أي مستقبل للبوليساريو بعد سنة من الانتكاسات

لم تكن سنة 2016 موفقة بالنسبة إلى جبهة البوليساريو وحاضنتها الجزائر بعد العديد من الهزائم التي حاصرت قياداتها من كل جانب، الأمر الذي زاد من تعميق عزلتها.
الثلاثاء 2016/12/20
التلويح بالحرب ورقتهم الأخيرة

الرباط - يرى مراقبون أن جبهة البوليساريو شهدت خلال العام 2016 العديد من الوقائع والمتغيرات الهامة التي زادت من تعميق أزمتها الوجودية، وهو أمر يؤكده رضا الفلاح أستاذ القانون الدولي الذي يعتبر أن هذه الأزمات قلّصت من هامش مناوراتها الدبلوماسية والسياسية على الساحة الدولية خاصة بعد فشل محاولاتها في ترويج مزاعم حول استغلال الثروات الطبيعية واللعب على ورقة حقوق الإنسان.

وأكد صبري الحو، الخبير في القانون الدولي والهجرة وقضية الصحراء، في حديث لـ”العرب”، أن البوليساريو خلال سنة 2016 أصيبت بخيبات ونكسات شكلت لها إعاقة وعوامل إضافية ستزيد من ضعفها ووهنها، الأمر الذي سيزيد من تقهقر الأطروحة الانفصالية وسرعة أفولها بعدما فشلت في تحقيق ما كانت تهدف إليه”.

وكان من الضروري على المغرب تفنيد هذه الأطروحة المضللة، وقد رأينا كيف أن السحر انقلب على الساحر، عندما رفض البرلمان الأوروبي الرفع من مساعداته لمخيمات تندوف بعد أن فضح مكتب محاربة الغش اتجار قيادات للجبهة فيها.

ولعل آخر ضربة تلقتها كانت من البرلمان الأوروبي، حيث رفض الأسبوع الماضي إجراء تعديل على التقرير السنوي 2015 للاتحاد الأوروبي حول حقوق الإنسان كان واضعوه يسعون من ورائه إلى توسيع صلاحيات بعثة “المينورسو” لتشمل مراقبة حقوق الإنسان بمناطق الصحراء.

وبهذا القرار يكون اللوبي الذي يدعم أطروحة الانفصال قد مني بهزيمة أمام عدالة قضية المغرب داخل البرلمان الأوروبي. وفي هذا الصدد قال محمد الشيخ بيد الله، رئيس مجموعة الصداقة البرلمانية للمغرب بالاتحاد الأوروبي، إن هذا الإنجاز جاء نتيجة حتمية للتراكمات والمكاسب التي يحققها المغرب في العديد من المجالات.

وفي مايو من العام 2016 توفي زعيم جبهة البوليساريو محمد عبدالعزيز، بعد ثلاثة عقود تقريبا من زعامته للجبهة التي تطالب بانفصال جنوب المغرب عن الشمال. وشكلت وفاة محمد عبدالعزيز المراكشي حدثا سياسيا ليس داخل مخيمات تندوف فقط بل على مستوى كل أجهزة النظام الجزائري، حيث أن زعيم البوليساريو وأحد مؤسسيها كان حاكما بأمر الجزائر والمتحكم في دواليب تصريف القرار بمخيمات تندوف لعقود كثيرة مضت.

ولفت صبري الحو، في حديثه لـ”العرب”، إلى أن سنة الحلم تحولت إلى كابوس واهتز جمهورها بعدما فقدت أمينها العام محمد عبدالعزيز المراكشي، فدبّت الريبة والشك في صفوف قاعدتها غير المنسجمة أصلا.

الانتكاسات التي منيت بها جبهة البوليساريو، جاءت كنتيجة حتمية للمكاسب التي يحققها المغرب في العدة من المجالات

وأشار الحو إلى أن الفرقة امتدت إلى مربع قيادتها بين الأمين البوهالي الذي آمن بأنه صاحب الدور في القيادة، فأزاحته الجزائر لتمنحها إلى إبراهيم غالي الذي يطيعها ويأتمر بأمرها وينفذه. وأضاف محدثنا أن البوليساريو والجزائر فوجئتا بالمغرب يزلزلهما بانتشار كاسح داخل ساحة أفريقيا، حيث أزاح اسم الجبهة من قلاع كانا يعتقدان أنها ستبقى على تحالفها مع كيان وهمي.

