّل الشهر في السنة. الأكيد أن تواجد الأب بضعة شهور فقط في حياة الطفل والزوجة له مضار معنوية لا يمكن أن يمحوها ما يوفره من أموال طائلة يدفع سنوات حياته وحياة أسرته ثمنا لها.

الفراق ينتج تفككا أسريا ويعرض الزوجة والأبناء لصعوبات نفسية واجتماعية تتفاقم مع مرور السنوات.

بغياب الأب المهاجر يغيب دوره التربوي والتوجيهي في حياة أبنائه ويلقي الحمل كله على كاهل الزوجة التي يصبح دورها مزدوجا، فهي الأب والأم في الآن ذاته، وهذا ما يتسبب في آثار سلبية تدمر حياتها وترهقها وتفقدها أنوثتها، حيث أثبتت الدراسات الحديثة أن سفر الزوج المتواصل يؤثر سلبا على الحالة النفسية للزوجة والأطفال، ويفاقم خطر إصابتهم بالكآبة.

كما أن سفر الزوج يهدد العلاقة الزوجية بالتفكك وأحيانا الخيانة الزوجية والطلاق، فأغلب الأزواج المسافرين يبحثون عن حياة جديدة تلبي حاجياتهم. أما الأبناء فتصبح علاقتهم بأبيهم محكومة بالمادة مما يهددهم بالانحراف والأنانية وسوء السلوك، ولا يخفى ما لهذه الصفات من تأثير سلبي على الأسرة والمجتمع. فتلبية الحاجيات المادية لا يمكن أن تعوض بأي شكل من الأشكال الحاجيات المعنوية والنفسية وحاجة الأبناء إلى العطف والحنان والعيش في كنف أسرة مستقرة. تحمل مسؤولية الأبناء أمر ليس بالهين ويتطلب تكاتف الجهود بين الأبوين وتقاسم المسؤولية لخلق بيئة سليمة يتربى فيها الطفل لتكون شخصيته معتدلة وخالية من الصفات السلبية التي تنتجها التربية غير المتوازنة.

ويصر الكثير من الأزواج على السفر بمفردهم دون مرافقة الزوجات والأبناء لعدة أسباب منها الصعوبات الاقتصادية التي يواجهونها في بلاد المهجر والخوف على الأبناء من البيئة وأساليب التربية التي تختلف في مجملها عن البيئة العربية. والأدهى والأمر أن تترك الأم طفلها أو أطفالها عند المقربين وتغادر لتكون إلى جانب الأب أو للعمل هي أيضا والهدف واحد وهو تأمين مستقبلهم، فأي مصير ينتظرهم بعد هذا الرحيل. ومهما كانت البيئة التي سيعيشون فيها سليمة فإن ذلك لن يعوضهم ضمة حنان. الأكيد أن تقاسم الأعباء بين الزوج والزوجة يفيد الطرفين ويعود بالنفع على الحالة الصحية والنفسية للرجل والمرأة على حد سواء وبالتالي على الأبناء والمجتمع.

صحافية من تونس

21