وفي 18 نوفمبر الماضي أصدر خوسيه دي لاميتا، قاضي المحكمة الوطنية بمدريد، قرارا بحق إبراهيم غالي للمثول أمامه بعد اتهماه في قضايا خطيرة تتعلق بجرائم القتل وجرائم ضد الإنسانية والتعذيب والإبادة الجماعية والاحتجاز التي كان ضحيتها مواطنون صحراويـون يحمل أغـلبهم الجنسية الإسبانية، وهو القرار الذي ألحق ضررا بسمعة البوليساريو وفضح آلتها الدعائية أمام الرأي العام العالمي والإسباني على الخصوص.

وخلال سنة 2016 انكشفت علاقة البوليساريو بشبكات إرهابية مسلحة تنشط بين جنوب الجزائر وشمال مالي وانتهاكات حقوقية. وإلى ذلك أشار رضا الفلاح إلى أن التنظيم الانفصالي تلقى ضربة موجعة بمحاصرة زعيمه المتابع قضائيا في إسبانيا بتهم القتل والتعذيب والعبودية والاغتصاب.

وعلى صعيد مجلس الأمن استطاع المغرب إبطال كل المحاولات اليائسة من قبل داعمي تقسيم المملكة لاستصدار قرار مناوئ بعد قيام السلطات الأمنية المغربية بتطهير جزء من منطقة الكركرات العازلة نظرا للتهديد الترابي المباشر. وقد بلغت ذروة انتكاسة البوليساريو، بحسب رضا الفلاح، عندما عبأ المغرب كل طاقاته ومؤهلاته من أجل العودة إلى الاتحاد الأفريقي من بوابة الشراكة الاقتصادية والتعاون المربح لجميع بلدان القارة بمن فيهم دول أفريقيا الوسطى والشرقية.

ويرى مراقبون أن النهج الاستباقي للدبلوماسية سيمهد الطريق لتبوأ المغرب مكانته الطبيعية داخل المؤسسة القارية من موقع قوة، لكنها قوة بالشراكة تحمل رؤية للمستقبل، في المقابل تنحسر الخيارات لدى الجبهة الانفصالية ويضعف البعد الاستراتيجي في توجهات الجزائر.

وقد تجسد ذلك كما يرى رضا الفلاح، في التلويح المتهور بالحرب والقيام باستفزازات في منطقة الكركرات، ما يدل ذلك على فقدان البوصلة أمام نجاحات ملموسة للمغرب في أفريقيا.

وفي خطوة استفزازية، اعتبرها مراقبون تعبيرا عن نفسية المنهزم المتخبط، قام إبراهيم غالي زعيم الانفصاليين برفقة مرتزقة من جبهة البوليساريو مطلع الشهر الجاري بزيارة إلى منطقة الكركرات الواقعة قرب الحدود المغربية الموريتانية خلف الجدار الرملي المغربي، في خطوة اعتبر الخبير المغربي أنها جاءت في وقت اشتد فيه الخناق دبلوماسيا عليها بعدما اقتحم المغرب دول شرق أفريقيا نهاية هذه السنة التي كانت تحسب عادة إلى جانب الأطروحة الانفصالية، وهذا ما جعلهم يحسون بنوع من الضيق ويريدون استبدال هذا الضغط الدبلوماسي بالتركيز على ما هو حربي وقتالي.

وبحسب رضا الفلاح فإن هذا ما دفع بالجزائر إلى لعب ورقة موريتانيا التي أخرجها رئيسها ولد عبدالعزيز من حيادها وأدخلها في مأزق خطير بمناوأتها للوحدة الترابية للمملكة في مناسبات عديدة، كان آخرها تسهيل تسلل زعيم الانفصاليين إلى الواجهة الأطلسية في استعراض دعائي يغطي به على إخفاقاته ومحاصرته دوليا.

4